جمعوا الملايين بالاحتيال.. عادات دخيلة في المؤسسات التر بوية

40

علي غني /

لم يخطر في بال أحد أن “القفاصين” يزحفون إلى المدارس، عرفناهم ينتشرون في الأسواق، في أماكن التجارة، في محال تصريف العملة، أما في المدارس وملاكاتها فتلك(كارثة) كبرى! فهذا أحد المعلمين(المحسوب على سلك التعليم)، بلغت (ثروته) من (التقفيص) مايزيد على(٥٥) مليون دينار. وتقول إحدى المعلمات إن مديرتها “قفصت” عليها بأكثر من(١٥) مليون دينار!

قصص مخيفة أخرى يرتكبها أناس محسوبون على التعليم، لسنا بصدد التشهير، على الرغم من أن بعض الأسماء انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، لكننا سنناقش القضية من ناحية تربوية، فهل يمكن للمعلم أن يكون نصاباً أو قاتلاً ؟! وأين يكمن الخلل؟ في شخصية المعلم، أم بمستوى الإعداد، كما سنبحث عن الحلول التي  من خلالها يمكن أن يسترد أصحابها المبالغ التي سرقت منهم (تقفيصاً).

كيف يتم “التقفيص”

المعلمة (أ) بدأت بسرد قصتها أمام  الناس جميعا، ونشرتها على مواقع التواصل الاجتماعي: “إني المعلمة (أ) في مدرسة (ب) الابتدائية في مدينة (س)، نقل الينا (المعلم م)، وبعد شهرين من الدوام، ادعى أنه يريد أن يجري عملية وتكاليفها (٧) ملايين دينار عراقي، وبكى أمام جميع المعلمات وصدقناه، فقمت بجمع المبلغ  بتعب ومشقة، واستدنت من والدي في سبيل سد حاجته. وبعد مدة من الزمن استفسرنا عنه، فوجدنا أنه كان كاذباً، فهو ليس بمريض، وأن ادعاءه بشأن العملية الجراحية لا صحة له، لذلك قررنا الذهاب الى بيته ( والكلام للمعلمةأ)، فقال أهله: نحن(بريئون منه)، وكذلك عشيرته، ولم يتكفلوا بدفع المبلغ، واتضح من كلامهم انه مدين بـ(٥٥) مليون دينار. أما طريقته في النصب، فإنه عندما يحصل على مبلغ معين من المدرسة، يذهب الى التربية ويروج معاملة نقل الى مدرسة أخرى، إذ تبين -بعد الاستقصاءات- أن مديرة مدرسة (ي) نصب عليها بـ(٣٨ ورقة)، ومعلمة اخرى نصب عليها بـ (٢٢ ورقة)، ونصب على معلمين آخرين بـ (١٥) مليون دينار. وانا أختم هذه القصة، فإن الغرض منها تحذير المدارس كافة من هذا (النصاب)، وقد عرضت هذه القصة حتى على جهاز الأمن الوطني.”

استغلال الطيبة

لم تكن المعلمة (ف) بأحسن حال من صاحبتها: “إنها مديرتي التي استغلت طيبتي، (بدأت حديثها)، فادعت أنها تريد شراء سيارة، فأخذت لها سلفة بـ (١٠) ملايين دينار، وبالحجة ذاتها أخذت من المعاونة أيضا مبالغ مليونية، ونحن لحد الآن نسدد ديونها دون أن تدفع شيئاً.” تواصل (ف) حديثها: “إنها لم (تشبع) بذلك، بل استدانت من المحاضرين ملايين الدنانير بحجج ماكرة، ومازال الكل يطلبها، والأدهى من ذلك أن إحدى الجمعيات تطلبها أقساطاً، وبما أني الكفيلة، فقد بُلغت أن أسدد عنها، وأنا الآن في حالة انهيار تام.”

نصب واحتيال

أما المحامي يحيى الواجد -رئيس مؤسسة آفاق العدالة للدعم القانوني- الذي سألناه عن هذه العمليات، فأجاب: تعامل هذه العمليات، كـ (نصب واحتيال)، وتترتب على (القفاص) جريمة يعاقب عليها القانون على وفق المادة(٤٥٦)، التي تنص: (يعاقب بالحبس كل من توصل او تسلم او نقل حيازة مال منقول مملوك للغير لنفسه او لشخص آخر بإحدى الطرق الاتية: (الطرق الاحتيالية) لمدة لا تزيد عن خمس سنوات. سألنا (للواجد): وكيف يسترد الشخص أمواله التي فقدها (بالتقفيص)؟ فأجابنا على الفور: يمكنه إقامة دعوى مدنية للمطالبة بالتعويض واسترجاع المبالغ التي أخذت منه.

