شهر الخيرات والفضائل هكذا يستقبل العراقيون رمضان الكريم

31

فكرة الطائي  /

نشحن كل طاقتنا من أجل الاستعداد لاستقبال شهر رمضان المبارك، لكننا سرعان ما ننتقد أنفسنا على تسرعنا في اقتناء الكثير من لوازمنا واحتياجاتنا لمائدة رمضان، إذ أننا في كل سنة وفي الأيام ذاتها نفعل الشيء نفسه، وننتقد أيضاً تسرعنا وإسرافنا في الشراء، ونعود إلى التفكير السليم في فضائل الشهر الكريم التي لا تعد ولا تحصى.
فهذا الشهر يجمعنا على مائدة واحدة: مائدة المحبة والوئام الأسري، معيداً إيانا إلى أجوائنا العائلية التي أبعدتنا عنها وسائل التواصل الاجتماعي. في هذا الطقس الإيماني تواصلٌ ومودة ورحمة وتقارب بين أفراد العائلة ووسيلة وفرصة للتعرف على أفكار الأبناء ومشاعرهم ومشاكلهم في العمل والدراسة.
طقوس رمضانية
يتميز شهر رمضان بطقوسه ونفحاته الإيمانية الخاصة به، فهو الشهر الفضيل في قيمِه الروحية التي تبعث التجدد في روح الإنسان المؤمن وتديم صلته الروحية بالخالق، إذ يبقى ينشد رحمة وعطف الباري على عبده المؤمن.
السؤال الذي رافقني أثناء التفكير في كتابة هذا الموضوع هو: “ما انعكاسات هذا الشهر الفضيل على الأسرة العراقية في ظل هذه الظروف التي يعيشها بلدنا والعالم؟” وأيضا لابد لنا من استذكار فضائل هذا الشهر المبارك، وكيف تتدبر الأم أو الزوجة يومها في شهر الصيام؟
السيدة (نجاح محسن فرحان، موظفة) تحدثنا عن تدبير الأم والموازنة بين متطلبات شهر رمضان والوظيفة قائلة: “شهر رمضان هو شهر عبادة وخير وبركة، وأنا في كل سنة تمر أفكر أن أتمتع بإجازة شهر كامل لكي استعد لأداء واجباتي الأسرية في رمضان من إعداد مائدة الإفطار والسحور وتلبية طلبات العائلة المزاجية، وبعد أن أنتهي من ذلك علي أن أؤدي واجباتي الإيمانية، قد لا أستطيع أن أتدبر ذلك كله مع الالتزامات الوظيفية، ولاسيما حين لا يوجد في البيت من يساعدك في القيام ببعض الواجبات.”
سألتُ السيدة نجاح: كيف تتدبرين أمورك إذاً؟
– “هذه الهواجس تأتيني قبل شهر رمضان، ولكن ما إن ندخل اليوم الأول من الصيام حتى تذوب تلك الهواجس كلها لتحل محلها روح وطاقات إيمانية تتفجر في هذا الشهر الفضيل لنقوم بكل الواجبات على أحسن وجه.”
روح تضامنية
حدثتني السيدة (حنان عدنان كاظم، ربة بيت) عن فضائل هذا الشهر الكريم قائلة: “فضائل شهر رمضان لا تعد ولا تحصى، قد ندرك الملموسة منها التي نتعايش معها على مائدة الإفطار التي تجمع العائلة على المحبة وروح التضامن الأسرية التي تدفع الأولاد إلى مغادرة غرفهم المغلقة وعيشهم في العالم الافتراضي (الإلكتروني) إلى عالم واقعي مع أفراد الأسرة جميعاً، وأنا في هذا الوقت أعد هذه القيمة من الفضائل المهمة التي تعيد للأسرة تلاحمها وتراحمها واستذكار من نحب وتواصل الأرحام وتفقّد المحتاجين والمعوزين والمرضى في هذا الظرف الصعب الذي نعيشه جراء جائحة كورونا والظروف الاقتصادية الصعبة.”
عطش وجوع
“صوم رمضان ليس امتناعاً عن الأكل والشرب لساعات طوال تمتد إلى أكثر من 16 ساعة يومياً حسب.” هكذا بدأت السيدة (علياء قاسم، ربة بيت) حديثها، مضيفةً: “بل هو يضيف إلينا قيماً إيمانية ويزرع فينا أحاسيس تجعلنا أقرب إلى الخالق في إيماننا وفي صدق تعاملنا مع الآخرين من أهل بيتنا ومن أقاربنا وأصدقائنا، فأنا أذهب إلى السوق للتبضع فأجد كل المواد المطلوبة في شهر رمضان قد تضاعفت أسعارها، ولاسيما تلك المواد التي تدخل في إعداد مائدة رمضان، وهذا قد يتصوره بعض الناس شطارة في جمع أرباح مضاعفة، لكنهم لا يدركون أن الاحتكار حرام واستغلال حاجة الإنسان في هذه الظروف حرام أيضاً.”
ذكريات الشهر المبارك
الدكتور (عبد الهادي محمود)، تدريسي في جامعة بغداد / كلية العلوم الإسلامية، حدثني عن ذكريات شهر رمضان بقوله: “بركات شهر رمضان وامتداد الخير فيه مفهوم معاش ومتداول ويرسَخ في ذاكرة المسلمين جميعاً منذ أيام الطفولة والصبا، تبدأ من اجتماع العائلة حول مائدة السحور العامرة من رزق الله، ولاسيما ما يقضي على العطش ويترك من البرودة والشبع كما كنا نفهم، كاللبن الرائب والجبن الأبيض وبعض الفواكه أو الأجبان الطرية، حتى إذا ما انتهى وقت السحور، ذهبنا ونحن صغار برفقة الآباء والإخوان الكبار إلى الجامع لأداء صلاة الفجر ثم نعود لننام ونشعر بالسعادة والرغبة في مرضاة الله، ثم نجتمع ثانية في الفطور على دعاء الوالدة وهي تدعو لنا، إذ تقدم لنا ما لذ وطاب من الطعام الشهي الذي يتقدمه التمر وشوربة العدس، وبعد صلاة المغرب تقدم لنا ما طبخته من ألوان الطعام والحلوى، وما يرسخ في الذاكرة أيضا أننا كنا نتسابق في إتمام الصيام إلى المغرب.”
* ولكن كيف نزرع القيم الإيجابية لصوم رمضان في النشء الجديد من أجل بناء مجتمع قوي وسليم؟
– “لابد لنا من أن نزرع في أطفالنا محبة هذا الشهر الفضيل ونعلمهم أن الأخلاق الطيبة هي ثمرة من ثمرات الصوم، كما أن الصوم نفسه يحقق هدفه ويثمر في النفس كلما التزمنا بهذه الأخلاق، فنزرع في أطفالنا قيم الخير والمحبة والسلام واحترام الكبير والصدق والتعاون، ففي الصوم تتحقق وحدة المجتمع ويتحقق التكافل والتعاضد بين الناس لأنهم يمرون جميعاً في ظرف واحد هو ممارسة شعيرة وفريضة مقدسة، أرادها الله تعالى لتزكية النفس وعبادة ربهم الكريم، ولهذا الشعور الإيماني أثر بالغ اذا ما اقترن بشعار (شهر رمضان يوحدنا)، ولاسيما أننا بحاجة كبيرة وماسّة إلى وحدة المجتمع والتعاون بين أفراده.”