في الشارع.. سلوكيات ترغمنا على العودة إلى المنزل

94

رجاء الشجيري – تصوير:بلال الحسناوي /

بديهياً، يعتبر الشارع، أي شارع، مرآة المجتمع ، ويومياته، إذ أن تفاصيل سلوكيات الناس فيه ما هي إلا انعكاس لثقافتنا الجمعية وما مررنا به، وترجمتنا لهذه الثقافة وتطبيقنا لها من خلال سلوكنا. إن كمية المخالفات الإنسانية والقانونية والمرورية والأخلاقية وغيرها، التي تضج بالشارع الآن، كبيرة ولا أبالغ إن كتبت (جداً)، فمن المسؤول عنها؟ وكيف، بعد التشخيص وبيان الخلل والأسباب، نرتقي بالعودة إلى المسار الصحيح في سلوكنا الحضاري والإيجابي؟ “الشبكة” تثير هذه التساؤلات عبر هذه المشاهدات:
مشاهدات يومية
ما إن يبدأ الصباح والخروج إلى الشارع، سواء للذهاب إلى الدائرة، بالنسبة لي، أو إلى الأسواق والأعمال الأخرى، حتى تواجهنا شتى المخالفات، تبدأ بالمرورية وعدم احترام قوانينها حد الاستهتار بها! وإن تجرأت مثلاً وسألت أحدهم لماذا لم تستخدم إشارة تحويل المسار لليمين أو اليسار أو غيرها يجيبك أن هذه الأمور أصبحت قديمة، أو قد يكون صلفاً، أيضاً لن أبالغ إن قلت (جداً) فيقول “أخجل من استخدامها فهي للمبتدئين والنساء فقط!” ويزيد الوضع خجلاً وسوءاً اولئك الذين يرمون الأوساخ من السيارات إلى الشارع، ولنا أن نتخيل كيف يرميها الأب أمام أنظار أطفاله وهو (قدوتهم) فيما يفعل وما يطبقون من بعده. لتأتي بعد ذلك الأصوات العالية و(حفلة) الشتائم والألفاظ بين من يقودون المركبات أو خارجها دون أية مراعاة للآداب العامة لتضيف هماً جديداً لعقبات الطريق من زحامات وشوارع غير صالحة للسير لما فيها من مطبات وحفر وغيرها. مشاهد يومية مؤلمة تنذر بوجع ما وصلنا إليه حتى أصبح الحال أن من يلتزم ويحترم الآداب العامة والطريق هو (الشاذ) والأغلبية من المخالفين هم القاعدة!
اصطدام القطار والفوضى..
كان لحادثة اصطدام القطار في بغداد المتجه نحو البصرة، لمرتين، مؤشر على فوضى المخالفات من أكثر من طرف، فالمرور العامة قطعت سكة الحديد بحاجز كونكريتي نتيجة كثرة مخالفات الناس ومرورهم “رونغ سايد”، ما كان يسبب إرباكاً وزحاماً وحوادث.. لكنها تسببت بمخالفة وضرر أكبر حين قطعت سكة الحديد دون إبلاغ وزارة النقل، وقد تكرر هذا الأمر لمرتين خلال أسبوعين ما استدعى وزارة النقل إلى إصدار بيان توضيحي في 28 كانون الثاني المنصرم، جاء فيه “أن إحدى مفارز مديريات المرور في جانب الكرخ من العاصمة بغداد قامت بوضع حاجز كونكريتي على أحد خطوط السكة الحديدية من أجل منع عبور المركبات بشكل مخالف للسير، وقد تسبب هذا العمل بعرقلة سير القطار المتجه صوب مدينة البصرة ما أدى الى اكتظاظ كبير في حركة السير في تلك المنطقة”.. كما دعت وزارة النقل المعنيين في مديريات المرور إلى إبلاغ واستشارة ملاكات السكك قبل الشروع بأية إجراءات من شأنها قطع الطرق والتسبب بأضرار في حركة المركبات والقطارات.
فقط تخيلوا المشهد معي: سائقو مركبات يصرون على المخالفة رغم علمهم المسبق أن قطاراً سيمر في موعده اليومي المحدد وأن العبور من الجهة المخالفة (رونغ سايد) قد يتسبب بكارثة، لكنهم يكررونها غير آبهين بقوانين الشارع وباحترام الآخرين، والأصح احترام أنفسهم، فالمخالف بدءاً هو شخص لا يحترم نفسه إن كان يعتبر مخالفاته (شطارة)..
