“تل حرمل”.. مفخرة حضارة إشنونّا المنسيّة!

265

حسن جوان /

تل حرمل، موقع آثاري عراقي مهم، يقع جغرافياً على أطراف منطقة تلّ محمد في بغداد الجديدة، وفيه خُزنت وثائق مملكة إشنونّا، وحرثها وتعاملاتها، وقد أتاح لنا الدكتور ليث حسين مدير هيئة الآثار والتراث فرصة دخول الموقع، والاطلاع على واقعه، وخطط الهيئة لصيانته، فكان هذا التحقيق.
الأسابيع الثلاثة التي استغرقها انجاز هذا التحقيق آتت أُكُلها في النهاية، بتعاون مع رئيس هيئة الآثار والتراث والموظفين المقيمين في الموقع.
هذا الموقع، البائنة أركانه منذ قرون، لم تختفِ عظمته وتأثيره، فهو شاخص متشابك مع ميراث إحدى أهم الممالك الرافدينية سحيقة القدم وبالغة التأثير.
إنه أثر يقع في أطراف مملكة إشنونا، وكان قد فكك أسراره العلّامة طه باقر، رفقة خبراء ومنقبين أوروبيين، فاكتشفوا قانوناً سبق حمورابي ها هنا، ومدّخرات لنسخة من ملحمة كلكامش، ومعادلات رياضية سبقت إقليدس، وبضعة آلاف من رُقُم توثق كل التعاملات التجارية والقانونية والأدبية، ولقىً متفرقة تحكي قصة نسغ ما زالت بقاياه ترفد بقايانا المشتتة. “تل حرمل”، هو الاسم المحلي لهذه المؤسسة، أو الوزارة التي تختزن كل وثائق إشنونا، وحرثها وتعاملاتها، ويقع جغرافياً على أطراف منطقة (تل محمد) في بغداد الجديدة، يقابله تل آخر غير بعيد، تشتبه تسميته على غير المتخصص، نظراً لقرب الأثر وتشابه الأسماء.
كانت خاتمة هذا التجوال أن أتاح لنا مدير هيئة الآثار، الدكتور ليث حسين، المتخصص بموقع تل حرمل برسالته البحثية، بحسب ما أفاد لنا، فرصة لدخول الموقع وقدم لنا هذه الإضاءة. يقول د. ليث استناداً إلى تخصصه البحثي بموقع تل حرمل:
موقع “تل حرمل” من المواقع المهمة جداً التي تعود إلى العصر البابلي القديم، وتسمية “تل حرمل” هي تسمية محلية أطلقها السكان المحليون على الموقع لانتشار نبات الحرمل على سطح هذا التل، واسم المدينة القديمة هو “شادوبّم”، التي لا نعرف معناها حتى الآن، هناك فقط كلمة “شادبّ” الأكدية التي لا تمتّ بصلة إلى تسمية المدينة هنا وتعني “بيت الألواح.” موقع شادوبم يعود إلى مملكة إشنونّا التي مركزها محافظة ديالى الحالية، وكانت من الممالك المهمة والقوية جداً، وقد عُثر في هذا الموقع على كثير من البيوت للسكنى وعلى معبد كبير، وهو ما يسمى اليوم “معبد الأسد”، لوجود الأسود الحامية على مدخله، على يمين بوابته، وفي داخل المعبد نفسه أيضاً في الباحة الوسطية هناك أسود ترمز إلى القوة والحماية. هذه الأسود الموجودة حالياً في الموقع هي نسخ إسمنتية للأسود الأصلية المحفوظة في المتحف العراقي. كما عُثر على معابد مهمة جداً هناك، منها “المعبد المزدوج” الذي جرت صيانته ويمكن مشاهدته، ويعود هذا إلى الآلهة “خايا” و”نيسابا.” هناك أيضاً بعض المعابد الصغيرة في تل حرمل إلى الجوار.
ومن أهم الاكتشافات في هذا الموقع هو العثور على ثلاثة آلاف لوح مسماري درسها الباحثون، وهي ألواح تعود إلى فترة العصر البابلي القديم. والنصوص كانت عبارة عن رسائل تضمنت عقود بيع وشراء ونصوصاً مدرسية وأخرى قاموسية، وهناك عُثر على نسخة من ملحمة كلكامش وعلى واحد من أهم القوانين وأقدمها الذي يطلق عليه “قانون اشنونّا.”
التنقيبات المشار إليها كانت في أربعينيات القرن العشرين اضطلع بها العلّامة طه باقر والأستاذ محمد علي مصطفى وباحثون آخرون، وقد عثروا أيضاً على بعض اللقى المهمة في الموقع، وأسفرت التنقيبات عن اكتشاف كثير من بيوت السكنى.
يختم د. ليث حديثه قائلاً: الموقع الآن مسيج لحفظه من التجاوز وقد كان لفترة قصيرة في حالة جيدة ويمكن زيارته، أما اليوم فأعتقد أنه بحاجة إلى بعض التنظيف والصيانة ليستعيد ألقه ليتمكن المواطنون والسيّاح من زيارته.
سياج عاصمة الثقافة
كان هذا الموقع لعقود متعاقبة مكاناً مكشوفاً لا يحظى باهتمام يذكر من لدن الدولة العراقية، حتى في طريقة ترميمه والبناء على أساساته القديمة، فمن الواضح أنها طريقة بناء تنطوي على سوء التعاطي مع معطى تاريخي بهذه القيمة والقدم، إذ نجد أن هذه الجدران قد شُيدت بطابوق حديث وطليت بالطين والتبن بطريقة ساذجة، في حين أن بقايا حجر (الفرشي) الذي كان معتمداً في بنائها الأصلي متناثرة في الجوار، والموقع محاط بمنطقة سكنية نشأت وتوسعت منذ خمسينيات القرن الماضي. ولعل من حسن الحظ أن السكان المجاورين لم يتجاوزوا على أركان هذا الأثر ولم يجرؤ أحدٌ على التقدم فيه شبراً واحداً. وما عزز الوعي الاجتماعي في هذا الصدد قبل سنوات قليلة هو انطلاق مشروع (بغداد عاصمة الثقافة) إذ أحيط الموقع بسياج حفظ إلى الآن ما تبقى، بعد أن كان مكشوفاً وملاذاً لشتى أنواع العبث بين حين وآخر.
نقص القادرين على التمام
واضح أن تل حرمل قد تعرض لكثير من الإهمال وطالته يد العبث المتعمد من بعض المسيئين، فضلاً عن عوامل التقادم والظروف البيئية. ومع إدراكنا لإخلاص الزملاء والمسؤولين القائمين على هذا الموقع وكثير من مواقع العراق الأثرية الأخرى، لكن توجيهات بسيطة بتنظيف المكان وإعادة صب النسخ الإسمنتية لأسود المعبد المهشّمة والمطروحة أرضاً لا تحتاج إلى انتظار التصديق على موازنة عام 2021 ولا غيره من الأعوام، إنها وظيفة وليست رصيداً انفجارياً لإعادة الباب المطروح أرضاً بلا سبب، وثمة باب مسيّج ومغلق أمام المدارس والسيّاح والصحفيين. إنه نقص نقدر معاً على إتمامه دون كلفة تذكر، إلا إذا كان نقص القادرين على التمام.