عمار القصاب.. عدسة على كرسي متحرك

70

آية البهادلي /

ما إن بلغ الثالثة عشرة من عمره، حتى بدأ عمار القصاب بمحاولات صنع أجنحة لأحلامه. ذات مرة خرج في نزهة مع عائلته الى مكان غير معروف، وبقي يتأمل: ماذا لو أن هذه المشاهد التي أمامه ستظل عالقة على شكل صورة؟
هكذا كان يفكر فيما يجتمع ذووه في المتنزه، قبل أن يتعرض جسده الغض الى حادث مؤلم أقعده عن الحركة، وغيّر حياته. الحادث الذي غير كل شيء ..
يروي القصاب كيف تعرض إلى ذلك الحادث: “ففي إحدى ليالي رمضان في سوريا، وبينما كنت بصحبة أصدقائي من أجل تناول السحور، تعطلت السيارة في منتصف الطريق وانقلبت، ما تسبب بضربة قوية في ظهري، تسببت بتهشم في الفقرة الثامنة، التي أثرت أيضاً على النخاع الشوكي، لحظتها لم أشعر بجسدي مطلقاً، حتى فقدت القدرة على الحركة واستعنت بكرسي متحرك.”
شغف الصورة
يوضح عمار القصاب، وهو مصور فوتغرافي محترف من ذوي الهمم، أن كرسيه المتحرك لم يمنعه من النجاح في هوايته، حتى أصبح من أكثر المصورين طلباً للشركات المختلفة، إذ جعل من مهنة التصوير مصدر شغف ووفاء قبل أن تكون رزقاً، إنه، ومذ طفولته، أحب أن يُري العالم ما تراه عيناه.
يقول عمار: “لم أدرس التصوير، وكانت عيني هي المعلم الأول لي، واستطعت تعليم نفسي بنفسي من خلال الإنترنيت، تعلمت أساسيات التصوير دون أن أمتلك كاميرا، حتى تمكنت من جمع بعض المال وشراء كاميرا احترافية، أمسكتها لأول مرة في حياتي وكأنني كنت أمسك الكاميرا كل يوم، كنت أعرف ما يجب علي فعله!”
السرير الطبي هو الحل
كل زوايا الكاميرا وأنماطها، التي تعلمها عمار، أثرت فيه، فقد كانت صعبة ومجهدة للغاية، كانت تقيده في الحركة، ولاسيما أن التصوير يتطلب مجهوداً بدنياً عالياً، لكنه بقي مستمراً بالتعلم على الكاميرا من خلال الكرسي، حتى توصل إلى أحد الحلول الذي يتلخص بأن يقوم بالتصوير بوضعية النوم على السرير الطبي، فمنذ خمس سنوات وهو يعتمد هذه الطريقة، إذ يمكنه من خلال السرير التنقل بصورة أفضل لجسده وللكاميرا، ذلك أن من المستحيل التصوير لساعات طوال على الكرسي المتحرك لما يحتاجه التصوير من وقت وجهد كبيرين.
محاولات للنجاة مجدداً
بقي عمار في سوريا لفترة ليست بالقليلة من أجل التعافي، أكمل عملياته الجراحية الأساسية، ثم اتجه الى الأردن لتكملة العلاج، وبعدها الى الصين. يكمل قائلاً:
“كان عندي أمل كبير في عملية الخلايا الجذعية لكنها لم تنجح معي، تقبلت الأمر بعد سنتين من الحادث، وعدت الى الحياة الطبيعية رغم تركي الدراسة وقتها بسبب ما حصل، لكنني سأكملها يوماً كما أفعل الآن مع حلمي، الذي هو التصوير.”
الصعوبات لا تنتهي
مهنه التصوير التي حولها إلى عزيمة وإصرار، أصبحت بمثابة تحد له بعد الحادث، كانت الأمور صعبة معه، حتى في إيجاد طريقة لدخول هذا المجال الصعب واقتحامه وسط مئات المصورين المحترفين، لكنها الإرادة حيث لا مستحيل مع عمار القصاب.
يؤكد عمار أن بعض الشركات كانت تتعامل معه من خلال مشاهدتهم للصور التي يقوم بنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ لاحظوا وجود شيء مميز بعدسته، لكن ما يتعبه، بعد طرق التصوير الشاقة التي يعيشها عمار حتى يخرج أجمل اللقطات، هو عدم اهتمام غالبية الشركات بمحتوى التصوير وإبداعه، أكثر من فكرة عدد المتابعين، يكمل بقوله:
“أصبح تقييم عمل الشخص من خلال عدد متابعيه دون الاهتمام بمجهوده، هم لا يعلمون كم من الوقت أحتاجه، فعلى سبيل المثال لكي أتمكن من صنع صورة مناسبة، لاسيما مع وضعي الصحي، لكنني لا أعبأ بهذا الأمر، وأجد دائماً من يحب عملي من الشركات التي صارت تطلبني بشكل خاص لتصوير منتجاتها.”
الدعم العائلي
يعبر أيضاً عن صدمة عائلته حينما علموا بشأن عودته إلى هواية التصوير، رفضوا الفكرة في بادئ الأمر من أجل صحته، واستمروا بعدم اقتناعهم بفكرة انتصاره على الألم، يكمل:
“كانوا شديدي التأثر والحزن بما حصل لي في حادث السيارة، استصعبوا فكرة نجاحي على الكرسي المتحرك، ولاسيما أن معركة عالم التصوير شرسة، لكن بمرور الوقت تمكنت من إقناعهم، واستمروا في رؤيتي مستلقياً، فيما أقوم بالتصوير،
بدأوا يدعمونني بجلب كل ما أحتاجه في التصوير من معدات.”
ورشة ومعرض فوتغراف
أحد أهداف عمار وأمنياته التي يعمل على تحقيقها اليوم لإكمال مسيرة مشرقة من الكفاح ومصارعة الألم بالجد، هو إنشاء معرض تصويري له، حلمه ما زال موجوداً حسب قوله:
“أحب المهن التي تعتمد على اليد، كالتصوير مثلاً والنجارة، في القريب العاجل ستكون لي ورشة صغيرة خاصة بالتصوير والديكور، وستكون من صناعتي.”
بالطبع، يتمنى عمار أن يعود إلى وضعه الطبيعي، أن يسير حتى يتجه نحو المطارات والسفر لتصوير مختلف الأماكن في الحلم. يقول كم كان يكره الكرسي المتحرك، رافضاً تقبله في حياته، لكنه وبمرور الوقت أصبح صديقه الدائم الذي لا يخذله، يوضح مكملاً حديثه بشجاعة ومحبة:
“حتى وإن تمكنت من السير يوماً، فسأبقى ممتناً لهذا الكرسي ما حييت، لأنه كان قدميّ اللتين حلقتا بأحلامي.