حقوق مواطنين سلبتها “الوكالات المزورة”

44

بشير الأعرجي /

كان المنظر الأكثر مشاهدة في بعض مؤسسات الدولة المعنية بنقل الملكية، حالات الإغماء لدى المواطنين، بعد اكتشافهم أن ممتلكاتهم قد باعها اشخاص آخرون بوكالات مزورة، فسلبُ الحقوق بالتزوير يُفقد المرء اتزانه ويصعق عقله، فهل سيستمر هذا الحال؟
هل من نهاية؟
على أعتاب إحدى دوائر التسجيل العقاري رأينا رجلاً طاعناً في السن، وقد اكتشف أن شخصاً مجهولاً باع منزله بوكالة مزورة، فقد حضر الى الدائرة لبيع منزله، لكن وجده باسم غيره، وذهبت أمواله الى جيب المزور، حاله حال كثيرين ممن ذهبت ممتلكاتهم الى آخرين نتيجة تزوير الوكالات العامة والخاصة، فهل من نهاية لهذه الحكايات المؤلمة؟
حدثنا بعجالة قبل التوجه الى تقديم الشكوى: “أنا هنا لبيع داري، لكنه لم يعد لي بسبب التزوير.. لم أحصل على المال ولا بقي البيت لي.. ذهب كل شيء”!
فوضى
الحالة التي كابدها هذا الرجل حدثت مراراً وتكراراً مع آخرين، وضاعت بسببها أموال وعقارات ضخمة لمواطنين حاك المزورون تفاصيل الاستيلاء عليها، إحدى قنوات هذا الاحتيال وكالات المركبات التي كان تعدادها بعشرات الآلاف قبل أعوام، إذ تفشى التزوير فيها، وما تزال ذاكرة العراقيين تحتفظ بقصص كثيرة عن تزوير الوكالات العامة والخاصة التي بيعت على إثرها ممتلكات للمواطنين دون علمهم، ومنها لعراقيين عاشوا منذ سنوات خارج البلاد وتركوا ممتلكاتٍ نهشها المزورون بأوراق “مضروبة” وامتلأت المحاكم بقضاياهم طلباً للعدالة والقصاص من السراق، لا سيما في مرحلة كانت أشبه ما تكون بالفوضى الإدارية وعدم وجود أوراق رسمية محصنة من التزوير..
إجراءات
المدير العام لدائرة الكتاب العدول راستي يوسف حميد الذي تمنح دائرته الوكالات للمواطنين تحدث لـ”الشبكة العراقية” عن عدد من الإجراءات المتخذة التي خفضّت من عمليات التزوير بنسب عالية جداً، وقال: “طوّرنا أربعة نماذج وكالات، تحتوي على علامات فسفورية ومائية سرية لا يمكن لضعاف النفوس تزويرها، وهو ما أغلق باباً واسعاً للتزوير وحفظ ممتلكات المواطنين”. وأضاف: “أغلب حالات التزوير للوكالات يجري بإبراز مستمسكات ثبوتية مزورة أثناء عملية إصدار الوكالة، اذ يمنح الموظف تلك الوكالة للمزور، ليتصرف بها بعد ذلك وفق ما خطط له، لكن الحال تغير اليوم، وتداركنا الوضع، الأمر الذي قلل كثيراً حالات الاحتيال والتزوير”.
ثغرة..
هذه الثغرة والخلل، كانت سبباً في حصول كثير من المزورين على وكالات تصرفوا على وفقها بممتلكات أناس آخرين دون عملهم، فالجريمة هنا تتعلق بانتحال الشخصية بوثائق ثبوتية مزورة للحصول على الوكالة، وليس نسخة الوكالة بذاتها على الرغم من وجود حالات تزوير للوكالات في السنوات الماضية.
المدير العام أوضح أن “مهارات الموظفين جرى تطويرها بالكشف عن المستمسكات الثبوتية المزورة، فقد زُج الموظفون في دائرة الكتّاب العدول في دورات تخصصية ‏بمديرية الأدلة الجنائية التابعة لوزارة الداخلية من أجل اكتسابهم الخبرات في مجال كشف ‏التزوير، وتلقوا معلومات مهمة ساهمت في اكتشاف الوثائق ‏الثبوتية المزورة المستخدمة في إصدار الوكالات، وأساليب التأكد من عائدية الوثائق للشخص، وهو ما منع على نحو كبير إصدار الوكالات المزورة، ومؤخراً ألقيَ القبض على مواطن سعى للحصول على وكالة بمستمسكات مزورة، وقد اكتشفه أحد الموظفين، وتقديراً لأمانته وحرصه كافأه وزير العدل”.‏
جرائم
ولا يتعلق الأمر بتزوير المستمسكات الشخصية للحصول على وكالة يجري على وفقها التصرف بأملاك الغير، بل هناك تواطؤ من بعض الموظفين في الدوائر الأخرى ذات العلاقة.
