سوق الصفّارين بكربلاء..اندثرت معالمه وتحول صُنّاعه إلى مهن أخرى

461

 محمد الصواف/

لا يخفي الحاج جواد الصفار حزنه الشديد بعد عزوف أبنائه عن مهنته ومهنة آبائه المتوارثة منذ قرون، ألا وهي مهنة الصفارة (صناعة الأواني النحاسية)، واندثار هذه الحرفة بعد أن كانت يوماً من الأيام ضرباً من ضروب الإبداع ومفخرة لكل من امتهنها، كونها حرفة جمعت بين الفن والثراء. وعزا جواد هجر أبنائه لهذه المهنة الفلكلورية، حسب قوله، الى عزوف الأهالي عن اقتناء ما ينتج من مواد مصنوعة من مادة النحاس واستبدالها بأوانٍ وحاجات من معادن أخرى أكثر ملاءمة.

ويطلق في العراق على مادة النحاس تسمية (صفر) لأسباب تعذرت معرفتها، في حين يسمى من يعمل في صناعة المواد المصنوعة من النحاس بـ(الصفَار).

ذكريات

يروي جواد الصفار، بكلمات تتخللها مشاعر الفخر والاعتزاز، كيف كان ماهراً في حرفته، لاسيما أن يديه انتجتا الكثير من السلع رفيعة الطراز من مادة النحاس، فيقول: “صنعت العديد من أباريق القهوة، والأواني الكبيرة المسطحة (الصينية)، الى جانب الأباريق بمختلف الأحجام والأنواع”.

ويشدد الصفار مراهناً على أن جميع ما صنعه منذ عقود ما يزال صالحاً للاستخدام حتى الآن وقد تحول العديد مما صنعه الى تحف فنية في المنازل حتى أنها تباع بأضعاف سعرها.

يمثل الحاج جواد أقدم وآخرالنقاشين على المعدن، لكنه بات اليوم وحيداً منزوياً في دكان صغير يبيع فيه المواد الغذائية بعد أن كان صاحب معمل يضج بالعمال في صناعة الأدوات النحاسية والمعدنية.

سوق كبير

ويستحضر الحاج جواد بذاكرته سوق الصفارين الذي كان يضج بالمتبضعين والطارقين على المعدن، حسب وصفه، فيقول، “كان في وسط مدينة كربلاء القديمة سوق يضم أكثر من ستين صفاراً، يحوي أكثر من مئتي عامل وحرفي في هذه المهنة”.

ويضيف، “كان سوق الصفارين ينتج المستلزمات المنزلية الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها ابتداء من الأباريق بمختلف استخداماتها وأواني الطبخ والقطع الجمالية التي تستخدم كديكور في البيوت”.

ويكشف الحاج جواد عن تفاصيل تلك الصناعة قائلاً: “كان صفارو كربلاء يحرصون على استخدام أجود أنواع المواد الخام في صناعتهم كالنحاس الانكليزي والنحاس الفرنسي حصرا”.

مبيناً: “كنا نستورد النحاس على شكل ألواح كبيرة وبأسعار زهيدة نسبياً، أما الآن فأصبح النحاس مرتفع السعر بعد دخوله في صناعات مختلفة لاسيما الصناعات الكهربائية العملاقة.”

ذلك الأمر حدا بمعظم الصفارين للعزوف عن تلك هذه الحرفة، يختتم الحاج حسن معلقا.

السياحة

ويعزو الحاج سعيد الكعبي ذو الستين عاماً، الذي كان صفاراً، اندثار هذه المهنة الى انقطاع السياح الأجانب عن زيارة البلاد، لاسيما السياح الأوروبيون والأمريكان فيقول: “حتى التسعينات كانت هذه المهنة تلقى رواجاً لا بأس به من خلال تسويق المنتجات الى السياح الأجانب”.

ويضيف: “تسببت حرب الخليج وما أعقبها من حصار اقتصادي والاحتلال وما شابه من فلتان أمني، في انقطاع شبه تام للسياح الأجانب عن العراق”.

مشيرا: “كان انقطاع السياح بمثابة رصاصة الرحمة لهذه الحرفة التراثية”.

بدورهم، يرى العديد من السكان أن الأسعار الزهيده للسلع المنزلية المصنوعة من المواد البديلة للنحاس ساهمت في إقبالهم على شرائها، فضلاً عن تنوع أشكالها وألوانها.

يقول أبو علي الخالدي إن “المواد المستوردة لاسيما المصنوعة من الستيل والفافون والبلاستيك تتميز بالجودة والسعر الزهيد فضلا عن كونها متوفرة بشكل كبير في الأسواق على العكس من الأواني النحاسية باهظة الثمن والنادرة”.

أفكار

في حين يلقي الأستاذ الجامعي أحمد جويد بلائمة اندثار هذه الحرفة على الصفارين أنفسهم، فيقول: “كل مهنة قابلة للتطور والازدهار وهذا ما كان يتحتم على الصفارين ممارسته للارتقاء بهذا الفن من باب التجارة والتراث على حد سواء”.

مؤكدا: “الإشكالية مركّبة وتقع مسؤوليتها على الصفارين الذين وضعوا أيديهم على خدودهم ولم يحركوا ساكناً في سبيل الحفاظ على هذه الحرفة المهمة، وعلى الدولة التي لم تراعِ ديمومة هذه الصناعة التراثية ولم تلتفت لها”.
من جانبه، دعا الناشط المدني عبد الإله الحاج نعمة الى ضرورة تحرك اتحاد الصناعيين في العراق لإعادة إحياء ما يعتبره فناً فلكلورياً موغلاً في الحضارة العراقية.

فيقول: “هناك عدة سبل للنهوض بهذه الحرفة من خلال إقامة المناطق الحرة أولا لتسويق المنتجات، وإقامة المعارض داخل وخارج العراق، فضلاً عن العمل على توفير المواد الخام الداخلة في هذه الصناعة من المناشئ العالمية وبأسعار مقبولة”.