دموع لفاطمة التي يأكل الجوع أحشاءها..!

113

آمنة عبد النبي/

“گرْصة خبز يا أهل الله، جوعانة وكل بيبان الجوارين مسدودة بوجهي، أنام بمعدة خاوية والجوع يأكل ليليّة أحشائي” ..
أنين معيشيّ تصدر شاشات التلفاز. بتهويل اعلامي أكد سقوط وسائل إعلام عملت كل شيء لتمرير أهدافها.
بحسب أقرباء وأبناء الحي الذي تقطنه بطلة القصة “فاطمة”، الفتاة المختلة عقلياً وجسدياً، الاعلام بين الموضوعية والتهويل التي تداولت حكايتها مواقع السوشيال ميديا عبر ظهورها في برنامجِ “بين أهلنا،الذي انهمرت فيه دموعٍ المُقدم المصطنعة، بحسب تعبير رواد التواصل الاجتماعي مع ويلاتٍ مُجهزة سلفاً لتجييش العواطف، فإن تضخيماً عجيباً لحالة فاطمة، جرى رشّها ببهاراتِ الميديا، هو ما لفت انتباه العالم بترندٍ هدفه تسقيط مدينة كربلاء حصراً، فهذه المدينة يستحيل أن يبيت فيها إنسان يأكل الجوع أحشاءه كما صورت لنا تلك القناة هذا المشهد المريب، أما الفقر والعوز فإن ملايين المواطنين في جميع الدول العربية يعيشونه ، بمن فيهم مواطنو تلك القناة، وما يعانيه بعض العراقيين من عوز، لا يمكن مقارنته بدول عديدة.
تُرى ما سرُّ النبش بهذا النوع من المصائب، وإظهار الوجوه في محافظات الوسطِ والجنوب يأكلها ضنكِ العوز والفاقة، وهل حقاً هنالك متاجرة طائفية وعدائية إعلاميّة موجهة تستهدف ضرب التكافل والسخاء في مدنٍ دون أخرى، وما حقيقة وجودِ ماكنة تخريب ناعمة تدس قليلاً من السمِ في كثير من العسل لتُصبح بذاءة وفحش الطاشّين في مواقع التواصل أمراً طبيعياً، ولماذا يعتبر آخرون أن القضية فيها “لغمطة” سياسية، لأن كوارث الجيب الفارغ وسقوف الچينكو في بلادنا لا تحدها طائفة أو قومية او محافظة معينة!
عقول طائفية لا أكثر
” فلنفترض أنني لم أكن إعلامياً ولا شأن لي بإعداد البرنامج، وأرى والدة تلك المرأة الطاعنة في السنِ حائرة بابنتها المريضة، فهل سأتركها خوفاً من هواجس وخيالات البعض!؟”
بهذا الرفض اللاذع لأيِ مشكك بنوايا برنامجه، تحدث الكاتب علي زامل، معد الحلقة بصراحة:
“الأم لا تملك معيناً لابنتها المعاقة، والأدهى أنهما تسكنان في هذا البيت (الخرابة)، فهل احتاج هنا لأسأل إن كانتا تملكان ما يسد حاجتهما او لا، وإذا عرفت أن لهما أعماماً وأخوالاً، فما الذي سيتغير بنظرتي حينها، طبعاً لاشيء، لأن ما حدث بإظهارِ حالتهما في برنامجنا كان إيجابياً على جميع المستويات ولا شأن له بأفكار الاستهداف المناطقي، بل بعد ظهورهما المؤثر في برنامج (بين أهلنا) فإن مستشفى الحسن المجتبى (ع) بدأ بمباشرة حالة فاطمة الصحية، وأن قائد الفرقة الرابعة شرطة اتحادية اللواء محمد قاسم الفهد، أوفد كبار ضباط الفرقة للتكفلِ باحتياجاتهما، إضافة الى ذهاب الكثير من الناشطين والجمعيات الخيرية وأهل الخير من داخل العراق وخارجه لإسنادهما. وفيما يخص من اتهمنا باستهدافِ وسطِ البلاد وجنوبها إعلامياً فهنا أوجه كلامي الى أصحابِ نظرية المؤامرة، الذين يقولون إن برنامج (بين اهلنا) يتقصد تسليط الضوء فقط على الفقراء في الجنوب والوسط، في الحلقات السابقة ظهرت نماذج لقصص إنسانية على شاشة البرنامج في صلاح الدين والرمادي، فهل هذا يبرئنا من شيء لم نفعله، أم يثبت اتهامكم غير المنصف لنا؟”
خيرُ العراق لا ينفد
” الحياة التي تعيشها فاطمة أفضل بكثير من غيرها، من ناحية وجود راتب رعاية وراتب أمها المعينة مقارنةً بغيرهما ممن لا يملك ديناراً في جيبه “!..
