سوق الصفافير.. تراثٌ تغزوه الأتربة

678
ذوالفقار يوسف /
لم يحدد تأريخ لولادة حرفة الصفافير العريقة، إلا أنها مرّت بمراحل ومواقف جعلت منها شاهداً حياً لجميع العصور. فمنذ السومريين ومنحوتاتهم على مادة النحاس في الألف السادس قبل الميلاد، الى الأبحاث التنقيبية التي تبين أن هذه الحرفة موجودة قبل اكثر من ثمانية آلاف سنة قبل الميلاد، فقد اتخذ الملوك والأباطرة النحاس آنذاك زينة لقصورهم وعروشهم، أما النساء فقد تجمّلن به وارتدين ما يصنع منه من أقراط وقلائد وأساور ذات نقوش وزخارف مميزة.
غاندي والملوية
ما إن تدخل هذه البقعة المتلألئة، إلا وترى الصروح والأساطير وحكايات الأبطال قد نقشت على صفائح هذا المعدن، تطيل النظر لهذه النقوش التي تحكي قصصاً وروايات تنبثق من زخارفها حضارات العراق وصروحه، فمن الملوية الى أسد بابل، الى ملحمة كلكامش الى الحيوانات المنقوشة بشكل متقن، ما يجذب كل ناظر يدخل الى هذا السوق، جعلت العديد من السيّاح داخل العراق وخارجه يتوافدون لاقتناء هذه المواد المصنوعة التي تمثل حضارة وادي الرافدين، ولإتقان الحرفيين عملهم، جعل هذا السوق مصدراً لهذه الصناعات دون غيره من الأسواق، ليتربع على قائمة التراث في كل أنحاء العالم، حيث استقبل هذا السوق العديد من الشخصيات العالمية امثال الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وإنديرا غاندي، والإسباني خافيير سولانا، وطاغور الحائز على جائزة نوبل، بعد أن دعاه الملك فيصل الأول الى بغداد عام 1931، والعديد من الشخصيات الأخرى التي كان أحد أحلامهم زيارة هذا السوق، والتبضع من صناعاته، وما من سائح إلا وحمل معه تذكاراً يعبر عن جمال الصناعة اليدوية العراقية.
الرشيد والفراهيدي
لم تكن الأواني المزخرفة هي فقط نتاج هذه الصناعات، فقد ألهم الطرق على الأواني والأصوات المتناغمة عند كل طرقة، العالم اللغوي الكبير ومكتشف علم العروض الخليل بن أحمد الفراهيدي، فعند مروره بهذا السوق وعندما سمع صوت كل ضربة مطرقة كإيقاع مميز، جعل من هذه الإيقاعات وليدة لفكرة ضروب الشعر في أوزانه المختلفة.
أما موقعه الفريد وسط العاصمة بغداد فكان لها طعم آخر، لكونه يقع في أحد أهم شوارع بغداد القديمة وحاراتها التي تمثل رمزاً كلاسيكياً لهوية العاصمة، وهو شارع الرشيد، الذي يعتبر أقدم شوارع بغداد، وبالرغم من تواجده في زقاق ضيق، إلا أن تراص المحال قرب بعضها أعطاه رونقاً مميزاً، حيث يعتبر أحد الدروب البغدادية التي أُسست في العصر العباسي، وكانت تسمى آنذاك بمحلة سوق الثلاثاء، وهذه المحلة كانت قريبة من دار الخلافة العباسية، وتحيط بها معاهد ومدارس دينية، حيث يقول أحد صنّاعها القدماء إن كتيبة الخيّالة الملكية التابعة لحكومة الملك غازي، كانت تقصد هذا السوق ولسبب طريف، وهو لكي تتعود الخيول على ضجيج الصوت الصادر من طرق الأواني، وحتى لاتجفل عند الاستعداد لأي امر طارئ، ما إن استدعوا هذه الكتيبة.
“مشَكَّل يالوز”
هذا ما ردّده لسان عماد عبد الحسين(67 عاماً)، احد قدماء هذه الصناعات حيث يقول “إن رائحة الحرفيين القدماء اختفت من هذا السوق، ومن بعدها اختفت معالمه التي تعتبر من تراث العراق القديم، وبالرغم من وضع الحكومة السابقة قانوناً يقتضي بأن اي شارع او سوق او بناء مضى عليه اكثر من مئة عام يعتبر إرثاً تراثياً لايجوز التصرف به، او هدمه او المساس به وتغيير شكله، ويجب المحافظة على خصوصيته القديمة، إلا أن الأحوال تغيرت بعد عام 2003، فبعد أن كان يضم اكثر من 100 محل للحرفين لهذه الصناعات، لم تبقَ إلا 10 محال، وأقل منها من الحرفيين الذين ما زالوا يقاومون الظروف حتى يبقى هذا الصرح قائماً.”
ويضيف عماد “بأن الوضع الأمني هو أحد أسباب انحسار هذه الصنعة، فالسياحة قد أخذت منعطفاً سيئاً بسبب الخوف من دخول العراق، بعد أن كانت الوفود والسيّاح يأتون من كل بقاع العالم، إضافة الى ذلك انحسار الراغبين باقتناء هذه الصناعات لكونها غالية الثمن، بسبب عدم توفير مادة النحاس الخام من قبل الحكومة بأسعار مناسبة، جعل العديد منهم يلتفتون الى المستورد والجاهز منها، هذه الأسباب جعلت الحرفيين المبدعين في هذه الصناعة يمتهنون صناعة اخرى، وجعلت العديد من الحرفيين الـ(مشكّل يالوز) ينتجون صناعات رديئة وبشكل غير محترف، فضاع الإبداع والابتكار، ما جعلهم يبيعون محالهم الى بائعي القماش، الذين غيروا ملامح هذا السوق.”
