زيارة الأربعين إحياء لواقعة أريد لها أن تمحى من ذاكرة التاريخ

105

سرمد ارزوقي /

سيل بشري عظيم يتحرك نحو كربلاء ومن جميع الجهات ومن مختلف الدول والأمصار لإحياء شعيرة الاربعين في مشهد يحاكي رحلة السبايا من أسرة آل بيت النبوة من الشام الى كربلاء.
هذا الطوفان البشري لم توقفه تهديدات أمنية ولم تردعه عمليات إرهابية ولا قوانين ظالمة تعسفية، إنها رسالة تحملها الأحفاد من الأجداد، لتحيي أمر الله في أمة محمد عليه الصلاة والسلام.
إن هذه الشعائر على ما فيها من ارتباط عاطفي بآل بيت النبي وسيد شباب أهل الجنة، فإنها الطريقة التي يعرض من خلالها أتباع أهل البيت عليهم السلام واقعة كربلاء، مستدعين من عمق التاريخ وماضيه حدثا تاريخيا تجاوز الثلاثة عشر قرنا الى حاضرهم لإحياء أهدافه وليعيشوا مأساته.
يركز مدير مدير المركز العراقي الافريقي للدراسات الاستراتيجية الباحث الاسلامي الدكتور هاشم سرحان العوادي الضوء على تأريخية جغرافية كربلاء، مبيناً أنه لم يكن لكربلاء هذه الموقعية وهذه الرمزية وهذه القدرة على الاستقطاب لهذه الحشود البشرية، فالتاريخ عندما يحدثنا عن هذه البقعة نجده يتحدث عن صحراء قاحلة المياه فيها قليلة جداً الى درجة أنها لم تكن صالحة لأي تجمع سكاني بمستوى ما يحيط بها من المدن في الكوفة مثلا، الا أنها ومع وصول الإمام الحسين (عليه السلام) اليها دخلت التاريخ من أوسع أبوابه، لتصبح محورا ومركزا لجغرافيا الجذب والاستقطاب البشري.
قبلة الأحرار
ويعتقد السيد العوادي أن هذا السيل والطوفان البشري العظيم الذي يتحرك نحو كربلاء ومن جميع اتجاهاتها إنما هو نتيجة طبيعية لتمسُّك أتباع أهل البيت بالمسير الى كربلاء على أقدامهم في مشهد يحاكي مشهد السبي لعائلة الحسين عليه السلام ومن ثم يحاول أتباع أهل البيت عليهم السلام أن يعيشوا تلك الاجواء المأساوية التي عاشتها عائلة الحسين في رحلة السبي.
محاكاة
ويفسر الباحث الاسلامي الدكتور هاشم سرحان العوادي مشهد السير الى كربلاء بكونه محاولة لأتباع أهل البيت عليهم السلام لمحاكاة هذا المشهد”عودة السبايا” الذي يدل على العناء والتعب والسير في الأسر، فكأنما يستشعرون ذلك الموقف ويعيشون حالة المحاكاة ويصورون أنفسهم على أنهم هم الأسرى في هذا المشهد الحركي في اتجاه الحسين عليه السلام، فيحاكون هذا المشهد ويسيرون الى كربلاء ليصوروا الى العالم الحالة التي كانوا عليها ففيها بعد محاكاتي، إنها رسالة إعلامية ينقلها أتباع أهل البيت عليهم السلام، فلكي تنقل الحالة كما هي والمشهد كما هو لا تكتفي بالكلام وبالسرد والكتابة وإنما تحتاج الى عملية تصوير وتجسيد لذلك المشهد لإيصاله الى المتلقي بصورة أكثر رسوخا، وهو منهج قرآني يضمن الوصول بصورة أسرع مما تصل اليه عن طريق الخطاب، فالمشاهد او المتابع لهذه الزيارة الاربعينية عندما ينظر الى أتباع أهل البيت عليهم السلام وهم يسيرون الى كربلاء المقدسة يعملون على ربط الماضي بالحاضر وترسيخه في الذاكرة البشرية في مشهد حركي، مشهد لا يزال متجسدا حاضرا بالرغم من مرور أكثر من 1350 عاما على هذا المشهد، إن هذا التمسك بالسير على الاقدام الى كربلاء تجاوز في بعض مراحله حدود التفكير في اكتساب الأثر الشخصي المتمثل بالاجر والثواب ليصل الى بناء فلسفة جديدة في التقرب الى الله سبحانه وتعالى، فلسفة تقوم على أن الحسين عليه السلام شخصية لها موقع مهم في المشروع الالهي، وأيضا لها مكانتها وخصوصيتها عند النبي (ص)، فزيارة الحسين عليه السلام هي تعبير صريح وواضح لمودتهم الى النبي (ص) وتطبيقا لقوله تعالى: (قل لا أسالكم عليه أجرا الا المودة في القربى).
