سوق الإسترابادي في الكاظمية.. شاهد حي على تاريخ المدينة

55

علي ناصر الكناني /

يعد (الإسترابادي) او الإسترَبادي أقدم سوق بين أسواق مدينة الكاظمية في بغداد، إذ يرجع تاريخ إنشائه إلى بدايات القرن الماضي، عام 1912 تحديداً. وقد تميز هذا السوق بطرازه المعماري الفريد وعراقته من بين بقية أسواق بغداد القديمة, إلى جانب أنه كان يضم في كلا طابقيه أكثر من مئة محل وغرفة.

حفيد الإسترابادي يتحدث..
ربما خدمتني المصادفة أثناء شروعي بكتابة هذا الاستطلاع الصحفي بحثتُ عن أحد أحفاد أسرة الإسترابادي العريقة في الفيسبوك، فتعرفت إلى الفنان التشكيلي الشاب ياسر حقي اسماعيل الإسترابادي، الذي ولد في العراق عام ١٩٨١ وغادره عام ١٩٨٩ إلى لندن ليقيم هناك إقامة دائمة، فقدم لي مشكوراً بحكم انتسابه الى أسرة الإسترابادي كثيراً من التفاصيل والمعلومات المهمة والصور الوثائقية النادرة، يقول: انتقل الحاج كاظم إلى الكاظمية وفتح محلاً للتجارة هناك في خان (أبو اقلام) وأخذت أعماله تتوسع، حتى صار له ذكر طيب واسم معروف بالأمانة والصدق وحسن النية، فتزوج إحدى بنات الأشراف التي أنجبت له ولدين سماهما مهدي وعبد الهادي. وحين بلغ الأول الثامنة عشرة والثاني الخامسة عشرة من العمر انتقل والدهما إلى جوار ربه، وبقي الولدان يديران أمر التجارة بنجاح تحت إشراف والدتهما. وكانت الأم من النساء العاقلات المدبرات، ذات عقل راجح وذكاء وافر. وكان الولدان لا يخرجان عن طاعتها فوفقهما الله في أعمالهما وبارك لهما في التجارة فشيدت الأم لهما داراً كبيرة غير الدار الأولى وشيدت بجانبهما داراً للضيافة (ديوان خانة) الموجودة الآن في الكاظمية.
ورداً على سؤالنا عن زيارة شخصيات عربية للسوق كقارئي القرآن عبد الباسط عبد الصمد وأبو العينين الشعيشع، وسبقتهما في عام ١٩٣٢السيدة أم كلثوم، وضيافتهما من قبل جدِّه الأكبر الحاج محمود الإسترابادي قال: لقد علمت أنه في الخمسينيات أثناء الحفل التأبيني الذي أقيم بوفاة الملكة عالية زار العراق قارئا القرآن الكريم عبد الباسط والشعيشع، وقبل ذلك في الثلاثينيات زارت العراق سيدة الغناء العربي أم كلثوم وشقيقها خالد، وكان قد حضر برفقتهما قارئ المقام محمد القبنجي، ولدينا صورة فوتوغرافية توثق هذه الواقعة، وقد استضافها الحاج محمود الإسترابادي في داره المعروفة في الكاظمية، ويقال إنها رتلت بصوتها بعض آيات القران الكريم، لكن مما يؤسف له أن كثيراً من الوثائق والصور الخاصة بالأسرة فُقد أو سُرق بعد أحداث عام ١٩٥٨. لافتاً إلى وجود سوق أثري آخر بنفس الاسم في خانقين هو أقدم من سوق الكاظمية، بناه أيضاً جدنا الكبير الحاج عبد الهادي الإسترابادي، وبنى أيضاً خان بني سعد لاستراحة القوافل القادمة من إيران إلى العراق. مضيفاً أن أحد الطلبة العراقيين المقيمين في الأردن واسمه زيد عصام قدم رسالة أكاديمية عن السوق لنيل شهادة الماجستير..
محفوظ والإسترابادي..
وقد وجدت من المفيد هنا أيضاً أن أستعين ببعض ما جاء في التسجيل الصوتي للقاء الإذاعي الذي أجريته قبل سنوات من رحيل شيخ بغداد والكاظمية العلّامة الدكتور حسين علي محفوظ بهذا لخصوص إذ قال: سوق الإسترابادي في الكاظمية من الأسواق الكبيرة في العراق، وهو منسوب إلى بيت الإسترابادي، من بيوتات الكاظمية التجارية المعروفة ومن الأسر المعروفة في العراق. كان جدهم الحاج عبد الهادي الإسترابادي من كبار تجار العراق في بغداد في أواخر القرن الثالث عشر للهجرة وهو الذي أشرف على بناء صحن الكاظمية الأخير الذي أنفق عليه فرهاد ميرزا، وهو من العلماء الفضلاء المؤلفين إضافة إلى مكانته ووجاهته ورئاسته في عصره.
