خلفَ مكاتب الفاسدين “آيات” تنهى عن “المال الحرام”!

42

إياد السعيد /

خرج غاضباً وهو يتمتم، لاعناً القدر الذي وضعه في هذا المأزق، لم أميّز كلماته حتى اقتربت منه أكثر لأعرف ما الذي أغضبه، هل نسي جلب مستمسك، أو أن الرسوم الحكومية كانت ثقيلة على ميزانيته، أو ربما ثمة مخالفة قانونية في إجراءاته!! فكان جوابه : (أبداً، لكن الموظف أراد ابتزازي بتأخير معاملتي وفعلا عرقلها).

يضيف رجل الأعمال طالب خضير بمرارة: (رغم أن الآية القرآنية التي تزين الجدار فوق رأس الموظف تحذر من الفساد، لكنه يتحايل على المراجعين ويعتبرهم أغبياء وهو فقط الحاذق، ولا يعلم أنه ذليل ولا يخجل حين يفعل هذه الألاعيب والحيَل من أجل أن نتصدق عليه بمبلغ ما).

 لم يكن هذا الرجل هو المراجع الوحيد الذي خرج متذمراً، فثمة من صرخ بوجه هذا الموظف، ما شدّني لمعرفة سبب هذه الضجة، فكان موقفاً مربكاً للمراجعين حين أراد الموظف الفاسد ابتزاز أحدهم فصرخ بوجهه، لكن الموظف لم يكترث، فذهب المراجع إلى غرفة المدير ليشكوه، لكنه هدّأ الموقف وسهّل أمر المواطن، فاتجهت إلى المواطن أبي أحمد بعد أن خرج وسألته عن الحل: هل هو مُرضٍ وناجع برأيك؟  فأجاب: (بالطبع لا، فهناك المئات ممن يسكتون عن حقهم في الخدمات التي تقدمها الدولة ولهم الحق في خدمة مجانية من قبل الموظف الذي يتسلم راتباً شهرياً مقابل هذه الخدمة، لكنه لا يعرف ذلك، ويظن الكثير منا أن الموظف متفضل عليه حين ينجز له معاملته الرسمية للأسف).

  لائحة السلوك الوظيفي

في دائرة أخرى، بأحد فروع المصارف، كان النظام هو السائد، فكل مواطن ينتظر دوره في تسيير معاملته، وتعرف ذلك من خلال الهدوء وعدم وجود طابور طويل، بل إن الكل يجلس وينتظر دوره وبيده مستمسكاته، وهناك أحاديث جانبية بينهم عن الرضا ومقبولية الخدمة التي يقدمها الموظفون لهم. وكان لي سؤال طرحته أمام الموظفة سهام جمعة عن الفرق بين موظف وآخر وبين دائرة وأخرى فقالت: (بصراحة هو الضمير أولاً، ثم أنه لا توجد عقوبات رادعة حقيقية ضد المخالف، بل هي مجرد تسوية خارج السياقات الإدارية والقانونية، لأن أية شكوى ربما تغلق من قبل مدير الدائرة خوفاً من العرف والتقاليد الفاسدة التي سيطرت على نشاطات وعمل المؤسسات الحكومية فأصبحت وكأنها ملكاً لأشخاص وكقطاع خاص، أما عن هذه الشعارات التثقيفية والتحذيرات فهي لا تجدي نفعاً بدون أن يرافقها ردع قاسٍ مقابل هذا الركام الوظيفي الفاسد).