ومن بين الجرائم المرتكبة نتيجة تزوير الوكالات، تلك التي وقع ضحيتها مواطنون وضاعت حقوق عقارات للدولة في محافظة كركوك مثلاً، إذ حصلت “الشبكة العراقية” على قرارات قضائية بينت بعض تفاصيل هذا التزوير، ومنها إدانة موظفتين في دائرة التسجيل العقاري بكركوك قامتا بتسجيل عقارات وتمرير معاملات بيع بموجب وكالات وكتب تمليك مزورة.
هاتان الموظفتان تلاعبتا بأضابير (36) عقاراً في المحافظة وصدر اثنا عشر حكماً غيابياً بحق المدانة الأولى، وثمانية أحكام غيابية بحق المدانة الثانية وتتراوح مدة كل حكم من الحبس سنة الى السجن سبع سنوات بحسب كل حالة.
تقصير
كما أصدرت محكمة الجنح المختصة بقضايا النزاهة وغسيل الأموال والجريمة الاقتصادية حكماً بحبس موظفة في بغداد شاركت في بيع عقار بمنطقة الكرادة تجاوزت مساحته 10 آلاف متر. وبحسب قرار المحكمة، فإن هذه الموظفة نقلت ملكية العقار الى المشتري باستخدام وكالة معزولة جرى إصدارها في وقت سابق من المالك الأصلي الى محامٍ وبعدها جرى إلغاؤها، أي أنها أصبحت وقت نقل ملكية العقار بلا قيمة قانونية، ومع هذا جرت عملية النقل دون التثبت من المستمسكات العائدة لمالك العقار، وهي مهمة الموظفة التي لم تطلب أيضاً صحة صدور الوكالة التي خولت المحامي بيع العقار.
صحة صدور
ويعاني أغلب مراجعي مؤسسات الدولة من طلب الموظفين لـ”صحة صدور” المستمسكات أو الكتب الرسمية، وهو من حقهم إذ يرون أنه تعقيد للمعاملة، لكن من الوجه الآخر فإن صحة الصدور تعدّ حماية لممتلكاتهم ممن قد ينتحل شخصيتهم ويستولي عليها بنحوٍ مخالف للقانون.
لكن هذا الإجراء الروتيني بدأت معالجته شيئاً فشيئاً لاسيما في دوائر الكتاب العدول، وظهرت بوادره في دائرتين ببغداد مع تغيير المستمسكات الورقية (البطاقة الشخصية وشهادة الجنسية) الى البطاقة الموحدة.
قارئ البطاقات
المدير العام للدائرة راستي يوسف حميد قال: “إن اعتماد البطاقة الموحدة مستمسكاً ثبوتياً تعريفياً للأشخاص ووجود أجهزة قارئ البطاقة الوطنية ساعدت في اختصار الوقت ومنع انتحال الشخصية”.
وأضاف “اعتمدنا أجهزة قارئ البطاقة في كثير من مديريات الكتاب العدول ونُحدّث المعلومات في هذه الأجهزة على نحو دوري ضمن التعاون بين وزارتي العدل والداخلية، وذلك ما أسهم في منع كثير من حالات التزوير ومنع انتحال الشخصية بوثائق مزورة”.
وتابع بالقول: “في النية ضمن خطة العام الحالي شراء مزيد من تلك الأجهزة وتوزيعها على جميع دوائرها لاختصار الوقت وتمهيداً للبدء بمشروع الأتمتة الالكترونية التي ستُنفذ بأخذ بصمات ألكترونية وحفظ المعلومات داخل الحاسوب لمنع حالات التزوير”.
ووأردف: “شرعنا في هذا الإجراء تجريبياً في دائرتي الكاتب العدل في الصالحية والكرخ الصباحي والمسائي.. صحيح أن العملية تستلزم وقتاً ليس بالقصير، لكنها أفضل طريق لوقف الروتين وحفظ أملاك المواطنين من التزوير وانتحال الشخصية بوكالات مزورة، ولدينا موظفون حصلوا على خبرة في اكتشاف الوثائف الثبوتية المزورة، خصوصاً لهوية الاحوال المدنية وشهادة الجنسية، لذا الخط البياني للتزوير انخفض كثيراً”.
مصير..
عمليات تزوير الوكالات لم تتوقف، فلغاية اليوم هناك من يقدم الشكوى بأن شخصاً ما انتحل صفته بوكالة مزورة، وضاعت جراء ذلك ممتلكاته، مثل حالة الرجل الكبير الذي غادر دائرة التسجيل العقاري دون ان نكمل حديثنا معه.
سألنا المدير العام عن مصير الاشخاص الذين يقدمون وثائق مزورة للحصول على وكالات، فقال: “تتولى الجهات الأمنية الموجودة في دوائر الكتاب العدول القبض عليهم، ونرسلهم الى الجهات المختصة لينالوا جزاءهم العادل، لكن بعضهم يترك وراءه كل شيء في المديرية ويتوارى عن الأنظار ويهرب”. وتابع بالقول: “هذا الهروب لا يحل مشكلة المتجاوز على القانون، فقد يرصده موظفونا، ويجري التعامل معه بقوة القانون”.