ذكاء أم مثابرة وإثبات للذات؟

400

علي غني/

على مدى سنوات مضت، باتت ظاهرة تفوق الإناث في المراحل الدراسية، لاسيما في الامتحانات الوزارية، واضحة بشكل كبير، هذا التفوق المستمر للإناث يدعو للتقصي عن اسبابه التي يراها كثير من الاجتماعيين والمتخصصين في المجال التربوي نتاجا لطبيعة الإناث الأكثر تنظيما وحفظا وتفوقا، فيما يراها آخرون نتيجة طبيعية لانشغال الذكور في توفير متطلبات الحياة الملقاة على عاتقهم، وعدم إيلاء العلم والتعلم الأهمية القصوى، لكن رغم تلك الآراء يبقى السر الكامن خلف هذه الظاهرة متواريا، يخفي خلفه دور البيت والمدرسة والجامعة في تكريس هذه الظاهرة.

مجلة (الشبكة) سلطت الضوء على هذه الظاهرة عبر الاطلاع على آراء المختصين والمسؤولين وادارات المدارس والمشرفين، وحتى الطلبة المتفوقين انفسهم.

الطالبات يمتلكن الصبر والحرص والطموح!

– تقول المشرفة الاختصاصية نوال ناجي من تربية الكرخ الثانية: ان الطالبات لديهن الحرص والصبر والطموح، فضلا عن ان سلوك الطالبة يمكن السيطرة عليه من قبل الأهل والمدرسة، أما الطالب فهو دائما ما يميل الى الخروج من البيت ويحاول ان يتصرف بتمرد، لذلك فهو يفتقر الى الاستقرار والتركيز. هذا فضلا عن ان قسماً من الطلاب لديهم اهتمامات في العمل الخارجي لتحسين حالتهم المعيشية أو اعالة عوائلهم ماديا، الى جانب ان متطلبات الحياة تضغط على الطلبة اكثر من الطالبات كونهن يقتصر نشاطاتهن داخل البيت. لذلك تعوض الطالبات بالطموح في الوصول الى افضل الكليات والمراتب ليتمكنّ بعد ذلك من الحركة خارج البيت بعد تحقيق الطموح المشروع ومباهاة اقرانهن الطلاب.

وتضيف ناجي: ان متابعة الاهل للطلاب، اذا كانت متابعة جادة وقوية من قبل الابوين او أحدهما فلا فرق هنا بين تفوق الطالب أو الطالبة، ولايخفى على احد ان للمدرسة دورا مهما فنحن من خلال زيارتنا للمدارس نجد ان المدرسات اكثر حرصا في ايصال المادة العلمية من خلال استخدام الوسيلة التعليمية..

تحفيز قابليات الطلبة

بدورها، عزت المدرسة زينب صادق تفوق الطالبات على الطلاب في السنوات الاخيرة الى وجود وسائل اللهو العديدة خارج البيت وعدم وجود التوجيه الكافي من المدرسين في مدارس الطلاب. وهذا الأمر يقود الطلبة الى الاعتماد على ذكائهم الذاتي في الإجابات عن الامتحانات الوزارية، بينما نرى البنت ملتزمة حرفيا بالمنهج ولديها الاستعداد التام على اعادة قراءة المادة المقررة في المنهج اكثر من عشر مرات، وهذا يتطلب من الدولة ان تجد برامج تربوية ونفسية واجتماعية تحتوي الطلاب وتحفز قابلياتهم الفكرية للحيلولة دون وقوعهم في براثن الادمان والمقاهي المبتذلة، ما يعني باختصار فلترة السلوك الخارجي للطلبة ليتيح للبيت السيطرة على سلوك ابنائه الطلبة.

فقدان المتابعة

فيما ترى مديرة (اعدادية النهار) للبنات سندس عبد الرحيم: ان الاحباطات التي يعيشها الطلاب بسب قلة فرص التعيين في الوقت الحاضر قد ولدت أجيالا من الطلبة لايعيرون للمستقبل اية اهمية، لأن اقرانهم اتجهوا الى الأعمال الحرة بعد اليأس التام من الوظيفة، الى جانب ان الطالبات اكثر ذكاء في استغلال الوقت بشكله الأمثل والابتعاد عن وسائل اللهو المتوافرة للطلاب في المجتمع العراقي، كما ان هناك نقطة في غاية الاهمية، وهي فقدان المتابعة الحقيقية من قبل الاهل بالنسبة للطلاب لكثرة مشاكل مرحلة المراهقة وعدم وجود الحلول المناسبة لها.