لماذا يتمسك الشيعة بهذه الشعائر؟
ولكن لماذا يصر أتباع أهل البيت على استمرار هذه الشعائر، يقول مدير المركز العراقي الافريقي للدراسات الاستراتيجية د. هاشم سرحان العوادي إن استمرار أتباع أهل البيت عليهم السلام بممارسة هذه الشعائر الدينية، سواء كان المقصود بها المشي فقط او ما هو أوسع من المشي وهو إقامة المواكب والمجالس الحسينية وتقديم الطعام ومجالس اللطم، اعتقد أن هناك أسبابا كثيرة وراء هذا التمسك وهذا الاستمرار بهذه الشعائر، النقطة الاولى التي يمكن أن نسجلها كسبب من أسباب هذا التمسك هو عملية الحفاظ على هذا الموروث، بمعنى آخر أن هذه الشعائر باتت تشكل ثقافة مذهبية لأتباع أهل البيت عليهم السلام وجزء من هويتهم الدينية وهم يتمسكون بها ويحافظون عليها ويعدونها نوعا من أنواع الرسالة التي ينبغي أن يتم الحفاظ عليها وإيصالها الى من بعدهم، هذا من الناحية الداخلية، وأما من الناحية الخارجية فإنهم يحاولون تعريف باقي شركائهم في الوطن وخارج الوطن بهذه الثقافة وتوظيفها في مجال التعايش السلمي والانسجام المجتمعي.
ويضيف الدكتور العوادي: هنالك سبب آخر يدعو الى تمسك أتباع أهل البيت بهذه الشعائر والمحافظة عليها والاستمرار بها وهو حالة الارتباط العاطفي التي حصلت ما بين الاتباع والامام الحسين عليه السلام، فالانسان لديه انتماءات متعددة؛ انتماء نسبي وسببي وانتماء لأسرته ولعشيرته ولوطنه وهنالك انتماء آخر هو الانتماء العقائدي إذ يشعر أتباع أهل البيت عليهم السلام بالانتماء عقائديا الى الامام الحسين عليه السلام، هذا الانتماء وكنتيجة طبيعية لعملية التقادم الزمني لهذه الشعائر باتت مغروسة في الانتماء الروحي والتعاطف الروحي وسبباً من أسباب التمسك بهذه الشعائر والاستمرار بها .
وأيضا هنالك أمر آخر يمكن أن يكون سببا وعاملا مهما وهو البعد الانساني في واقعة كربلاء، هذا البعد جعل منها حالة إنسانية تتعاطف معها جميع الشعوب والامم ومكونات المجتمع البشري لذلك نشهد أن مشهد كربلاء وواقعة كربلاء بهذه الشعائر المعبرة عن تلك المأساة التي حصلت بها باتت تشكل محطة اهتمام لمنظمات دولية وعالمية ربما لم تكن تعرف كربلاء ولم تعرف الحسين عليه السلام، لذا نجد أن منظمة اليونسكو عدت هذه الزيارة الاربعينية بالذات حدثا كبيرا وحدثا حضاريا وثقافيا وإنسانيا يجتمع فيه الناس، بمعنى أن هذه الشعائر أعطت للقضية الحسينية بعداً آخر تجاوز فيه حدود البعد المذهبي او حتى البعد الديني كمسلمين حتى وصل الى البعد الإنساني، لذلك أصبح الحسين محط أنظار عموم البشرية.
