فريسكو الجميلة تتشبَّه ببغداد

138

جواد غلوم /

يطلق على مدينة سان فرانسيسكو الاميركية التابعة إلى ولاية كاليفورنيا أنَّها حاضرة رعاة الليبرالية، ويسمّونها تصغيراً “فريسكو”، تحبّباً مثلما ينعتون الأطفال ويدلّعونهم اختصاراً وتودّداً، ولكن هل خطر ببال أحدكم أن هذه المدينة الزاهية ذات الجسر المعلّق المشهور ومن معالمها البارزة؛ جسر البوابة الذهبية (Golden Gate Bridge) الذي أبهر البشرية ببنائه وتشييده والآخر جسر الخليج المعلّق بينها وبين اوكلاند (Oakland Bay Bridge) اللذان شيّدا عامي 1936 و1937 وهما يعدّان من أطول الجسور في العالم وأكثرهما جمالاً وجذباً للسياحة.
كان أهلها يسمّونها بغداد نظراً لرقيّها الباهر وتنوعها الثقافي لساكنيها من مختلف الأجناس والأعراق وتعدّدها العقائدي، إذ إنَّ كثيراً من الصفات التي تتميّز بها “فريسكو”، تتشابه إلى حدّ كبير ما كان لبغداد من سموّ حضاري ورفعة في العلم والأدب والفن والانسجام المذهل والتآخي بين البغداديين على اختلاف أديانهم وقومياتهم.
أحد أبنائها المعروفين عالميا وهو الصحفيّ الناجح هيربرت كاين (1916 – 1997) الذي حاز على جائزة البوليتزر بجدارة وسليل هذه المدينة الزاهية، إذ عمل في صحيفة / لوس انجلس تايمز وأطلق على مدينته اسم بغداد وأشاعه بين السكّان انبهاراً بمدينة الرشيد ورفعتها ومكانها الساميّ الذي علّم العالم تيمّناً أن تكون “فريسكو” بغداد أخرى في العالم الجديد الذي يعيش فيه، كان يرى في بغدادنا منبعاً لتنوع الثقافات وحاضنة لكل اللغات والاتجاهات الفكرية والأدبية وكم سحرته الليالي الألف وتمنّى أن تكون الليلة الواحدة بعد الألف من أقاصيص السيدة الخالدة شهرزاد وتهنأ في سان فرانسيسكو نفسها وكأنَّها بغداد الأمس.
بقي هذا الحبّ لبغداد وأهلها ومعالمها التاريخية وحضارتها راسخا في قلوب وعقول سكّان “فريسكو” إلى الآن، فما زالوا يفخرون بأنهم سمّوا مدينتهم باسم عاصمتنا الحبيبة القريبة إلى أرواحهم، هؤلاء أحفاد الروائي الكبير جاك لندن والشاعر المتألق روبرت فروست وظلوا أبناء مخلصين للصحفي البارع هيربرت كاين وقد تمثّل هذا الحبّ جليّا في مبادرة الشاعر والناشر والمكتبيّ الاميركيّ “بوسوليل” الابن البار لهؤلاء النجب الأوائل حينما وقف هو وصحبه الشعراء المعاصرون من فريسكو وقفة تضامنية مشرفة للتنديد بالعمل الاجرامي القذر؛ يوم عمل الإرهاب على تفجير شارع المتنبي في العام / 2007، إذ أطلق مشروع ائتلاف المتنبي وكان حقا مشروعا ثقافيا مهما عملَ هو وزملاؤه أدباء سان فرانسيسكو على توسعته لأوسع نطاق ليشمل الكثير من الولايات الاميركية (14 ولاية) وأجزاء واسعة من غرب أوروبا وشرقها (بضمنها خمس مدن بريطانية)، ومدينتين كنديتين وقد آثر على جمع العديد من أدباء العالم تحت شعار “شارع المتنبي يبدأ من هنا”، إذ ساهم في تلك الفعالية التضامنية أكثر من 260 أديبا وفنانا من أقطار المعمورة وبمعيتهم مثقفون عراقيون بارزون؛ أذكر منهم السيدة الروائية لطفية الدليمي وأميركيون من فريسكو نفسها ومن الولايات الأخرى مثل الصحفي الاميركي المشهور انتوني شديد الذي عمل مراسلا صحفيا للصحافة الاميركية هنا ببغداد قبل أن تحين منيته في الاراضي السورية قبل بضعة سنوات إثر نوبات ربو حادّة، إذ تسلّل متخفيا على صهوة جواده إلى سوريا لتغطية أخبار المعارك الدائرة هناك.
أجل ليست كل أميركا تتّسم بوجوه كالحة سود متغضنة بالعنف وبطلعات دمويّة مثل سحنات رامسفيلد او ديك تشيني أو كولن باول ودمامة جورج بوش الاب والابن وعنجهية دونالد ترامب ومن لفّ لفّهم من دعاة وممتهني القوة الخشنة الرعناء وقارعي طبول الحروب من أزاعر وصقور البنتاغون والبيت الابيض، فهناك من الحمائم البيض ما لا يعدّ ولا يحصى؛ فهم أصدقاؤنا ونصراؤنا وكثيرا ما وقفوا إلى جانب قضايانا.
ومثلما أنهك مرض الطاعون أهل سان فرانسيسكو أربع سنوات مطلع القرن العشرين (من سنة 1900 حتى 1904) وزلزلت أرضها بفعل زلزالٍ مدمّر وأشعلت الحرائقُ قرابة ثلاثة أرباع المدينة وأصبح نصف سكانها بلا مأوى في العام / 1906، لكنَّها نهضت من جديد بأبهى حُلّة وأندى نضارة وغدت مهوى السياح ومقصد الباحثين عن الإبداع والعمران وبناء الإنسان السليم الطويّة.
يوما ما ستنهض بغداد وتنفض الرماد العالق بها وتغسل جسدها بماء دجلة غسلا طهورا وتنزع ما علق بها من ركام ووعث تراب الحروب وتنزع سربال الكراهية وخرق الطائفية من جلدها الناعم وتلبس حرير المحبة والتآخي والتسامح ويتسع صدرها رحبا واسعا بعد خناق دام أطول مما كنّا نتوقع.
حتماً ستطلع إلينا ذات صباح وتُنسينا كلّ مآسي السنوات العجاف والحروب غير المبررة والدماء التي نزفت دون وجه حقّ، ولعمري إنّي أرى هذا الصباح دانياً مثلما يقول قرآننا الكريم: أليس الصبحُ بقريب.