فـــي اليـــوم الدولــي للتعليــــم عمالة الأطفال وهجر الدراسة..ضيــــــاع مؤجــــــل!

160

تحقيق – اليم علاء مجيد/
لا تزال عوالم الطفولة المستضعفة تدفع ثمن ضياعِ احلامها المركونة فوق مقاعد الدراسة المهجورة بسبب حظها (النحس)، ربما بأُمٍ غير متعلمة او أب يسحبها للركض معه خلف لقمة العيش التائهة. ففي اليوم الدولي للتعليم الذي يوافق في الرابع والعشرين من كانون الثاني من كل عام، وفقا لما اعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي حددت هذا التاريخ واعتبرته يوما عالميا للتعليم والمضي في التعلم واكتساب المعارف والخطى العلمية للأعمار كافة؛
تابع أكاديميو وطلبة قسم الاعلام في كلية الآداب بجامعة سامراء، باهتمام بالغ، هذا اليوم وعملوا على اضاءة فقراته من جوانب عدة، عبر تحقيق صحافي استقصائي تخصصي يختلف -ربما- عن مفهوم الاحتفاء المتعارف به، اذ شكل المدرس المساعد (عمر ابراهيم أحمد)، التدريسي في القسم، فريقا من الطلبة، وفسح لهم المجال لرصد عناء التعليم وعمالة غير المتعلمين في المجتمع العراقي. وقد انبرى الى هذه المهمة الطلبة: (أسماء عبد الناصر مجيد، وعبد الباسط رزوق علي، وخديجة عثمان محمد، ومصطفى اسامة خليل، ونبأ عبود حسن، وصفا احمد شهاب)؛ وقدموا اليوم العالمي للتعليم برؤية مغايرة مأخوذة من قلب الواقع، اذ تعتقد منظمة اليونيسيف أن هنالك طفلين من كل خمسة أطفال يعيشون في خط الفقر، بالرغم من سعي وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بالتعاون مع منظمة العمل الدولية لمكافحة هذه الظاهرة وايجاد الحلول لها.
أنبياء بلا رسالة
أفادت نقابة المعلمين العراقيين ان هنالك 10 ملايين مواطن عراقي أمي في سنة 2022، فيما ابلغتها الأمم المتحدة بوجود اكثر من 11 مليون أمي.
ويرى المعلم المتقاعد (نزار خلف جاسم) ان “معظم الإحصاءات غير دقيقة فـ (الأمية المبطنة) تطغى في العموم؛ إذ ان اكثر الطلبة المنخرطين في المدارس يتضح اثناء الدراسة واداء الامتحانات انهم لا يعرفون القراءة والكاتبة، بالنتيجة فإن حقيقة انخفاض أو ازدياد نسبة الأمية أمرٌ مُحير.”
ويؤكد نزار أن “الوضع المادي المتردي، والوضع الاجتماعي والعائلي السيئ تعد من اهم الأركان التي تسمح باستشراء عمالة الأطفال، فكون الطالب يتيما أو فقيرا يضعه في مواجهة حقيقية مع الواقع ويسمح لهُ بالتخلي عن الدراسة ومواجهة صعاب الحياة ولا يترك لهُ مجالا إلى نزول الشارع للعمل.”
وأضاف ان “الحكومة هي المربي الأول والراعي لليتيم؛ لذا يحب ان تصرف لهم رواتب تكفي لمعيشة الطفل وأبويه حتى لا ينخرط في سوق العمل مبكرا ولا يُجبر على ترك دراسته.”
ويضيف أن “لا مشكلة تواجه الطالب في حال كان اهله غير متعلمين إذا ما فهموا دور المدرسة واعطاء الصلاحيات لمحاسبة الطالب من قبل المعلمين، فالعلم هو المصدر الرئيس للتعلم والتربية.” مستشهدا بمثال ان بعض رؤساء الدول كان اهلهم أميين لكن ذلك لم يؤثر عليهم.
جنة بلا قراءة خلدونية
يشير (مركز البيان للدراسات والتخطيط) الى ان اكثر من 36% من اناث العراق غير متعلمات، وبنسب متفاوتة في العمر والنطاق الجغرافي، حسب دراسة اجراها عام 2021.
وتعتقد الناشطة في مجال حقوق المرأة (ايمان العامر) ان “السبيل الوحيد لتعلم المرأة وزوال الأمية يقع على عاتق الحكومة المركزية، فلابد للحكومة من ان تضع خططا ستراتيجية طويلة الأمد لغرض القضاء على الأمية، كما يجب ان تتيح وسائل كثيرة لإقناع المرأة بالدخول الى مدارس محو الأمية، ونصح الأهالي بضرورة تسجيل أبنائهم في المدراس، ولاسيما النساء.”
وتضيف: “لا شيء اكثر سلبية في المجتمع من أمٍ غير متعلمة، إذ ينتج عن ذلك الكثير من المشكلات المجتمعية، منها عدم استطاعتها تربية اولادها بطريقة سليمة، ما يدفعهم الى التمرد على الدراسة وتوجههم نحو العمل في سنٍ مبكرة، فتصبح عندنا عمالة الأطفال التي تعتبر اهم مُهدد للمجتمع وللطفل نفسه، فالضرر كبير جدا، سواء على مستوى البلد أو على الأسرة نفسها أو على المجتمع.”
وتعلل العامر خطورة عمالة الأطفال بأن “من شب على شيء شاب عليه؛ فالطفل سوف يتربى في الشارع منذ صغره، والشارع مليء بالمآسي والسلبيات؛ وبالتالي يسوف ينتج لنا شخصاً سيئاً في المستقبل، وتكون عواقب الأمر وخيمة.”