ثم جاء بعده الحاج عبد الهادي، ابن الحاج مهدي الإستربادي، وكان من رؤساء التجار ووجوههم في الكاظمية وبغداد والعراق. وكانت لبيت الإسترابادي مراكب في نهر دجلة تنقل الزوار من الكاظمية إلى سامراء، وقد بيعت هذه المراكب وأنشئ بثمنها سوق الإسترابادي الكبير في الكاظمية في موقعه الحالي جنوب شرقي الصحن الكاظمي الشريف، في الثلث الأول من القرن الرابع عشر للهجرة. يمتاز هذا السوق عن جميع الأسواق الكبيرة في العراق والشرق وربما في العالم أيضاً بأنه ذو طابقين، ففي الطابق الأول دكاكين وفي الثاني حجرات للتجار. وأبدى محفوظ، في حديثه، معارضته ورفضه المساس بالسوق بإجراء أية تغييرات فيه بقوله:
لا أوافق على التطوير إذا كان فيه تغيير، وأدعو إلى المحافظة على الأبنية التراثية والآثارية والاهتمام بها والإفادة منها في حدود عدم المس بتركيبتها الحضرية والمعمارية.
أحاديث متفرقة من السوق
الحاج علي إبراهيم الأسدي كان أول المتحدثين إذ قال: توارثت العمل من والدي (رحمه الله) الذي كان من مواليد 1918، وكان السوق يعج في السنوات الماضية بحركة التجار والسيّاح من شتى دول العالم ومن المحافظات العراقية الوافدين إلى الكاظمية لأداء مراسم الزيارة المتبضعين من السوق بعض الكماليات والعباءات الرجالية والنسائية وأنواع المنسوجات والملابس لجودة بضائعه ورخص ثمنها. يضيف الأسدي قائلاً: لقد كانت محال السوق مفتوحة أمام الزائرين على مدار الساعة في الليل والنهار، وكان محل الحاج سامي عباس التتنجي يتميز بواجهته التراثية المصنوعة من خشب الساج بطريقة الأرابسك ذات النقوش والزخارف الجميلة، وقد حاول كثير من هواة التراث شراء هذه الواجهة بعد وفاته، إلا أن عائلته رفضت ذلك وفضلت إهداءها إلى إدارة المتحف البغدادي في أمانة بغداد لتكون ضمن معروضاته كونها تمثل جزءاً من تراثنا الشعبي وموروثنا البغدادي الأصيل…
يواصل الحاج الأسدي حديثه قائلاً: أود أن أذكر لك هنا مقولة يعرفها الجميع ونرددها فيما بيننا وهي أن من لم يزر الإسترابادي لم يزر الكاظمية.
* الحاج عبود كريم (أبو أحمد)، صاحب محل لخياطة العباءة الرجالية في السوق، يقول: لقد تعرض سوق الإسترابادي عبر تاريخه الطويل لحوادث الحريق أكثر من مرة في السبعينيات فنجمَ عن ذلك تساقط السقوف والجدران من بعض غرفه ومحاله، ولاسيما في الطبقة العلوية منه حتى صار بعضها آيلاً للسقوط لأن أغلب المواد المستخدمة في البناء هي من الخشب، فضلاً عن تعرضه في عام ٢٠٠٧ إلى حادث تفجير إرهابي تسبب، أيضاً، بأضرار كبيرة فيه.
وللأسف الشديد لم يحظ السوق من الحكومات السابقة بالاهتمام والعناية اللازمين، ولم نحصل منهم إلا على الوعود بالتطوير والتأهيل ونحن نأمل من الحكومة الحالية والجهات المعنية تطوير هذا السوق والالتفات إليه مع مراعاة ظروف العاملين فيه لأنه مصدر عيش لهم ولعوائلهم.
ويحدثنا الحاج عبود، كشاهد عيان، عن زيارة قام بها رئيس وزراء العراق في العهد الملكي نوري السعيد في أحد الأيام للسوق لتناول الكباب في مطعم الحاج حسين وكان برفقته مرافقه العقيد وصفي طاهر وسائقه، ثم غادرا المكان من دون أن يثيرا انتباه أحد.