واقع صعب

في حين يؤكد المدرس المساعد محمد رشيد محمد: ان الطلاب يعانون من واقع صعب، لاسيما ان الحروب والظروف الصعبة غيرت من طباعهم ورغباتهم ومعتقداتهم بشأن الشهادة، فاغلب القاعدة الطلابية همها الاول توفير المعيشة للاسرة، خاصة الذين فقدوا آباءهم في الحروب، لذلك فان همهم الاساس هو الحصول على اية شهادة من أجل الوظيفة، لكن هذا لايمنع من وجود متفوقين على الرغم من كل الظروف الصعبة التي يواجهونها في الحياة. مضيفا ان سر تفوق الطالبات هو الهدوء الذي تتميز به الطالبة في الامتحانات سواء في الامتحانات الوزارية ام الجامعية، فضلا عن ان الطالبات حريصات على استغلال الوقت بنحو جيد لاسيما وقت الامتحانات، ولايفوتني ان اذكّر ان الطالبات بعد التغيير يحاولن اثبات ذواتهن من خلال التفوق على الطلاب كما ان العديد من العوائل العراقية تستغل تفوق بناتهم ودخولهن اعلى الكليات كالطب او الهندسة في التباهي الاجتماعي.

تحقيق الذات

ويعزو الدكتور خالد العبيدي، من كلية التربية للعلوم الصرفة ابن الهيثم، ظاهرة تفوق الطالبات على الطلاب الى مسببات عديدة: منها الخلفية الدراسية للطالبات في الدراسة الاعدادية والكلية، كما ان الطالبات يقضين معظم اوقاتهن في المنزل وبالتالي لايوجد متنفس أمامهن سوى الدراسة والتفوق على النقيض من الذكور. وهناك سبب آخر هو عدم حرص الذكور على الدراسة والتخفيف من الضغط المسلط عليهم باسهل الوسائل وهو اللهو واللعب، فضلا عن عدم معاقبة الاهل للذكور في حالة الفشل الدراسي على الضد من الاناث.

ويمكننا هنا ان نضيف اسبابا أخرى تتعلق بوجود حالة التحدي عند معظم الطالبات سواء في الكليات او الاعداديات من أجل تحقيق مكانة اجتماعية افضل وبالتالي الحصول على وظيفة ومغادرة المنزل وتحقيق ذاتهن، بينما تتميز طبائع الطلاب بالتمرد والتململ والضجر السريع من الدراسة وطبيعتها.

تفوق وطموح

وللطالبات الاوائل رأي في ذلك فقد اجمعت كل من آية معين ورسل رزاق وزينب عبد الرزاق من قسم القانون في كلية الرشيد الجامعة على ان سبب تفوقهن هو الرغبة الحقيقية في التركيز على الدراسة، وتخصيص الوقت الكافي لها ومتابعة الأهل لشؤونهن الدراسية. تؤيدهن بذلك الطالبة المتفوقة في ثانوية المتميزات في الكرخ الثانية زينة حقي بالقول: ان الانسان يجب ان يضع أمامه كيفية تحقيق الطموح المناسب والمطالعة المستمرة واستغلال اوقات العطل الرسمية بالقراءة وعدم الخروج من البيت.

اثبات وجود

ويجمل عالم الاجتماع الدكتور عبد اللطيف عبد الحميد العاني، معاون العميد لكلية الرشيد الاهلية للشؤون الادارية، الاسباب التي تقف وراء تفوق الاناث (الطالبات) على الذكور(الطلاب) قائلا: قديما كانت الظروف الاجتماعية والاقتصادية والعادات والتقاليد تحتم على البنات الالتزام بها، فضلا عن ان نسبة البنات الى البنين كانت اقل مما عليه اليوم، وهذا ما كان يدفع البنات للتفوق على الزملاء الطلبة لاثبات وجودهن وحث أولياء امورهن بالموافقة على الاستمرار بالدراسة، لذلك ظهر الكثير من العناصر النسائية اللائي قدن الحركات النسوية في العراق وكن عضوات مساهمات في كثير من منظمات

المجتمع المدني.

ويضيف العاني: وأما اليوم فان وسائل الاتصال الحديثة (الانترنت والموبايلات وغيرهما) لعبت دورا في اشغال شبابنا ذكورا واناثا عن الدراسة، ولكن نسبة انشغال الذكور أكثر من نسبة البنات، والمجتمع يسمح للذكر بالخروج والدخول بمجالات اوسع مما للبنات، لهذا فان لهن الوقت الكافي الذي يساعدهن على الدراسة والتحصيل العلمي والتفوق، يزاد على ذلك انهن غير مشغولات بتدبير امور الحياة المعاشية، بل يقع ذلك على عاتق الذكور المسؤولين بصورة مباشرة عن الاعالة لعوائلهم، وهذا ما يشغل وقتا من اوقاتهم الذي يقلل من فرص الدراسة، وبطبيعة الحال يؤدي ارتفاع نسبة البنات بالتفوق على نسب الذكور، وهذه خاصية ليست عامة، فربما نسبة الذكور المتفوقين في مجالات معينة هي اعلى من الاناث وهذا يتبع الاختصاص وأمور اخرى.

واخيرا يرى المدير العام لتربية الكرخ الثانية الدكتور قيس الكلابي ان الطالبات يمِلن في اغلب الأحايين الى المكوث الطويل بالبيت فيستغلن الوقت بالدراسة على النقيض من الطلاب فانهم يميلون الى قضاء اوقاتهم خارج البيت كما أن الدافعية والطموح لدى الطالبات اكبر في اختيار المستقبل الذي يحدد مسار الحياة، اضف الى ذلك تميز الطالبات بالصبر والمثابرة للوصول الى التفوق.