طواف في “مقبرة الغرباء” بدمشق

580

 كاظم غيلان/

دعت ظروف العراق السياسية أعداداً كبيرة من مثقفيه وسياسييه إلى مغادرته قسراً، حيث اتخذ هؤلاء موقفاً معارضاً لنهج البعث الفاشي الذي كان سبباً في (الهجيج) بكل مراحله التي بلغت ذروتها في تسعينات القرن الماضي، حيث تناوبت أزمتان سياسية واقتصادية نتيجة الحروب العبثية لرأس النظام آنذاك.

كان للموت النصيب الأوفر في مأساة هؤلاء المهاجرين، فقد فتحت المنافي شهيتها الأرضية لاستقبال جثامينهم وكان لدمشق الشام الحصة الأعلى في ذلك. فعلى سفح جبل (قاسيون) يرقد الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي الذي دفن بناءً على وصيته في مقبرة شيخ المتصوفة (محيي الدين بن عربي) بينما يرقد القائد الشيوعي البارز (زكي خيري) في (مقبرة الدحداح) الواقعة في شارع بغداد.

مقبرة الغرباء

أما مقبرة الغرباء في ضاحية السيدة زينب فكان لها الحصة الأوفر والأهم بامتياز لاستقبالها رموزاً عراقية بارزة، وقد أطلق عليها العراقيون هذه التسمية “مقبرة الغرباء”، بيد أن اسمها الحقيقي وكما هو مثبت في بوابة المقبرة (مقبرة السيدة زينب الجديدة) التي تأسست العام 1990، أما القديمة التي تقع جنبها فلها حصتها من الغرباء أيضاً، إذ يشمخ قبر المفكر الإيراني (علي شريعتي) عند ميمنة مدخلها.

“مقبرة الغرباء” هذه تروي لك ما حصل لمثقفي العراق ومناضليه من قهر وويل، فما أن أقف وسط قبورها التي انتظمت على شكل أنساق جميلة حتى يتهادى لي صوت الشريف الرضي صائحاً:

ووقفت أسأل بعضها عن بعضها

وتجيبني عِبَر بغير لسان

بماذا ستجيب هذه العبر؟ وعن أية مأساة ستحدثني؟ موت الغريب عن وطنه لربما هو من أشد وأوجع أنواع الموت. فإذا كان (الحزن لدى الغرباء مذلة) بحسب مظفر النواب؛ فماذا عن موتهم غرباء تُوارى أجسادهم في تربة غير تربة وطنهم الأمّ الذي فارقوه “على كراهة” وكان نصيبهم الموت هناك.

تضم هذه المقبرة الشاسعة أعداداً كبيرة من العراقيين الذين رحلوا عن الدنيا بعد أن أذاقتهم مرارات وويلات، وكانت قسوة سياسة البعث الفاشية السبب الأساس في هذا المصير.

لمّ شمل الموتى

يُعدّ مبدأ “لمّ الشمل” هِبة إنسانية وضعت على لائحة طلبات اللجوء الإنساني والسياسي، إلا أن الموتى في هذه المقبرة اعتمدوا “لمّ الشمل” خارج قوانين ولوائح اللجوء، فتجد إلى جانب قبر شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري زوجته الراحلة “ميمونة جعفر الجواهري” وإلى جانب الشاعر “مصطفى جمال الدين” الذي يشمخ عند بوابة المقبرة زوجته “فاطمة” بينما ترقد الى جانب المفكر والباحث الكبير هادي العلوي زوجته “أم حسن ـ نبيهة فاضل العبيدي”.

قبور أخرى لأخوة وأبناء فهذا قبر “ثريا عبد المجيد النواب” شقيقة الشاعر مظفر النواب التي وافاها الأجل خلال زيارتها له، فأرتأى أن تدفن هنا لتكون على مقربة من إقامته في دمشق، وهذا قبر “حيدر” نجل الشاعر سعدي يوسف. وكأن هذه المقبرة أضحت من حصة العراقيين برغم وجود قبور لغرباء من بلدان أخرى، لكنّ للعراقي إمتيازاً في استمرارية عمل ماكنة عذابه في المنفى وسطوة الموت عليه التي لاتمنعها حكومات كانت سبباً في غربته.

شهية مفتوحة

لن تتوقف شهية تربة هذه المقبرة عند حدود حكم حقبة البعث، بل أخذت بأستمراريتها حتى لما بعد 2003 . فهذا قبر الروائي العراقي “مهدي علي الراضي” الذي أقدم على الانتحار قبل أعوام قليلة في دمشق وأثارت حادثة إنتحاره تأويلاً ولغطاً هنا وهناك. وهذا قبر الفنان العراقيّ “راسم الجميلي” ولربما ستظل هذه الشهية مفتوحة، ولا أدري إنْ كانت تتلذذ بجسد العراقي دون غيره!

خلال زيارتي هذه للمقبرة لاحظتُ توسعاً فيها كان من حصة شهداء من شتى الجنسيات الذين انخرطوا في الفصائل المسلحة التي اتخذت مهمة الدفاع عن ضريح السيدة زينب “ع”.

حدثني حارس المقبرة عن أعداد الذين يزورون قبور الرموز العراقية في هذه المقبرة مؤكداً لي بأنّ عشاق الجواهري هم الأكثر عدداً، وأحياناً يسأل بعضهم عن قبور أخرى لكنها ليست ضمن هذه المقبرة فيدلّه على استعلامات خاصة بالمقبرة لترشده لمقبرة أخرى. مضيفاً بأن زوّار القبور العراقية هم الأكثر حزناً على موتاهم، لاسيما وإنّ عدداً كبيراً منهم يقومون بغسل القبور بعد أن يعلوها التراب، وفي المساء يتكاثر قرّاء القرآن وتوقد أعواد البخور والشموع فتشعر بحقيقة (إذا ضاقت الصدور فعليكم بزيارة أهل القبور).

ودعت حارس المقبرة، وشعور ينتابني بأن عصارة دمعي لم تزل تراهن على تدفقها.