بهذا الكلام رد الناشط الكربلائي “محمد عبد الحسن”الذي زار بيتها وقيد الحالة معترضاً بشدة على تتبيل حالة فاطمة بالمبالغة وقلب الحقائق، قائلاً:
“ذهبت مع فريقي الى بيت فاطمة، التي وجدتها واحدة من فقراء هذا الشعب ممن تشملها معونات، سواء من العتبات أو أهل الخير في كربلاء، إذ أنها تحصل على راتب من الرعاية، الحياة التي تعيشها مع والدتها افضل بكثير من غيرها من ناحية وجود راتب رعاية وراتب معينة مقارنةً بغيرهما ممن لا يملك ديناراً في جيبه، لأن مجموع ما تتسلمانه (300 ألف دينار)، علماً أنها نفّت وجود مورد، أمّا البيت، فنعم متهالك وبحاجة الى ترميم وترتيب، لكنه لا يقارن مع أسرة لا تملك سقفاً، او حتى كرفاناً يستر فقرها، وللعلم هي ذكرت في الفيديو أن والدها متوفى، والحقيقة أنهُ لا يزال على قيدِ الحياة، ولها أعمام وأخوال بيوتهم مفتوحة لها، والغريب أن تصوير الحلقة كان قبل شهر او شهرين، ولا علاقة له برمضان أساساً، لذلك نحنُ لسنا ضد أحدٍ وإنما ضد أن يجري استغلال حاجات الناس وتوظيفها، مناطقياً أو سياسياً أو إعلامياً، لأن موضوعها استُغل في المزايدات الإعلامية الفارغة، مع أن حلّه بسيط، وإذا كنت تريد مساعدتها او إيصال حالتها الى جهات معينة، فيحب أن يكون الدافع إنسانياً بحتاً ينقل الحقيقة بدون تزييف ودموع وبهارات وتدليس.”
ماكنة إعلامية صفراء
” أية وسيلة إعلامية تنقل معاناة الناس بقضايا الفقر والمرض وتنبش المصائب والقهر بجعل المواطن منتهك الكرامة أمام العالم، فهذه القناة لا أحترمها ولا أحترم عملها”!
الكاتب والمختص د. وسام جبار، كان لهُ رأي حاد في ظاهرة الفبركات التلفازية ومآربها قائلاً:
نعم، الفقراء في كل مكان وهم برأيي بعيدون جداً عن شاشات الحقيقة، لكن إذا لم تكتمل الحلقة بالذهاب الى جهة حكومية مسؤولة عن حل مشكلة ضيف الحلقة، وهذا الشيء المفروض بالبرامج التلفزيونية، أي أنها تطرح المشكلة وتكملها بلقاء مع مسؤول لحل المشكلة لأننا ببساطة نحتاج الى برنامج يطرح مشكلة ويساعد في الحل، لا أن يعرض مصائب الناس لغرض المشاهدات، فلو كانت حلقة البرنامج اكتفت بالحقيقة فقط وعرضت المستوى المعيشي (التعبان) الذي تعيشه عائلة فاطمة وحاجتهم الى الرعاية الصحية، ما كان لها هذا الصدى والطشّة بالمقارنة مع ما دلستهُ الأخت المريضة حينما قالت (ما اكدر انام بالليل لان بطني توجعني من الجوع) .
المسؤولية هنا بالدرجة الاولى تقع على الدولة لأنها أولا وأخيراً راعية لكل حالة إنسانية يعاني منها المواطن، فحينما يزداد عدد العابرين خط الفقر سوف يزداد عدد المتكافلين والمتعاونين لمساعدة الآخرين، ولا أقول هنا تحل كل المشاكل، لأن في كل دول العالم هنالك حالات إنسانية صعبة ومماثلة تحتاج التدخل، لكن بدلاً من أن تكون نسبة الفقراء 40 بالمئة فسوف تصبح 20 بالمئة، لأنه مثلما الدولة مسؤولة عن مستوى الرياضة والمنتخب الوطني، ومسؤولة عن الأمن والصحة والتعليم، فإنها أيضاً مسؤولة عن مستوى الإعلام والإعلاميين و(لطلطة) بعضهم بوسائل إعلام خارجية، او حتى داخلية، و(حرامي لا تصير من الإعلام لا تخاف) لأن الإعلام الناجح هو الذي يكشف المستور من فساد او ضرر على المجتمع او المال العام، مثل المخدرات او أمور أخرى، لكن أن تريد إقناعي ببرنامج يعرض عائلة (تدك وتلطم) وتكتفي بإعطائها مليون دينار، فهذا ليس إعلاماً أبداً، وبالمناسبة هنالك فرق هائل بين عمل المراسل الصحفي الذي ينقل حدثاً سريعاً معيناً، وبين برنامج ينقل قصة لناس أخذ أياماً وأسابيع بتعديلها وتتبيلها”.