مناشدات ودعوات لإنقاذ السوق
حاولنا في هذا التحقيق معرفة آراء بعض الباحثين والمهتمين بالتراث البغدادي، من بينهم الباحث والإعلامي عادل العرداوي الذي قال: بما أن عائدية سوق الإستربادي هي من الأملاك الخاصة، وهو يعد من الأبنية التراثية والتاريخية القديمة في مدينة الكاظمية، لذلك سيكون الحفاظ عليه مسؤولية تضامنية بين الجهات المسؤولة التي هي أمانة بغداد ودائرة الآثار والتراث في وزارة الثقافة، وكذلك بالإمكان إضافة العتبة الكاظمية المقدسة، وهذا لا يعفي أصحاب الشأن من مالكي السوق والمستأجرين فيه من المسؤولية عن إعادة تأهيل بعض الأبنية والمحال الموجودة فيه تحاشياً لسقوطه وانهياره.
الفنان المبدع ابراهيم النقاش، الذي خلّد بأعماله النحتية على الخشب العديد من الموضوعات التراثية المهمة في مدينة الكاظمية ومن بينها سوق الإسترابادي، شدد هو الآخر على أن تأخذ الجهات المعنية والمسؤولة زمام المبادرة لإنقاذ هذا المعلَم العريق لأهميته التاريخية والحضارية لمدينة الكاظمية.
يشاركه الرأي التراثي صباح السعدي الذي تحدث هو الآخر عن جوانب أخرى لهذا السوق بأن أرضه كانت بستاناً تملكه عائلة (عطيفة) المعروفون في مدينة الكاظمية، وقد بُنيَ قبل أكثر من مئة عام. وناشد السعدي الجهات المعنية والمسؤولة بضرورة إعادة إعمار بناء الأجزاء المتهدمة والمنهارة منه. أما الباحث التراثي رؤوف الصفار فإنه كذلك يرى أن سوق الإسترابادي يعد واحداً من أشهر معالم بغداد عامة، ومدينة الكاظمية خاصة، وأنه كان محطة انطلاق مهمة للسفر إلى خارج العراق عبر (مرأب فرمان) الذي كان المرأب الرئيس الذي ينطلق منه المسافرون والسيّاح بالسيارات الكبيرة إلى كثير من دول العالم من بينها الكويت وإيران وسوريا وتركيا ولبنان وحتى القدس الشريف. وذلك قبل إنشاء مرأبي الكرخ والنهضة.
كما حدثنا الباحث التاريخي محسن العارضي عن أبرز الملامح التي تميز بها سوق الإسترابادي بقوله: لعل من بين أبرز معالم وملامح السوق في ستينيات القرن العشرين مجموعة الصرافين الذين كانوا يصطفون وسط السوق من جهة المدخل المقابل للحضرة الكاظمية المقدسة، فضلاً عن (مطعم بور سعيد) لصاحبه الحاج حسين، و(مقهى الشعراء) لصاحبه الحاج إبراهيم محمد علي الأسدي، إلى جانب محال أخرى لمهن مختلفة، مؤكداً أن السوق اليوم يعاني الإهمال، وقد تتعرض بعض أجزائه للسقوط، لذلك ندعو الجهات ذات العلاقة، ولاسيما أمانة بغداد، ودائرة بلدية الكاظمية، ومركز إحياء التراث في الكاظمية، إلى الاهتمام به والمباشرة بعملية ترميمه، لأنه يعد جزءاً أصيلاً من تراث هذه المدنية المقدسة.
أمانة بغداد تعتذر
من جانبها، أكدت أمانة بغداد، على لسان مدير عام العلاقات والإعلام والناطق الرسمي فيها: أن الأمانة سبق أن أعلنت، قبل سنوات، عن مسابقة لتطوير المنطقة المحيطة بالصحن الشريف للإمامين الكاظمين (عليهما السلام) بمساحة تقارب 500 متر، إذ أحيلت إلى إحدى الشركات الفائزة ووضعت المخططات والتصاميم على محك التنفيذ فنفذت الأمانة شارعين هما شارع الإمام علي وشارع الإمام زين العابدين (عليهما السلام) لتخفيف عبء الازدحام عن المدينة، ولاسيما في المناسبات الدينية، حين كان يصعب استخدام الآليات المخصصة لتقديم الخدمات لهذه المدينة، وهذا الشارعان هما في منطقة المحيط. لافتاً إلى أن الأمانة استطاعت أن تستملك عدداً من الدور والأبنية المحيطة بالصحن الشريف والموجودة ضمن منطقة التطوير. وفي ما يتعلق بتطوير المنطقة المحيطة بالصحن الشريف القريبة من سوق الإسترابادي، فقد تعذرت المباشرة بها بسبب عدم وجود التخصيصات المالية، والكرة في ملعب الجهات العليا التي بيدها القرار النهائي بالموافقة من عدمها.