دوائر حكومية موبوءة بالأمراض الموسمية

417

بشير الأعرجي/

منظر غريب فوجئ به مراجعو المصرف العقاري ببغداد، وتحديداً في الطابق الثالث حيث يتجمع المواطنون بكثرة لاستكمال معاملة القرض العقاري، المنظر كان عبارة عن ارتداء الموظفين لـ (كمّامة) تنفس زرقاء اللون في يوم عمل روتيني، لكنه ترك المراجعين في حيرة، وتساءل بعضهم مع بعض “ماذا يجري، هل أصيب المصرف بفيروس، ولماذا هذا الإجراء الاحترازي بلبس الكمامة؟”

لم تطل الحيرة طويلاً، فقد ردّ أحد الموظفين بكلمات، فهمها بالكاد من شهد الموقف، وحملت عتاباً للمراجعين، بأنهم تسببوا بإصابة اثنين من زملائهم بعدوى مرض النكاف، والخوف من أن تستمر الإصابات بأمراض أخرى.

الاختلاط

إصابة موظفي المصرف العقاري بأمراض تنتقل من المراجع ليست الأولى أو الوحيدة في دوائر الدولة، بل هي حالة عامة غالباً ما يشكو منها موظفون يتعاملون بشكل مباشر ويومي مع مراجعين قد يحملون أمراضاً معدية. ويزيد من فرص الإصابة الاختلاط المباشر بين الطرفين وضيق مكان العمل.

وتبدو زيادة الإصابة بالأمراض المعدية من خلال كثرة مراجعات الموظفين للمستوصفات الصحية المخصصة لهم، حيث تكثر الإصابة بالإنفلونزا ولأكثر من مرة خلال فصل الشتاء، فيما تتوزع الأمراض المعدية الأخرى في الصيف، بحسب ما تحدثت به إحدى طبيبات المركز الصحي في الصالحية ببغداد.

الطبيبة، التي طلبت عدم ذكر اسمها لعدم تخويلها بالتصريح، قالت لـ»الشبكة»: «يأتي الى المستوصف موظفون بأعداد كبيرة، وأغلبهم يعاني من أمراض انتقلت إليهم من مراجعين اختلطوا معهم في دوائر مختنقة سواء النكاف أو أمراض تنفسية يصل بعضها الى مستوى الخطر على الحياة».

إنفلونزا في كل المواسم

وفيما كانت الطبيبة تتحدث لنا، دخل رجل في منتصف الأربعينات الى رواق المستوصف وتظهر عليه علامات المرض، وقال «الإنفلونزا من جديد.. يا له من مراجع أصاب جميع الموظفين بالمرض»، وأضاف «في موسم الشتاء الماضي أصبت ثلاث مرات بالإنفلونزا جراء اختلاطنا بالمراجعين، وفي الصيف أصبت أيضاً.. أصبحت غرفة عملنا موبوءة».
لكن الطبيبة أكدت أن «هناك فِرقاً صحية جوالة تزور الدوائر والوزارات التي تقع ضمن قاطعها لتلقيح الموظفين ضد الأمراض الموسمية، وهو إجراء متخذ في جميع القطاعات الصحية».

بيئة سيئة

ومع هذا الإجراء، لا تزال الأمراض موجودة وضحاياها الموظفون، وربما المراجعون أيضاً الذين يتلقف المرض بعضهم من بعض، لأسباب تتعلق بسوء بيئة البنايات، إضافة إلى أن الأمراض التنفسية هي الأخطر في الدوائر التي تشهد زخماً من قبل المراجعين في فصل الصيف، وتزداد احتمالات العدوى مع انقطاع التيار الكهربائي في تلك البنايات، حيث تصبح الأنفاس شبه موحدة للجميع، مع اختفاء تيارات الهواء في الغرف والقاعات المغلقة.