وتستطرد: “كانت الحياة سابقا أهدأ وأكثر بساطة، واقل تعقيدا؛ كانت جداتنا غير متعلمات، لكن الأمر لم يكن بهذا التعقيد، أما الآن فقد أصبحت الحياة اكثر تطورا، واكثر تطلبا؛ لهذا أصبحت الأمية شيئاً سلبياً بمرارة.”
حقوق الإنسان بلا قانون يدعمها
(مصطفى عبد الواحد حميد)، رئيس منظمة (تدارك) لحقوق الإنسان والديموقراطية، يوضح من جانبه أن “الدستور يكفل حق التعليم المجاني الالزامي، وان القانون يُحاسب احد الوالدين في حال كان السبب في تخلف طفله عن الدراسة؛ لكن المشكلة الأكبر في القانون هي عدم تفعيله، أي ان القانون حبر على ورق لا اكثر.”
ويبين عبد الواحد أن “العراق مُوقِّع ومُصادق على اتفاقيتين دوليتين مهمتين هما (العهد الدولي للحقوق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لسنة 1961، واتفاقية حقوق الطفل)، اللتين تنصان على عدم مشاركة الاطفال في النزاعات المسحلة، والثانية تنص على عدم مشاركة الاطفال في تجارة الجنس، وعلى المستوى المحلي فإن العراق لديه قانون العمل لسنة 2015 الذي ينص على وجود عقباتٍ بما يخص عمالة الأطفال؛ لكنه ضعيف جدا من ناحية التطبيق. ومن جانب انساني فإن الاطفال غير مؤهلين عقليا، ولا جسديا للعمل، حتى من الناحية الشرعية والدينية أيضا، فانخراط الاطفال في شارع بمجتمع عنيف يحمل على أرصفته خطابات الكراهية لا يتلاءم مع اعمارهم.”
طفولة مرهقة وشبابٌ بأمراضٍ نفسية
ينبه الأكاديمي (صاحب اسعد ويس) ان “عمالة الأطفال مشكلةٌ تنعكس اثارها في المدى الزمني، على مستقبل الاطفال وأسرهم، والاطفال الذين سينجبونهم مستقبلا، بالإضافة إلى ان الاطفال يُحرمون من طفولتهم، فضلًا عن تعرضهم للاساءة والتنمر والاعتداءات، منها اللفظية والجسدية، التي تصل إلى الاعتداءات الجنسية احيانا، والاهم الاضطرابات النفسية التي تصيبهم جراء ما يتعرضون له في طفولتهم، ما يجعلهم بحاجة إلى طبيب نفسي ليتعامل مع الأمراض النفسية التي تصل أحيانا إلى تداخلٍ جراحيٍ، او عقاقير كيميائية، أو ادخالهم في برنامج علاجي نفسي وسلوكي يشرف عليه معالجٌ نفسي. وكل هذه الصدمات والاضطرابات النفسية التي يمر بها الاطفال تؤثر مباشرةً على مستواهم الدراسي في حال كانوا يدرسون ويعملون؛ فالتعليم يتطلب قدراتٍ عقلية مناسبة، والا تكون هناك أية مشتتات في حياة الطفل، واذا كان ربُ الأسرة غير متعلم كذلك فهذه طامةٌ اخرى؛ إذ لن تكون لديه قدرة أو امكانية على تقديم المتطلبات المعرفية المناسبة لأبنائه، بالأخص في مجتمعٍ متغير، وهذا يؤدي إلى عزلة اطفاله عن المجتمع لأنهم سيكونون ادنى من اقرانهم؛ وإذا ما أردنا أن نقضي على هذه المشكلات؛ يجب علينا أن نتبع نهجا تكامليا يتضمن تشريع قانون صارم وفعاليات اجتماعية مؤثرة وابحاثا علمية كبيرة وكثيرة تركز وتتبنى حلولا علمية لهذه الظاهرة، وتبين عواقبها واثارها على الفرد لتكون رادعا لهذه الحالة.”
لا صلاحيات للشرطة المجتمعية
يشير الباحث الاجتماعي (جاسم نايف جاسم) الى أن نسبة الاطفال الذكور هي 4 من 10 مقارنةً بالإناث، الذين يعملون وهم دون السن القانونية، تتراوح اعمارهم بين 6 – 15 سنة.
ويؤكد على ان “الكثير من الحالات التي ترد إليهم تكون عبر الخط الساخن، لكن الحالات كثيرة بدون احصاءات رسمية.” فيما يُقر بأن “من واجب الشرطة المجتمعية عقد جلسات لذوي الاطفال ومتابعتهم، وإذا ما تكررت حالات العمالة يُحال رب الأسرة إلى الجهات المعنية وفق القانون.”
ويشدد نايف على “ضرورة عقد وتنظيم دورات توعوية للأطفال وذويهم، تحثهم على الابتعاد عن التصرفات السيئة، وان يلتحقوا بمدارسهم وألا يجبروا على العمل في وقتٍ مبكر من عمرهم.”
هذه الطروحات هي معلومات نضعها امام الجهات المعنية في الدولة؛ من اجل النظر الفعلي فيها، وضرورة ان تجد لها مخارج عدة تحد من تفشيها وتفاقمها، وان يكون هذا اليوم العالمي في السنة المقبلة اكثر اشراقا واقل بيانات في اعداد المتضررين من ظروف عدم التعليم.