ضريحٌ أنس بن مالك مشهد في بريّة الشعيبة

958

طالب عبد العزيز/

بين الشعيبة والزبير يرقد آخر صحابي للنبي محمد (ص) ذاك هو أنس بن مالك، المولود في (يثرب) -المدينة المنورة- قبل 10 سنوات من الهجرة المشرفة والمتوفى في البصرة سنة 93 منها. والضريح نقطة دالة في البريّة الواسعة تلك، فلا سكن ولا خيام ولا مضارب قريبة منه. كان قبراً صغيراً، بمشهد بسيط من الطابوق والطين حتى أمرَ صدام حسين في برنامج حملته الإيمانية المزعومة، ببنائه على النحو الذي عليه اليوم.
مدينة الأضرحة
ما يميّز البصرة عن سواها من مدن الوسط والجنوب هو كثرة الأضرحة والمزارات التأريخية والاسلامية فيها، وإذا كانت قد عُرفت بانَّ مسجدها الجامع (مسجد البصرة) هو أول مسجد بني للمسلمين خارج مكة والمدينة، فهي المدينة التي تضم في تربتها قبور وأضرحة الكثير من الصحابة والتابعين والأولياء من آل بيت النبوة، وتنتشر في ضواحيها العديد من المساجد والكنائس والقباب التأريخية، ولعل مقبرة الحسن البصري الكائنة على أطراف مدينة الزبير بما فيها من مشاهد تأريخية خير شاهد على ذلك.
المدينة التي بناها القائد عتبة بن غزوان سنة 14 للهجرة والتي شهدت الفتنة الثانية في الإسلام بعد فتنة مقتل الخليفة عثمان بن عفان في المدينة. وقُتل على صعيدها في معركة الجمل الشهيرة ثلة من الصحابة الأولين، والتي تواتر على الخُطابة والإمامة في مسجدها كبار الخلفاء والصحابة والأمراء، وأثرت تأريخ العربية بالعشرات والمئات من البلغاء والمتكلمين والشعراء ورواة الأحاديث، بحاجة اليوم إلى إعادة بناء لمعالمها التأريخية هذه، بحاجة الى نبذ التفكير الأحادي للأثر، فلا فرادة لطائفة فيها على حساب طائفة أخرى، هي نسيج ماضٍ مشترك مثلما هي حلة حاضرٍ مشترك أيضاً، لذا نهمس في أذن من يتولى الأمر فيها، ونقول لمن يريد لها الخير بأنْ عليه أنْ يسعى للتفكير بها كمدينة تأريخية، سياحية، كثيرة المعالم، واسعة الجغرافيا، تحدّها الصحراء ويحتضنها البحر ويتخللها النهر العظيم. وما نسيج الأضرحة وتماثلها على صعيدها إلا علامة دالة على عظمتها واهميتها بين البلدان.
سيكون بوسع مستعمل الطريق بين مدينتي البصرة والعمارة، وفي القرنة تحديدا، وعلى طول الطريق تلك، رؤية العشرات من المزارات والأضرحة، فهي الطريق التي كانت تصل بلاد فارس بالعراق، هناك حيث تكون الحياة أكثر أمناً ونأياً عن البطش والجبروت، ومن هناك مرَّ الأولياء والصالحون هاربين من بطش خلفاء الدولة العباسية وأمرائها، وعلى مرِّ الأزمنة، والطريق الرطبة الترابية تلك، مات وتاه العديد منهم، وقامت العامة تواري أجسادهم الثرى، وترسم لقبورهم المسافات والأخيلة، حتى إذا كان في الزمن متسع أقاموا القباب والمنائر لهم، لتشهد البطائح والمفازات فيما بعد ما يؤنسهم بعد وحشة ويقرّب المرء بينهم من السماء التي غالبا ما كانت تظلم وتكفهر عليهم.
آخر الصحابة
وعلى يمين الطريق التي تأخذ الناس من البصرة الى بغداد، وفي بريةٍ مفردةٍ تقع بليدة كبيرة اسمها الزبير، حيث يرقد ابن عمة الرسول، الصحابي الزبير بن العوام، وعلى مقربة من هناك تحتفظ الخرائط البرية ببلدة أخرى هي الشعيبة، حيث النفط يستخرج من هناك بوفرة، منذ أكثر من ثلاثة أرباع القرن، وبين الشعيبة والزبير يرقد آخر صحابي للنبي محمد (ص) ذاك هو أنس بن مالك، المولود في (يثرب) -المدينة المنورة- قبل 10 سنوات من الهجرة المشرفة والمتوفى في البصرة سنة 93 منها. ولأن المشهد كان معلوماً هناك، فقد ذكره ابن بطوطة في رحلته التي بلغ فيها البصرة، وغادرها إلى الاحساء. فهو الذي قال بانَّ نهراً عظيماً يأخذ حصته من شط العرب الكبير، كان يجري هناك، يقع على شاطئه ضريح الصحابي أنس بن مالك، ويؤخذ الماء منه للتبرك، ومثل ذلك يورد في ذكره للتابعي محمد بن سيرين، مفسر الأحلام المعروف، وهو على مقربة من ضريح بن مالك. وابن بطوطة يقول بانه أوثق سفينته التي قدم بها إلى شجرة كبيرة، على شاطئ النهر هذا، ومن هناك لاح له جؤجؤ منارة مسجد البصرة الجامع (خطوة الإمام علي) في المكان المعلوم في البصرة اليوم.
مخازن أنس
ومنذ وقائع الحرب الكونية الأولى ودخول الجيش البريطاني البصرة، والجنود العراقيون يسمّون مخازن الأسلحة القريبة من الضريح بمخازن أنس، وحتى العام 2003 ظلوا يسمّونها كذلك، والقبر، الضريح نقطة دالة في البريّة الواسعة تلك، فلا سكن ولا خيام ولا مضارب قريبة منه. كان قبراً صغيراً، بمشهد بسيط من الطابوق والطين حتى أمرَ صدام حسين في برنامج حملته الإيمانية المزعومة، ببنائه على النحو الذي عليه اليوم. والمرقد بقبابه الجميلة لم يُصبه الأذى والتدمير، الذي طال قباب ومنائر مرقد الصحابي طلحة ابن عبيد ألله، الكائن على الطريق بين البصرة والزبير سنة 2006 حين اضطرب العراق وجنَّ جنون الناس فيه، عقيب تفجير مرقدي الإمامين العسكريين، وقد أخفقت مديرية الوقف السني ومعها دائرة السياحة والآثار والحكومة المحلية في اعادة بنائه، والحق يقال بأن الضريح كان مفخرة معمارية، يتطلع البصريون والمعنيون بشأن السياحة وجمال الأبنية إلى اليوم الذي يلتفت فيه المعنيون لأمر بنائه ثانية.
اعتقادات جاهلة
معيب جداً أنْ يصل الجهل بالعامة من الناس إلى الاعتقاد بانَّ وحشاً مفترساً يحرس ضريح أنس بن مالك في الليل، وانَّ مصابيح الكهرباء لا تعمل داخله، فهي تنطفئ فيه، وحتى مصابيح الموبايلات لا تعمل هنا، وهناك من يسيء للضريح وللأثر الاسلامي هذا، في فهم قاصر، وغير واعٍ للمعاني الروحية التي ينطوي عليها المبنى القدسي هذا، إذا ما علمنا بان صاحبه يعدُّ من طبقة الصحابة الأولى، وأنه كان قد قام على خدمة النبي محمد (ص) عشر سنوات، بأيامها ولياليها، وشهد معه العديد من الغزوات. فهو الذي حفظ وروى عنه (ص) 2286 حديثا.