غابة اللوحات التجارية.. مشكلة رسخها الفساد

169

ريا عاصي /

قصدتُ شارع سلمان فائق وسط بغداد علّي استدل على القطعة الإعلانية للطبيب الذي يعالج والدتي. لكني كنت كمن يبحث عن إبرة في كومة قش. لمن لا يعرف فإنَّ أهالي بغداد سموا الشارع باسم سلمان فائق الطبيب الذي كانت ترتفع على أحد المباني لوحة إعلانية تشير إلى اسمه وأوقات دوام عيادته ورقم هاتفه الأرضي وتخصصه الطبي.
وكانت الوحيدة البارزة في هذا الشارع. وبمرور الأيام والسنوات رحل الدكتور سلمان فائق في ثمانينيات القرن المنصرم ورحلت عيادته الا أن الشارع بقي يسمّى باسمه.
غابة لوحات الأطباء
لكنّي اليوم حقاً كنت ضائعة وسط غابة من الإعلانات تبدأ من أعلى سطوح العمارات وتنتهي إلى الأرصفة المجاورة قرب السيارات. إذا دار المرء برأسه يميناً أو يساراً بين اللوحات الإعلانية والضوئية والخطية والمجسّمة فسيشعر حتماً بأنه يعيش في كوكب يسكنه المشتغلون في الطب فقط.
هذه اللوحات صنعت للاستدلال على مكان العيادة والتخصص، إلا أنك ستضيع حرفياً بين لوحات تخلو من أي تنسيق أو ذوق أو جمال، وضعت بعشوائية، وستستغرب كيف يمكن للناس البسطاء والأميين وكبار السن أن يستدلوا على أطبائهم أو المختبرات التي يجرون لديها تحليلاتهم وسط هذه الغابة العشوائية.
وقفت قرب إحدى الصيدليات التي وضعت علامة الصيدلية على رصيف المشاة قاطعة درب المارة وسألتها: أين يقع طبيب القلب (أ.غ) ضحكت وقالت إنك تقفين قرب لوحته. فاكتشفت أنَّه وضع لوحة عيادته على الأرض بحيث لا يمكنك أن ترى مدخل العمارة.
صُنَّاع الإعلان
أغلب صُنَّاع إعلانات الطرق تقع مكاتبهم بين البتاويين وساحة كهرمانة. حيث تشتهر هذه الأحياء بكثرة المطابع ومصانع الفليكس والقطع التجارية. اتجهنا إلى هناك وسألنا السيد غسان، (مصمم، 60 عاماً): ما ضوابط عمل الإعلان وهل ثمة شروط ينبغي استيفاؤها؟ فأجاب “سابقاً كانت اللوحات التجارية الخاصة بالمحال تخضع للرقابة وحسب مساحة المحل وشكل البناية وإذا كانت البناية قديمة وتاريخية فشروطها أصعب، وكانت أمانة العاصمة تشكل لجنة لمراقبة الإعلانات وقطع الاستدلال بالتعاون مع غرفة تجارة بغداد واتحاد الصناعات ووزارة التجارة”.
ويضيف غسان: “كنا ملزمين باستخدام قطع تماثل التي من حولها، إن كانت للأطباء أو الصيدليات وإن كان محلاً تجارياً فحسب إمكانية المحل والتاجر، كون القطعة التي ستوضع سيدفع عليها جباية سنوية صاحب المحل”.
ويردف بالقول: “لكنّنا اليوم نواجه أنواعاً من التجار الذين لا يفقهون معنى الإعلان وعلامات الاستدلال، ولا يمتلكون أي ذوق فني ويطلبون صناعة أكبر القطع ولا يفقهون معنى الألوان والماركات لذلك يطلبون ألواناً سيئة ولوحات عجيبة غريبة”.
سألناه: هل تستجيب لهم أم تفرض رأيك؟ فأجاب: “صاحب المال هو من يقرر وهو من سيدفع ولا توجد رقابة أو دائرة خالية من الفساد، وحتماً سيجد وسيلة لإسكات موظفي الجباية في أمانة العاصمة ويضع ما يحلو له.
سألناه: ماذا عن الإعلانات في شارع المطار والخطوط السريعة؟ فأجاب: “هذه تتبع شركات عملاقة تتابع هذه الأمور وهي تدفع للدولة مبالغ طائلة في الشوارع الرئيسة التي هي منذ تخطيط بغداد كانت وما زالت تحت الرقابة”.
علامات مسجّلة
افتتحت في السنوات الأخيرة مجموعة من المولات التي تضم كثيراً من المحال الصغيرة والكبيرة، بعضها محلي وبعضها الآخر ماركات معروفة، وتخضع جميعها للضوابط والشروط الخاصة بوزارة التجارة ومسجّلة جميعاً لدى دائرة الضرائب. لذلك تجد أن العلامات والقطع ترتفع على بناية المول الخارجية والداخلية بشكل أنيق لا يؤذي العين وبشكل منسّق يمكن للمارة أن يميّزوا الأسماء والبضائع بشكل أنيق ومنسجم مع ما حوله.
كما ظهرت علامات لمطاعم خارج نطاق المولات، أنيقة ونظامية وتطابق العلامات في منشئها، وقد تظهر بين الحين والآخر علامات عالمية يشتبه المواطن بأنّها هي الأصلية لحين التجربة.
أصحاب المحال
يقول السيد مفيد عباس، صاحب محل للألبسة الرجالية: “في السابق كانت هناك لوائح عدة؛ أولها أنّك حين تختار الاسم التجاري فعليك بمتابعة دائرة تسجيل الشركات والمحال للتأكد من عدم وجود الاسم أصلاً، لكن اليوم وبسبب تزايد عدد السكان والمحال، لم يعد الاسم يعني شيئاً وبغياب المتابعة وتفشي الرشوة لم نعد نجد من يتابع بشكل حقيقي، والأمانة تتغافل عن الفروع وتركّز على الشوارع العامة وبالرغم من ذلك فستجدين عدداً هائلاً من المخالفات الظاهرة للعيان”.
ثم يضيف: “للعلم كل هذه اللوائح ما زالت موجودة، والعمل بها مستمر الا أن الشارع مليء بالمخالفات”.
محسن الحيالي (شاب ثلاثيني، صاحب مقهى) يقول: “كنت جاداً جدّاً في إخراج كل الأوراق الرسمية والموافقات من وزارتي الصحة والتجارة وتسجيل اسم المقهى لأني معتز بالعمل العراقي ومصرّ على إيجاد الحلول للشباب العراقي بتسجيل العمل لهم لدى دائرة الضمان الاجتماعي، لكن الحقيقة أنَّنا ندفع مبالغ طائلة لأمانة العاصمة من أجل رفع الانقاض وكل عام تأتي لجنة لاستيفاء رسوم القطع الخارجية، لكن هذه اللجنة في كل مرة تأتي بهيئة معينة وبطاقم جديد وتقيّم اللوحة والضريبة كيفما اتفق دون أي قياس لحجم القطعة، وهم يعطون وصلاً لكن لا يسجل داخله لا المبلغ الحقيقي ولا حجم اللوحة، الأمر برمته مرتبط بمزاج الجابي وقراره وحده”.
وأخيراً هذه دعوة لدوائر التسجيل والمتابعة والمراقبة ولوزارة التجارة وأمانة العاصمة لإزالة كل ما يشوّه وجوه مدننا، وإعادة الجمال إلى بغدادنا التي شوهتها أسلاك المولدات والقطع التجارية المنفلتة التي تنتشر كالوباء.