دسّ السم بالعسل
“ماكنة التخريب الإعلامي والدرامي والتدمير لثوابتِ مجتمعنا قائمة على قدم وساق”.
الصحافية والباحثة غفران الراضي اعتبرت من جانبها أن التخريب الثقافي بشكله العام يسير دون رادع، قائلة:
“الفقر والفقراء موجودون بكثرة في بلادنا، ولا يمكن لأيِة جهة او مدينة مصادرة عوزهم، لكن قضية الفبركات الإعلامية و(تلويزها) بالمبالغة والدموع والتناحر الجغرافي هو موضوع مبرمج ومخطط له على مستوى عال، وليست القضية مقتصرة على قنوات، وانما هذه مجرد إحدى الوسائط، وإن كانت أخطرها لأنها تدخل كل البيوت وتؤمن قضية تكرار مثل هذه المشاهد والفبركات والأكاذيب ليصبح الأمر معجوناً في اللاوعي، ومقبولاً لدى الجميع، أتذكر قضية الأب الذي ظهر على شاشات التلفاز عارضاً أطفاله للبيع، واتضح فيما بعد أن الأمر كذبة كبيرة دُبرت بمالٍ وتخطيط وشيطنة، وايضاً الجميع تابع أحد الشباب الذي مثل دور العاطل واليائس والمخذول من حياته ومستقبله الى درجة أنه قام بتمزيق قميصه أمام شاشات التلفاز والسوشيال ميديا، ليتضح فيما بعد أنه بهلوان وأجير لجهاتِ عدائية مختصة باستئجار وتلقين مثل هذه النماذج، وطبعاً هذا التشخيص لا ينفي اطلاقاً وجود الفقراء والبطالة والمعوزين، لا أبداً، إذ أن المحتاجين الحقيقيين بعيدون عن أضواء الإعلام وإنصافه، وأن المتاجرة بمحن الناس وتوظيف عوزهم في قضايا التناحر الطائفي وصناعة (ترند) هي أمور قبيحة جداً، ولا يمكن السيطرة على مافيات التخريب الإعلامية و(الطاشّين) في مواقع التواصل إلا من خلال تفعيل قوانين الجرائم الإلكترونية”.
تكافل لا مثيل له
علي القبطان، مُراسل جريدة “كربلاء اليوم”.. رفدنا بإحصاءٍ ميداني حول المساعدات والسلات الغذائية والتكافل، قائلاً:
“أي عاقل يتصور أن هنالك إنساناً يجوع في كربلاء، كنف الكرماء، التي تفطر 5 آلاف زائر مجاناً يومياً، فكيف يجوع أبناؤها ويطرقون الأبواب بحثاً عن قرصة خبز، هذا الكلام لا صحة له أبداً، نعم الفقر في كل مكان بالعراق والعالم، وهنالك محتاجون، لكن جائعين فقطعاً لا، أضيفي الى ذلك أن مؤسسة العين وزعت 9 مليارات وربع المليار دينار على قرابة 88 ألف يتيم، تضمنت سلةً غذائية لكل عائلة ومبلغ عيدية لكل يتيم، علماً أن عدد الأيتام الذين ترعاهم المؤسسة وصل الى 137 ألف يتيم، وهي تعمل بإذن ومباركة من المرجع الأعلى منذ سنوات.
أما مؤسسة الإمام الرضا الخيرية، التي تشرف عليها ممثلية مكتب السيد السيستاني في كربلاء، فأعلنت لوسائل الإعلام أنها وفرت نحو 100 كفالة يتيم بقيمة فاقت الـ 44 مليون دينار عراقي ستوزع بين أيتام مدارسها لمدة 6 أشهر، مؤكدة أن كفالات الأيتام أساساً مستمرة منذ سنوات بدعم من المتبرعين، ومؤخراً جرى توفير 100 كفالة لكل يتيم لم يبلغ سن التكليف الشرعي 75,000 دينار عراقي شهرياً ولمدة ستة أشهر، أما مؤسسة فيض الزهراء (ع) في كربلاء فهي توزع أكثر من 1400 سلة غذائية خلال شهر رمضان، علماً أن عمليات التوزيع ستستمر حتى نهاية شهر رمضان المبارك، وأن هذه الخطوة تأتي لمساعدة المواطنين، والمساهمة معهم بتحمل بعض الأعباء التي ترهق كاهلهم، والجميع يعلم أن أهل الخير والتجار والشباب الغيارى المساهمين بتوفير الاحتياجات الأساسية الضرورية للعوائل المتضررة موجودون ولا ينقطعون او يتأخرون عن إسناد أبناء مدينتهم، هذا الى جانب رواتب الرعاية، وإن كانت قليلة، لكنها تسد جانباً لا بأس به.”