جُرِّفت بساتينها وتحولت مشاتلها إلى عشوائيات.. من يعيد إلى بغداد رونقها ؟

95

ريا عاصي /

المدينة التي يقطنها نحو ثمانية ملايين نسمة، وتعاني من ارتفاع درجات حرارتها صيفاً، وتحيط بها شتى أنواع الملوثات التي تنفث أول أوكسيد الكربون وأول أوكسيد الكبريت، تعرضت إلى واحدة من أكبر عمليات التجريف لمساحاتها الخضر، فقد أزيلت بساتين كبيرة وتحولت مساحاتها الخضر وحدائقها الجميلة إلى كتل كونكريتية بفعل عمليات التشييد والبناء خارج التصميم الأساسي للمدينة بخلاف كل القوانين البيئية التي تنظم حياة السكان.
وبينما يلقي المواطنون اللوم على أمانة بغداد لعدم إيفائها بواجباتها، فإن المسؤولين في الأمانة يبررون أن ما حدث ويحدث لبغداد ومناطقها الخضر يعود إلى صراعات بين جهات نافذة لا تقوى الأمانة على مواجهتها!
بيوت بغدادية
يقول الباحث في تراث بغداد (باسم عبدالحميد حمودي): “لقد عرف البغداديون بولعهم بالأشجار والاهتمام بالحدائق، وكان الحوش البغدادي في عشرينيات القرن المنصرم يشتمل على حديقة صغيرة يطلق عليها البغداديون تسمية (البقجة)، التي تضم أشجار الرمان والنارنج والزيتون وتتوسطها بالطبع عمتنا النخلة المقدسة.”
وبيّن حمودي للشبكة: “أن الميسورين من أهالي بغداد تسوّر منازلهم حدائق غنّاء تشتهر بشجيرات (الآس)، أو كما يسميها البغداديون (الياس)، وأشجار الحمضيات من نارنج وليمون وبرتقال، فضلاً عن التفاح الأبيض الصغير والرمان، ناهيك عن الأشجار ذوات المنزلة الخاصة لدى العراقيين من السدر والزيتون والنخيل.”
ويضيف الباحث في تراث بغداد قائلاً: “مع تقدم العمران وانتقال أهالي الأحياء القديمة إلى السكن في أحياء حديثة ذوات شوارع إسفلتية وخزانات مياه إسالة ومجاري صرف صحي، حرص المعماري العراقي على أن يضيف للمنزل مساحة خضراء تسور البيت بحيث لا يلتصق بجاره كما كانت الأحياء القديمة.
وعرفت أحياء كثيرة في بغداد بشوارعها وأزقتها الخضر، فالبتاويين مثلاً اشتهرت بأشجار السدر التي يسميها البغداديون (النبقة)، والوزيرية اشتهرت بأشجار نخيل جوز الهند والتين الأندلسي واليوكالبتوز التي حملها المستعمر البريطاني معه من السفن التي جاء بها من الهند، والكاظمية بنخيلها الباسق، والأعظمية بالنومي الحلو، والكرادة اشتهرت بالنخيل والزيتون.
والواقع أن البغداديين ظلوا أوفياء لتراثهم واستمروا في تزيين حدائقهم بنباتات الزينة غير المثمرة، مثل الجهنمي والشبوي والجوري والغاردينيا والرازقي والسلطاني وزهور النسرين.”
وأشار حمودي إلى أن التدهور بدأ نتيجة حكم الطاغية والحروب التي طالت البلاد بسببه، إذ دمرت الحرب غابات النخيل في البصرة. لكن الكارثة حدثت بعد عام 2003، إذ جرى زحف كبير على مزارع بغداد وبساتينها في مناطق الكريعات، والعطيفية، والدورة التي جرت فيها مجازر إعدام النخيل والأشجار المثمرة التي استبدلت بعشوائيات ومنازل كونكريتية.
بغداد تختنق
وبسبب عجز الدولة عن توفير الكهرباء، انتشرت المولدات التي يقدر عددها في بغداد بأكثر من ثلاثة آلاف مولدة تقذف أنواع الملوثات في سماء بغداد، فضلاً عن أن الزحف العمراني بات قريباً من مصافي الدورة المتهالكة التي باتت سحب دخانها تلوث مناطق شاسعة من بغداد.