معنى أن تعيش الواقعة
وعن تأثير هذه الشعائر في نشر فكر أهل البيت عليهم السلام يعتقد الباحث الإسلامي د. هاشم سرحان العوادي أن الطريقة التي يعرضها أتباع أهل البيت عليهم السلام لواقعة كربلاء بمعنى أن هذه الشعائر التي يحاول من خلالها أن يقدم حدثا واقعا او يمتلك عمقا تاريخيا يتجاوز الثلاثة عشر قرنا، اعتقد أن أتباع أهل البيت عليهم السلام استطاعوا وبجدارة أن يسحبوا هذا الحدث من هذا العمق التاريخي ويأتوا به من القرن الاول الهجري الى القرن الخامس عشر ويجسدوا هذا الحدث وهذه الواقعة أمام أنظار هذا العالم، أصبحوا يقدمونه بعدة طرق سواء عن طريق المحاضرات المقروءة من خلال الإصدارات او من خلال العمل الدرامي عندما يقومون بتقديم بعض المشاهد التي تصور واقعة كربلاء في ما يسمى بالتشابيه مثلا او تحويلها الى برامج ودراما تلفزيونية.
إزاحة ستار يعتم على الواقعة
أيضا نجح أتباع آل البيت بإزاحة ستار يغطي هذه الحادثة وهذه الواقعة، إذ كانت هناك عدة محاولات لإخفاء هذه الحادثة يضيف مدير المركز العراقي الافريقي للدراسات الاستراتيجية الدكتور هاشم العوادي: لا نستغرب عندما نجد بعض رجالات العلم الكبار يقفون إمام الإعلام وأمام حشد كبير من الناس المثقفين ويقولون إنه كان يجلس على منابر العلم والدراسة أكثر من عشرين سنة ولكنه لم يسمع يوما أن هناك حدثا حصل في كربلاء اسمه (واقعة الطف) وأن الحسين بن علي بن أبي طالب قد قتل بهذه الطريقة، لا نستغرب أمام هذا التوجه وهذا التضليل وهذا التغييب الاعلامي، اليوم أيضا نستطيع أن نقول إن أتباع أهل البيت عليهم السلام في مشهد من مشاهد النجاح التي حققوها هو هذا الاستقطاب الكبير لوسائل الاعلام الغربية التي نشهدها في زيارة الاربعين ومخرجاتها الاعلامية من البرامج والتقارير والافلام الوثائقية التي تصور خلال زيارة الاربعين، نحن تقريبا في كل موسم من هذه المواسم نشهد قدوم العديد من وسائل الاعلامية الغربية هذه للمشاركة في هذه الزيارة مشاركة ميدانية ويقومون بنقل هذه الوقائع بل إن المؤتمرات العلمية التخصصية في زيارة الاربعين التي باتت تعقد كما في المؤتمر التخصصي الخامس لزيارة الاربعين الذي عقدته العتبة الحسينية مؤخرا، هذا المؤتمر كان فيه من الباحثين الفرنسيين عدد لا بأس به، هؤلاء كتبوا عن زيارة الاربعين دراسات ميدانية أكدوا من خلالها حجم التأثير الكبير والواضح لهذه الشعائر وهذه الاجواء التي لا يستطيع الباحث الغربي التخلص منها بسهولة، إذ إنها تفرض تأثيرها العاطفي والوجداني عليهم بدرجة كبيرة.