سايكولوجية اللجوء..أوهام يرسمها البعض عن حياة الإغتراب

335

صلاح حسن/

في بلدان العالم الثالث والشرق الأوسط يتداول الناس أفكارا غريبة وأوهاما كثيرة عن قصص اللجوء الى أوربا وامريكا واستراليا، هذه القصص مردها الجهل الكامل بالقارة الأوروبية أو الامريكية وقوانينها وثقافتها بالنسبة لهؤلاء الناس الذين يبحثون عن اللجوء في هذه البلدان.
غالبا ما يسمعون قصصا من اقربائهم أو اصدقائهم الذين سبقوهم الى هذه البلدان تتحدث عن السهولة الغريبة في العيش الرغيد هناك والامكانيات الكبيرة التي تتيحها هذه البلدان للاجئ لكي يعيش سعيدا الى الأبد.
أوهام
من كان يعيش مشردا على الأرصفة أو في غرفة بائسة لا تتعدى مساحتها الأربعة أمتار ولا يستطيع دفع ايجارها البسيط، سيجد البيت الذي ستمنحه له الدولة المضيفة قصرا برغم ان مساحته لا تتجاوز الثلاثين مترا، اضف الى ذلك المساعدة الاجتماعية البسيطة التي يعتبرها اللاجئ كنزا. هذا الحلم لا يتحقق بالسهولة والخفة اللتين يتصورهما الجميع، لان على اللاجئ ان يقيم أولا في معسكر بعيد عن المدن للتأكد من المعلومات التي قدمها عن نفسه وقد تستمر اقامته في هذا المعسكر سنوات طويلة.
يحمل اللاجئ غالبا صورة متخيلة عن هذه البلدان وتبدو هذه الصورة في معظم الاحيان (استغرابية) تشابه الصورة الاستشراقية التي كان يحملها الغرب عن الشرق الأوسط ودول العالم الثالث، ويترتب على هذه الصورة المتخيلة حين استخدامها في التعامل اليومي الكثير من الأخطاء الشنيعة التي تصل حد الصدمة. والصدمة هنا ستكون ثقافية بحتة قد تؤدي الى انقلاب نفسي على الذات لا تحمد عقباه لانه سيكون كارثيا.
الاندماج
يمر اللاجئ الذي يتم قبوله في هذه البلدان بعدد من المراحل لكي يتم تأهيله نفسيا واجتماعيا وثقافيا حتى يندمج بالمجتمع الجديد الغريب تماما، بدءا باللغة والعادات والتقاليد والثقافة اليومية لكي يستطيع في المستقبل القريب ان يجد عملا يلائم قدراته المعرفية والجسدية حتى تستقيم حياته من جديد. هذه المرحلة بالنسبة للمتعلمين أو الدارسين في جامعات بلدانهم تستغرق عدة سنوات. لكن الذين لا يمتلكون هذه المؤهلات قد يحتاجون الى سنوات طويلة لكي يستطيعوا ان يفهموا طبيعة هذا المجتمع الجديد وقد لا يستطيعون أبدا، وتكون النتيجة مرعبة في النهاية.
نحن نتحدث هنا عن الأسوياء من اللاجئين ونقصد بذلك هؤلاء الناس الذين لم يتعرضوا الى السجن أو التعذيب، أما الحالات الخاصة فتلك مسألة عويصة وتحتاج الى دراسة مستفيضة. غير المتعلمين وهم الفئة الأكثر من طالبي اللجوء ستكون حياتهم اكثر شقاء في بلدان اللجوء لانهم لن يستطيعوا ان يتعلموا بسرعة ولن يستطيعوا ان يتأقلموا مع المجتمعات الجديدة، وبذلك ستتعرض حياتهم النفسية الى التدمير الكامل وتتشظى هويتهم ويفقدون أرواحهم لانهم سيفقدون انتماءهم وبالتالي سيعتزلون المجتمع ويعيشون في كآبة دائمة.
أسوار عالية
هناك طريقان للعيش في هذه المجتمعات الغريبة الجديدة، الأول هو تعلم اللغة والبحث عن عمل والانخراط في المجتمع الجديد ومعرفة تأريخه وعاداته على الأقل وتخفيف الهوة الثقافية بين ثقافة اللاجئ وثقافة البلد المضيف. والطريقة الثانية هي بناء اسوار عالية والعيش في عزلة عن هذا المجتمع الغريب تؤدي الى الكآبة وربما الانتحار وهو ما يحصل كثيرا. هناك أمثلة كثيرة عن جدوى الطريقة الأولى في العيش في هذه المجتمعات خرجت الكثير من الطاقات الخلاقة التي اصبحت مؤثرة في هذه المجتمعات سواء في السياسة أم الثقافة أم الفكر أم العلم، واكثر منها أمثلة عن الفشل والسقوط والانتحار.
مسألة في غاية الأهمية وتتعلق بما جرى في مدينة كولن الالمانية حول التحرش بالنساء في ليلة رأس السنة على سبيل المثال، لا يجرؤ اللاجئ الجديد على القيام بمثل هذه الأفعال على الاطلاق، خصوصا وهو غريب ولا يجيد اللغة ولا يعرف تقاليد هذه المجتمعات وغالبا ما يكون خائفا ومتواريا عن الانظار.
ولا يفكر بالقيام باي عمل يقوده الى مركز الشرطة لانه يعرف بالسليقة ان هذا التصرف سيجعل من عملية قبوله كلاجئ في غاية الصعوبة. أغلب الظن ان الذين قاموا بالتحرش هم من المقيمين غير الشرعيين وممن قضوا سنوات طويلة في المانيا دون ان يحصلوا على إقامة وهو تصرف عدواني سببه رفض المجتمع لهؤلاء الذين لا يمثلون أية قضية.
احد اللاجئين المشردين وصف وضع اللاجئ بكلمة مختصرة حين قال (اللاجئ المشرد حيوان مريض لا يستطيع ان يشرح للطبيب بما يشعر).