أيد ذلك المعاون القضائي محمد حمدان، قائلاً إن شكاوى النصب والاحتيال تقدم الى المحاكم الجزائية، وهي التي تبت في عمليات النصب والاحتيال، وبعد أن تصدر هذه المحاكم قراراتها بتجريم (القفاص)، عند ذلك تحتفظ المحكمة بحق المطالبة بالتعويض أمام المحاكم المدنية لاستحصال المبالغ التي أخذت من (المقفَّص عليه).

نغير عنوانه الوظيفي

من جانبه، أبدى المدير العام لتربية بغداد الرصافة الثالثة حسين علي ناصر العبودي رفضه القاطع لمثل هذه الظواهر في الوسط التربوي، وأكد انه تم  تشخيص حالات في بعض المدارس .

وتابع: “أنا بصراحة أعالج هذه الحالات بنحو تربوي ناجع، بعدما نتأكد من دقة المعلومات عن طريق الشعبة القانونية، فإذا ثبت تقصير التربوي المشتكى عليه من خلال إجراء تحقيق في الموضوع، نعالج الأمور سلمياً، بأخذ التعهدات القانونية بعدم تكرار مثل هذه الحالات.” وماذا لو كرر هذا المقصر فعلته؟ فأجاب على الفور: “سنغير عنوانه الوظيفي من معلم الى موظف عادي، لأن مهنة التعليم  مهنة رسالية.”

قدوة حسنة

 فيما وصفت الدكتورة شيماء العباسي، أستاذة العلوم النفسية والتربوية في جامعة بغداد  كلية التربية ابن رشد، هذه الظاهرة بأنها (ظاهرة سلبية مرفوضة) ظهرت في مجتمعنا بنحو عام، ووصلت –مع الأسف- إلى المجال التربوي الذي يقع عليه تصويب الأخطاء التي تظهر في المجتمع من خلال سلوكيات المعلمين الذين يعدون القدوات الحسنه  لطلبتهم الذين غالباً ما يتقمصون كثيراً من سلوكيات المعلمين لتصبح جزءاً من سلوكياتهم في المستقبل، لكن ما يظهر الآن من سلوكيات بعض المعلمين والذين يدعون بالعامية (٥٦)، ماهو إلا نتاج تنشئة اجتماعية خاطئة، ولابد من أن يبعد هؤلاء عن مجال التعليم لأنهم قدوة سيئة ولا يصح أطلاق كلمة (مربي) عليهم، وهذا السلوك ناتج عن مجتمع غير مستقر أمنياً واجتماعياً، كما يعد اختراقاً لمنظومة قيم وأعراف وعادات مجتمعية كانت تحكم المجتمع وتربت عليها الأجيال السابقة.

وتابعت (العباسي): “أما الآن فإن ما كان عيباً وحراماً ووصمة عار، أصبح مقبولاً ولايعد عيباً، إذ أن اهتزاز هذه القيم نتجت عنها هذه السلوكيات الخاطئة وغير الصحيحة في مجال التعليم، ولابد من اجتثاث هؤلاء المعلمين أصحاب هذه السلوكيات للحفاظ على الجيل الجديد الذي لابد من أن ينشأ على سلوكيات المعلمين الصحيحة لنبني وطناً مزدهراً خالياً من الظواهر الهدامة في المجتمع العراقي النبيل.”

حق التصرف

ولكي نستطلع وجهة النظر العشائرية الحقيقية في قضية النصب والاحتيال، أو ما يطلق عليها (التقفيص)، كنت ضيفاً عند السيد عبد الهادي السيد عكلة الموسوي، أحد وجهاء السادة (البو حمد) في ميسان، المعروف بخبرته في حل المشاكل العشائرية، إذ بين لنا موقف العشائر عن مثل هؤلاء الأشخاص، فكل شخص يمارس النصب والاحتيال (يكسرون عصاه)، يعني تتبرأ العشيرة منه، عشائرياً وقانونياً، بوثيقة يسمونها(سند عشائري)، يوقع عليها رئيس عشيرته ورؤساء العشائر البارزين، رئيس الفخذ، إخوانه، والده، شهود، ويصادق عليها عدد من العشائر الاخرى.

وتابع السيد عبد الهادي: “تنص الوثيقة السند على (أن هذا الشخص عنده سلوكيات منحرفة تتنافى مع العرف الاجتماعي والأخلاق، لذلك نحن نتبرأ منه، وغير مسؤولين عشائرياً عنه، وكذلك غير مسؤولين  أمام القانون عنه، ولكم حق التصرف به كما تشاؤون).”