ونتيجة لانفتاح الاستيراد العشوائي للسيارات، فقد ارتفع عدد السيارات وفقاً لاحصائيات دائرة المرور العامة في بغداد وحدها من نصف مليون إلى خمسة ملايين سيارة، تخلف أطناناً من الملوثات، ولاسيما أول وثاني أوكسيد الكربون، وقد ضاقت بها شوارع بغداد ذرعاً واختنقت سماؤها.
يؤكد الدكتور (إبراهيم جواد اليوسف) أهمية الأﺸـﺠﺎر في تقليل اﻟﺤﻤـل اﻟﺤـراري ﻟﻺﺸــﻌﺎع اﻟﺸﻤﺴـﻲ اﻟﺴــﺎﻗط ﻋﻠـﻰ رﻗﻌــﺔ مدينة ﺒﻐــداد وﻤﺴــﺎﻫﻤته ﻓــﻲ تغيير ﻤﻨــﺎخ المدينة. يشير اليوسف، في بحث علمي نشرته مجلة (المعمار) بعنوان (أثر تشجير اﻟﺸوارع الحضرية ﻓﻲ تحسين اﻟﻤﻨﺎخ اﻟﻌﺎم لمدينة بغداد)، إلى أن زراﻋــﺔ اﻷﺸـﺠﺎر بكثافة تسهم ﻓـﻲ تقليل درجة حرارة اﻟﻬــواء ﻓــﻲ الصيف، وتجعل مناخ المدينة يقترب من حدود درجة الراحة الحرارية للإﻨﺴــﺎن.
ويظهر البحث أن ثمة تغيراً ملحوظاً ﻓـﻲ درﺠــﺎت اﻟﺤـرارة من جرّاء تشجير اﻟﺸــﺎرع اﻟـذي أجريت فيه القياسات، إذ اﻗﺘرﺒـت درجة حرارة اﻟﻬــواء ورطوبته وتحركه من حدود الراحة الحرارية لإنسان اﻟﻤﻨﺎطق اﻟﺤﺎرة اﻟﺠﺎﻓﺔ، وﻟم تتحقق بالكفاءة نفسها ﻓﻲ حالة التظليل بالكتل البنائية.
كما أظهر البحث أن التشجير وزيادة المناطق الخضر يسهمان بتقليل اﻟطﺎﻗﺔ الكهربائية اﻟﻤﺼروﻓﺔ ﻋﻠﻰ تكاليف المباني، وذلك ما شجعنا ﻋﻠﻰ التوصية بتشجير اﻟﺸوارع الرئيسة وﻛـذﻟك تشجير شوارع الاحياء السكنية لأن من شأن ذلك أن تغيير مناخ مدينة بغداد.
ثقافة التشجير
تستذكرالخبيرة والأستاذة السابقة في كلية الزراعة (توحيد المراني) حملات التشجير التي اضطلع بها الطلبة بإشراف أساتذتهم بتشجير شارع المطار وعدد من الأحياء البغدادية، فقد كانت جامعات بغداد ومدارسها تغرس في النفوس ثقافة الحفاظ على النباتات ورعايتها، وتشجع الطلبة على زراعة الأشجار.
تقول المراني: “كنت أُسعد جداً بمنظر طلبتنا وهم يقودون تراكتورات عنتر حاملين الشتلات وهم يرتدون صداريهم البيض فوق زيهم الموحد، كان منظرهم يشعرك بالبهجة حقاً.”
وأعربت عن أسفها لأن ذكرياتها الجميلة في شوارع بغداد الخضر التي تفوح منها عطور أشجار الحمضيات والشبوي والغاردينيا باتت مختنقة بهواء ملوث نتيجة المولدات والسيارات. وقالت إن بغداد تتعرض دائماً إلى عواصف رملية وكثبان متحركة، لذلك كنا نأمل أن تهتم الجهات المعنية بتكثيف زراعة الأشجار لحماية سكان العاصمة من الملوثات والحرارة العالية، لكن ما يحدث أمر مؤسف وتدمير منظم للبيئة يحتاج منا إلى جهود عظيمة لإعادة التوازن البيئي لعاصمتنا الحبيبة.
مبادرات
وأمام عجز الجهات الحكومية عن النهوض بواجباتها اندفعت مجموعات شبابية للقيام بحملات تطوعية لتشجير شوارع العاصمة بغداد وأحيائها.