تصاميم خاطئة

المهندس المعماري سيف الخزرجي أشار في حديثه لـ»الشبكة» إلى أن «الكثير من تصاميم البنايات الحكومية لا تتناسب مع حجم المراجعين، وبالتالي فإن خطر انتقال الأمراض داخلها وارد جداً»، وأضاف «يعتمد التصميم الصحيح في بنايات مؤسسات الدولة على مبدأ ارتفاع السقف ووجود فتحات الهواء الطبيعية أو الميكانيكية (مفرغات الهواء) التي تولد تياراً متغيراً يتبدل معه الهواء، إضافة الى عرض الممرات، لكن ما موجود الآن لا يتوفر بالشكل الصحيح»، وبيّن الخزرجي أن «مشاكل اكتظاظ الدوائر تتعلق بكثرة المراجعين في الممرات الضيقة، وندرة وجود أماكن للانتظار بشكل صحي، فنجد زخماً من المراجعين أمام او داخل غرف الموظفين، فتنتقل الأمراض بينهم.»

الإيجار..

على الطرف الآخر، فإن الكثير من بنايات مؤسسات الدولة الخدمية عبارة عن عمارات او منازل «مؤجرة» من القطاع الخاص، وهي مخصصة للسكن فقط ولأشخاص معدودين، لكن الواقع يقول عكس ذلك، فقد نجد منزلاً مؤجراً بمبلغ كبير تحوّل الى مكان يضجّ بالمراجعين، والذين قد يحمل البعض منهم أمراضاً تنتقل بسهولة الى الآخرين.
المهندس سيف الخزرجي أكد أنه «مع استمرار انشطار الدوائر وكثرة المعاملات والروتين، فقد بات من الضروري مواجهة هذا الزخم الكبير من المراجعين، والاستغناء عن ايجار المنازل والبنايات المتهالكة من الداخل، والاعتماد على طريقة الاستثمار في بناء دوائر ومجمعات حكومية ضخمة، ستعود ملكيتها الى الدولة بعد انقضاء عقد الاستثمار، وكما هو معمول في طرق الاستثمار في العراق».

ابتزاز في الزحام

ويرى مراجعون للدوائر الخدمية، أن نقلهم للأمراض الى الموظفين هي «تهمة» هم غير مسؤولين عنها. وقال المواطن غسان الظالمي، ولديه مراجعات لغرض الحصول على قرض عقاري، «عند إتمام أية معاملة، وخصوصاً القروض أو العقارات، فإن مراجعة الدوائر البلدية والتسجيل العقاري والمصارف تبدأ ولا تنتهي، وجميع تلك الدوائر تشهد زخماً كبيراً من المواطنين». وأضاف «ما ذنب المراجع في الدخول بدوّامة كثرة المراجعات والتوسل في بعض الأحيان بالموظفين لغرض الحصول على توقيع أو تأييد، الكثير من الموظفين لا يتعاونون أو يعرقلون العمل، والسبب معروف، وهو طلب الرشوة من المراجع لإنهاء معاناة البقاء لساعات بانتظار إتمام المعاملة وسط ظروف سيئة للمواطنين في الدوائر وقد يصابون بالأمراض نتيجة ذلك الزحام».

حلول منطقية

الناشط المدني عمار كاظم قال إنه رصد «قبول» بعض الموظفين للظروف السيئة لدوائرهم من كثرة المراجعين وضيق مكان العمل، لأنها البيئة الأنسب لابتزاز المراجعين. وأضاف «لإنهاء هذه المعاناة، طرحت بعض الجهات الرقابية قبل أيام مشروع مكننة معاملات المواطنين في الدوائر الخدمية، أي جعل المراجعة عن طريق الإنترنت، لكن تم تعطيل هذا البرنامج لسبب مهم، وهو الضائقة المالية للدولة، اذ أن مثل هكذا برامج تستوجب توفير أموال ضخمة، لأن من يديرها هي شركات متخصصة». وتابع كاظم بالقول «ولحين توفر هذه الأموال، على الجهات الحكومية المختصة تغيير أسلوب تعاملها مع المراجعين، واستخدام طريقة بطاقة المراجع والنافذة الواحدة واستبدال بنايات الدوائر وبما يتناسب مع كثرة المراجعين، وهذا ما يتيح للمواطن عدم الاختلاط بالموظف، وبذلك نحافظ على صحة الموظفين والمراجعين، ونخلص مؤسسات الدولة أيضاً من مرض مهم، وهو تلوث ذمة الموظف بطلبه الرشوة، وهو داء بات ينخر جسد العراق».