حينما يحب الطالب درساً ويكره آخر

57

فكرة الطائي/

في بداية كل عام دراسي جديد، وقبل أن يأتي اليوم الأول للذهاب الى المدرسة، تبدأ العائلات العراقية استعدادها لهذا الزائر السنوي، فهي تريد لأبنائها التقدم والنجاح والتفوق في الدراسة منذ الخطوة الأولى الى المدرسة حتى الخطوة الأخيرة، حين يضع الأولاد أقدامهم على عتبة أبواب الكلية.
كل عائلة تتمنى لأبنائها أفضل كلية، فهناك الكثير من العائلات العراقية ترى مستقبل الأبناء في كليات المجموعة الطبية، في حين ترى بعض العائلات رأياً مغايراً، لذلك تنمي رغبة أبنائها في الكليات الإنسانية، ويسعى الأهل منذ البداية الى تحبيب أبنائهم ببعض الدروس وتعزيز قدراتهم المعرفية، في حين أن بعض الأولاد يحبون درساً ولا يحبون دروساً أخرى، وفي ذلك مشكلة لا بد للأسرة من معالجتها بعد الانتباه وملاحظتها.
هذه الحالة أثارتها سيدة في الخمسين من عمرها مع صديقة اشتكت لها من معاناتها مع أولادها في العام الدراسي، صديقتها في منتصف الثلاثينات، ويبدو أنها أرادت أن تستفيد من تجربة تلك السيدة الخمسينية، لكن الحديث توسع وشمل دائرة من السيدات اللائي حضرن دعوة الغداء في بيت هذه السيدة، وكانت الآراء مختلفة والتجارب متنوعة والاختيارات كثيرة، لكن ما ترسخ في ذهني أن مشكلة الأولاد في حب درس وكراهية درس آخر تكاد أن تكون مشتركة عند غالبيتهم.
يعد ولا يفعل :
تقول السيدة إيثار القرغولي – أم لولدين – “منذ الدراسة الابتدائية لمست لدى ولدي ياسر تفوقه في الدروس العلمية، فضلاً عن حبه للموسوعات المصورة المخصصة للأطفال، التي يجلبها الوالد من سوق الكتب، وقبل أن ينهي الابتدائية صار يتابع -في أوقات الفراغ- القنوات العلمية، لم أتدخل في ذلك أو أسعى الى التقليل من هذه الاهتمامات على الرغم من أني لاحظت تراجع مستواه في الدروس الأخرى، لكن ذلك التراجع ليس بالتراجع الخطير وإنما يقلل من ترتيبه المتقدم في الصف، حاولت أن أتحدث معه عن تلك الدروس التي لا يعيرها اهتماماً مثل الرياضيات والعلوم، كان يسمع ويعدني بالاهتمام لكنه في النهاية لا يفعل ذلك.”
فيما تبنى السيد عبدالله سعد – تربوي – رأياً مختلفاً عن السيدة إيثار، وهو: “يبدو لي أن الجينات تعمل عملها لدى الأولاد، فمنذ صغري كنت أهتم بالتاريخ وأحب الحكايات التاريخية، وهو الأمر الذي لمسته لدى ولدي محمد، لكن حبه لهذا الدرس لم يقف عائقاً أمام حبه للدروس الأخرى، وإنما بالعكس صار محفزاً له في أن يكون مجتهداً في الدروس الأخرى، وبقيت أتابعه في سنوات الدراسة الابتدائية لتقويم العثرات التي يتعرض لها أثناء الدراسة، لذلك أشعر أني جنبت ولدي من حبه لدرس دون درس آخر، إذ جعلته يهتم بكل الدروس بدرجة واحدة من مواد الرياضة والرسم حتى الرياضيات واللغات، مروراً بالدروس الأخرى.”
غرست فيهم حب العلم
الى ذلك، ذكرت السيدة يسرى عبد الحميد – موظفة – في بداية حديثها: “أنا تخصصي علمي في الدراسة الجامعية، فرع الكيمياء، وأحب التخصصات العلمية لأني أشعر أن فيها متعة الاكتشاف وتنشيط العقل، لذلك سعيت الى غرس هذا الحب لدى أولادي، إذ وجدت أن لديهم الرغبة في تقبل واستيعاب المواد العلمية والتفوق فيها عن بقية الدروس الأخرى، لا أقول إن النتائج في الدروس غير العلمية لم تكن متميزة، بل بالعكس، فقد كانوا من المتميزين الأوائل، لذا سعيت معهم في أن يحافظوا على هذا المستوى منذ دخولهم المدرسة حتى أنهوا دراستهم الإعدادية، وهم الآن بين خريج أو على أبواب كليات المجموعة الطبية.”
ابنتي أتعبتني
اشتكت السيدة فريال عبد العزيز – تربوية – من ابنتها إذ قالت: “تعبت مع ابنتي التي سعيت جاهدة في أن تحب الدروس العلمية وترك اهتماماتها الأخرى، لكنها بقيت مصرة على ما تحب من دروس، ولاسيما درس الفنية وتطوير موهبتها في الرسم، حتى أنها في أوقات الفراغ في المدرسة لا تخرج للعب مع زميلاتها، بل تبقى في داخل الصف تمارس متعتها في الرسم، في النهاية رضخت للأمر الواقع بشرط نجاحها في المواد الدراسية الأخرى.”
مواصفات كثيرة لحب الدرس
يقول الباحث التربوي موسى حسين القريشي إن “غالبية التلاميذ يتخوفون في بداية دخولهم المدرسة من المعلم والدروس وموادها، ويبقى هذا الخوف ملازماً لهم في سنوات الدراسة، لانهم -منذ البداية- يعيشون أجواء جديدة لم يعهدوها من قبل، وهم لذلك يبحثون عما يرغبون فيه ويتلاءم مع نفسياتهم وقدراتهم وفهمهم، وعليه فإن أكثرهم يلجأون الى الأمور التي تقترب مع رغباتهم، فمنهم من يحب مادة معينة لسهولتها، وآخرون يحبون معلم المادة نفسها لأنه مرح ويتعامل معهم بروحية الأب، أو أنهم يرون فيه مواصفات تجعلهم يحبونه ويحبون مادته من خلال تعامله السلس معهم، ومنهم من لا يرغبون بمعلم آخر لأنه متسلط وملامحه وشخصيته منفرتان للتلاميذ. أما المعالجات فتكمن في وضع التلميذ في صف ينسجم فيه مع التلاميذ والمعلمين، أو نقله الى صف آخر ومعلم آخر وتشجيعه على ذلك، أو حضور ذويه معه في الصف حتى ينسجم ويتعود على الجو الجديد الذي يعيش فيه.”