يتحدث الناشط (عامر عبد الملك) عن تجربته قائلاً: “بدأت مجموعتنا قبل أعوام العمل في تطوير أحد شوارع منطقتنا بمدينة الحرية فعمدنا إلى صبغ الرصيف وغسل الشارع وتشجيره وإنارته، هذه التجربة شجعت الشباب من الأحياء القريبة على تنظيف شوارعهم، ثم جاءت فكرة (لم لا نزرع شوارع الحي والشارع العام)؟”
ويضيف: “بعد أن نُشر الموضوع في مواقع التواصل الاجتماعي جرى التنسيق وتشكيل فرق العمل وتوزيع المهام، وجعلنا كل يوم جمعة يوماً للزراعة في شوارع بغداد وأحيائها، لكن واجهتنا مشكلة وهي: من سيتولى سقي هذه الشجيرات؟ لذلك أعتقد أن حملات التوعية وتشجيع الناس على الشعور بالمسؤولية والمحافظة على نظافة حياة الأشجار وإدامتها هي مسؤولية المواطن والحكومة معاً.”
أما الناشطة (رفل هادي، عشرينية، موظفة)، فتقول: “بدأت أنا وبنات الحي بزرع الأرصفة المجاورة لمنازلنا، ثم قمنا بتكثير أقلام الأشجار الاستوائية المزهرة التي يمكنها العيش في المناخ الصحراوي وتمنح ظلالاً وافرة وترتفع عالياً وتقاوم العطش، وعن طريق الفيسبوك نقوم بإيصال هذه الأقلام ومتابعة زراعتها.”
وتضيف: “أتابع أنا ومجموعة من ناشطات المناطق التي تنهي فرق أمانة بغداد العمل فيها فنزرع الأرصفة القريبة منها، ولاسيما داخل الأحياء السكنية.”
خلافات وصلاحيات
يقول مصدر مسؤول في المديرية العامة للمتنزهات والتشجير (رفض ذكر اسمه): “المشكلات والخلافات بشأن الصلاحيات وملكيات أراضي الدولة عطلت كثيراً من الخطط والمشاريع لتشجير عدد من المناطق الحيوية في بغداد مثل: بارك السعدون ومنطقة الدورة، مشيراً إلى أن الأمانة تتنازع حول ملكيات كورنيش دجلة مع وزارة الموارد المائية، ما دفع دائرة استثمار بغداد لاستغلال هذا الخلاف لمصلحتها، إذ منحت تلك الأراضي إلى مستثمرين شيدوا عليها مشاريع مختلفة، والنتيجة حرمان سكان بغداد من مناطق شاسعة كان يمكن استثمارها لإنشاء كثير من المتنزهات من دون أن تتحمل الأمانة مبالغ كبيرة في إنشائها.
وكشف المسؤول عن وجود جهات استغلت مساحات شاسعة داخل العاصمة وفي ضواحيها كانت مخصصة لتكون مشاتل ومناطق خضراً ضمن التصميم الأساسي للعاصمة، وأن عمليات الاستحواذ هذه جرت خارج نطاق القانون، متوقعاً أن يترك ذلك آثاراً سلبية على جمال المدينة وبيئتها.
كما أن كثيراً من الأراضي المهملة تحولت إلى مكبات للنفايات وإلى عشوائيات سكنية متفرقة، وتعمل أمانة بغداد على مفاتحة بعض الوزارات، ولاسيما وزارة المالية، بهدف تجاوز المعرقلات التي تقف عائقاً أمام جهود الأمانة لتحويل تلك الأراضي إلى متنزهات عائلية.
وأعرب عن أسفه لتدهور واقع بغداد وحرمان سكانها من فسحة وجود متنفسات للأهالي، فقد جرى استغلال مناطق خضر عدة كانت تمنح بغداد رونقاً ميزها عن سائر العواصم. وقد رُسمت خطط لإنشاء أكثر من عشرين متنزهاً تفوق بمساحتها مساحة متنزه الزوراء، لكن حدث العكس تماماً، فتحتَ ستار الاستثمار والإعمار جرى تخريب أراضٍ واسعة من المناطق الخضر في العاصمة، ونحن حريصون على بقاء الزوراء بعيداً عن الاستثمار كي لا تتحول إلى كتل كونكريتية وهي رئة بغداد الوحيدة اليوم.
يبقى أن نذكِّر المواطن العراقي أن نخيل بغداد اليوم الذي نتذوق تمره في الصيف هو زرع آبائنا وأجدادنا في هذه المدينة، فلنحاول حماية بساتين النخيل وكل بقعة خضراء في العراق لكي يعيش أحفادنا وهم يتذوقون ثمار ما زرعنا وسقينا.