“خرخاشة العلم”
سُمي هذا السوق بهذا الاسم نسبة الى المادة التي تصنع منها الحاجات وهي مادة النحاس (الصفر) وعند نسبها الى الحرفيين فيها تسمى باللهجة العراقية بـ(الصفارين او الصفافير)، والتي تعود الى لون المادة النحاسية الصفراء، حيث كانت الصناعات اليدوية آنذاك متعددة ومتنوعة.
 يحدثنا الحرفي الحاج عامر الصفار(44 عاماً) عن هذا الأمر بحرقة لاتخلو من الشوق لتلك الايام ويقول”لقد كان الطلب على منتجاتنا كبيراً في ذلك الوقت، حيث كانت أغلب المحال تبقى فاتحة أبوابها الى المساء، لكثرة الطلبات وتواجد السياح ورغبتهم في اقتناء هذه الصناعات، ومنها الصحون والطشوت والملاعق والسماورات وأباريق الشاي والفوانيس النحاسية ذات النقوش الجميلة واطارات الصور، وايضا المنتجات التي تصنع حسب الطلب، حتى أن الحكومة آنذاك كانت ترسل طلبات لشراء ماننتجه من هذه الصناعات، أما الآن فقد تمحور عملنا على الجلوس طوال اليوم، لا نسمع تلك الأصوات الجميلة التي اعتاد مرتادو هذه السوق على سماعها، وأضحت الصناعات الجاهزة والمستوردة من الصين والهند بديلاً لمنتوجاتنا، ونادراً ما يأتي للمحل طلب لبعض الحاجات كصناعة (خرخاشة العلم) التي توضع فوق رايات العشائر، و(الدلال) التي تزين المضايف العراقية عند الشيوخ، وأحيانا اخرى يطلب منا زخرفة إطارات الصور.”
ويؤكد الصفار أن العديد من الحرفيين حاولوا أن يعلّموا الأجيال هذه الصناعة، حتى لاتندثر وتهمل، إلا أن صعوبة المعيشة وغلاء أسعار النحاس الخام، وقلة الطلب، وشدة حرارة النار التي يواجهها الصناع بسبب (الكور) التي يسخن فيها النحاس قبل طرقه، جعلت العديد من الشباب يرفضون تعلّم هذه الحرفة، وأن أغلبهم يواجهون صعوبة في تعلمها. ولأنها مهنة تحتاج الى الصبر والدقة والفن والابتكار، لم يكن من السهولة تعلمها وهي تواجه هذا الركود الذي يرافقه الإهمال لهذه الحرفة، ما جعلهم يلجأون الى صناعات ومهن اخرى.
صرخة وضايعة بسوك الصفافير!!
لكل دولة حضارتها وتراثها اللذان تهتم بهما وتحافظ عليهما من الاندثار، إلا أن بلد الحضارات يخلو من أي اهتمام بموروثاته وصروحه التراثية. بائع الأقمشة الحاج سلمان النقاش (58 عاماً) بعد ان كان يمتهن الصناعات النحاسية وفنون الزخرفة والنقش يعاتب الحكومات المتعاقبة ويقول: “تحولتُ من حرفيّ في صناعة النحاس والنقش عليه الى بائع أقمشة حتى استطيع أن أعيش، ولأن هذه الحرفة قد بان عليها الاضمحلال، فقد عزمت على تغييرها، ولكن مع حسرة كبيرة لم تزل قابعة في داخلي، ولأنها حرفة آبائي وأجدادي، وتراث مهم يسري في عروقي، فقد عزمت على عدم مغادرة السوق.”
يضيف النقاش أن هناك مثلاً شائعاً يمثل هوية من هويات سوق الصفارين، مبيناً مدى عطاء هذا السوق آنذاك، فقد كانت أصوات الطرق لا تكفّ لحظة واحدة، حيث قيل (صرخة وضايعة بسوك الصفافير)، مبيناً ان صرخاتك غير مسموعة في هذا السوق لكثرة الضجيج واصوات ضرب المطارق للنحاس في ذلك الوقت، وأن من كان يريد التحدث عن حكومة جائرة في ذلك الوقت، فليذهب الى سوق”الصفافير” ليتفادى سماع الحكومة بما يتحدث، إلا أننا الأن نواجه عكس ما يمثل هذا المثل، فبالرغم من اختفاء هذه الأصوات، فلا صرخة ولا ألف صرخة قد تجعل الدولة تنتبه لمثل هكذا معلَم تاريخي يمثل حضارة العراق وتاريخها، فلا مناشدات تسمع ولا توسلات تجعل الجهات المعنية تهتم وتحمي هذا الموروث الشعبي الأصيل من الاندثار، ولكننا لخوفنا على هذه الحرفة نكرر رجاءنا، بأن تساهم الحكومة في دعم الصناعات اليدوية الشعبية، ومنها الأسواق التي تشكل تاريخ وحضارة  العراق، لكونها هوية البلد التي يتميز بها.