كلمات هذه الموظفة أشعرتني بأن هناك ما هو أقوى من لائحة السلوك الوظيفي التي تحدد انضباط الموظف حين يتعامل بتماس مع المواطن، فهل أن شعارات الأجهزة الرقابية تستطيع كبح جماح الطمع والنهم الذي يدفع الموظف إلى تعاطي الرشوة؟ سؤال طرحناه على الخبير والناشط في مجال مكافحة الفساد سعيد ياسين موسى فقال: (مع الأسف، في السنتين الأخيرتين ازدادت نسب الرشا والابتزاز ليتعدى ذلك الى الرشوة الجنسية مع تخلف الإجراءات الإدارية الورقية، ما يدعو الى اعتماد الحوكمة الإلكترونية وتبسيط الإجراءات الحكومية، فطالما أن الوظائف والمراكز الإدارية تشترى وتباع، والتعيينات تكون بالمحاصصة السياسية الطائفية، سنبقى نعاني من هذا الخلل ويستمر تدني جودة الخدمات، نحتاج الى الردع وعدم الإفلات من العقاب وعدم التسامح مع جريمة الفساد عموماً والرشوة خصوصاً من خلال سيادة وإنفاذ القانون بعدالة وصرامة على الجميع مع مراجعة آليات إدارة الوظيفة العامة من خلال اعتماد النزاهة والخبرة والكفاءة).

أمراض خطيرة

آراء عديدة، من زوايا مختلفة، حسب معاناة وتجربة المواطنين، منهم المهندس عبد القادر ناجي الذي ركز على جانب الردع القانوني إذ قال: (الرشوة والفساد والاختلاس والسرقة من المال العام أمراض خطيرة في كل المجتمعات لا يخلو منها أي مجتمع مهما كانت لديه من مبادئ أخلاقية عالية، فالنظريات والتعليمات لا يمكنها أن تمنع الإنسان من أن يمد يده الى مال الآخرين بلا رادع، ولا يمكننا أن نعتمد على تعاليم أخلاقية دينية أو إنسانية لردع المرتشي، الردع يجب أن يكون بالقانون فقط، والقانون لابد من وضعه بشكل لا يمكن التلاعب بنتائجه).

أما الصحافي المخضرم صلاح الربيعي فيؤكد عدم فاعلية هذه الشعارات التثقيفية ويجيب: (يمكن أن تلعب هذه الشعارات دورها لدى المجتمعات الواعية التي تبحث عن كل ما يجعلها محصنة من الانحراف والفشل، او ربما  يكون تأثير ذلك على الأمم التي تعتز بقيمها الإنسانية والخُلُقية بغض النظر عن الدين والعقيدة، وفي رأيي الخاص فإن القانون الصارم يمثل نسبة  80% وربما أكثر من ذلك في ضبط سلوك الفرد والمجتمع، لأن طبع الانسان بشكل عام هو التمرد، وبالذات حينما يتعرض الى الظلم، لذلك، فحتى الآيات القرآنية لن يكون لها تأثير على الفرد ومجتمعه بقدر قوة تطبيق القوانين والعقوبات الرادعة، والدليل على ذلك أن المجتمع الذي يتعاطى الرشوة والفساد هو مجتمع غالبيته من المسلمين، ومن المفترض أن الإسلام يحرِّم الرشوة والفساد بكل أشكاله، لكن هذا غير حاصل للأسف).

 قدسية المال العام

حصيلة هذه الآراء جمعناها في سلة واحدة وعرضناها على السيد محمد مفتن مدير عام التعليم والعلاقات العامة في هيئة النزاهة للتعليق عليها فقال: (نعم تؤثر هذه الشعارات، ولاسيما الآيات القرآنية، لأن مجتمعنا بطبيعته متدين، وهي الصفة السائدة، لذا فإن هيئة النزاهة توجهت عام 2016 الى المنبر الديني لكافة الأديان والمذاهب، وهناك جهود كبيرة في ذلك الاتجاه، وبالذات ترسيخ مفهوم وممارسة قدسية المال العام، وأيضاً تضمينها في المناهج الدراسية بخطوات جدية في هذا المجال، ونؤكد هنا أن الهيئة وحدها لا تستطيع تحقيق ذلك بدون الفعاليات المجتمعية والرقابية والتحقيقية، وهي ثقافة لا تقتصر على الموظف الحكومي، بل المجتمع كله، وبالأخص المراجع للدوائر الخدمية الذي عليه واجب إخبار الجهات الرقابية وأن لا يستكين او يذعن لابتزازه، وأيضاً يجب أن نفهم أنّ الحكومات تذهب، لكن المال العام باق للجميع، ورئاسة الهيئة مستمرة في نهجها التثقيفي في القطاعين العام والخاص).