غياب التعليم النوعي
هذه المخالفات والسلوك السلبي الذي انتشر.. ما أسبابها وتداعياتها؟ (د.علاوي كاظم كشيش) يجيب عن ذلك بقوله:
لا يمكن حصر أسباب السلوكيات الخاطئة التي تصدر عن الأفراد في المجتمع. لكنها تتركز في سببين رئيسين: أولهما ضعف علاقة القانون بالفرد. وثانيهما غياب التعليم النوعي. إن المواعظ الكثيرة التي يحفظها الناس تحولت إلى نسيج لغوي يرددونه لكل سبب، إلا السبب الوحيد التي وضعت لأجله، ألا وهو الاتزان السلوكي وحرمة الآخر وحريته , وبدلاً من النظر إليها على أنها مناهج سلوكية مستنبطة من تجارب كثيرة وناضجة فإنها تتحول إلى وصايا تقال لمجرد أن تقال.
يضيف كشيش : السلوكيات المنحرفة هي نتائج لأسباب كثيرة، منها البطالة، والعمل على إشاعة الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية، وتفاوت الفرص، وتردي أسباب المعيشة والحرمان. ونعود إلى القول إن هذا كله نتج عن غياب القانون والتعليم النوعي.
أما الشاعر (حسين المخزومي) فيقول:
إن السلوكيات المؤذية التي تصدر من بعض أفراد المجتمع تجاه المجتمع نفسه تدل على قلة الوعي الإنساني المسؤول لديهم وفقر الجانب الأخلاقي، وعدم تقبل اختلاف الآخر ابتداءً من تقبل الرأي وصولاً إلى تقبل الاختلاف العرقي والديني والمذهبي أو القومي، وأرى أن من مسببات هذه السلوكيات هو تدني الوضع الاقتصادي بسبب ما خلفته الحروب والهزات الاقتصادية التي تعرض لها المجتمع طوال الخمسة عقود الماضية من تحطيم البنى التحتية، سواء في الخدمات الأساسية أو تراجع وأفول الدور الحضاري للمسارح وقاعات السينما والمراكز الثقافية والفن والموسيقى والأدب… الخ، أرى أن الحل الذي ينهض بأي مجتمع ويعطي قيمة للإنسان في بلاد يسكنها، هو بتوفير البنى التحتية والنهوض بالواقع الثقافي والأكاديمي وإرجاع الدور الكبير للسينما والمسرح والمراكز الثقافية الكفيلة بأن تخلق خطابا إنسانياً حضارياً توعوياً رصيناً من خلال تقديم محتوى أدبي وفني عال، وإرجاع الموروث الأخلاقي والقيم الإنسانية التي نبني من لبنتها أساساً قوياً يستحضر في كل شاهد حديث عند المقارنة بين الأمس واليوم.
فيما ترى (نوف عاصي) أن الغرامات الشديدة وقوانين العقوبات الصارمة هما السبيل الناجح وتقول : في رأيي فإن السلوكيات السلبية تأتي من الشعور بعدم الانتماء وعدم الشعور بالمسؤولية تجاه الأملاك العامة، على سبيل المثال فإن الشخص الذي يرمي النفايات في الشارع وهو يقود هو نفسه حين يسافر يلتزم برميها في الأماكن المخصصة لها لأنه يخشى الغرامات العالية، وربما منعه من دخول هذا البلد مرة أخرى، بالتالي هي ليست مسألة ذوق وإنما الخوف من الغرامة. القوانين مهمة وتنفيذها بطريقة صحيحة بعيدة عن الفساد تعلم الإنسان السلوك الصحيح بحيث تصير في المستقبل جزءاً من سلوكيات ونمط يومي للإنسان.
مشهد أخير
في زحام بداية الدوام، الذي يسمى في الدول التي فيها تطبيق صارم لقوانين المرور واحترام للشارع بـ (وقت الذروة)، وفي شوارعنا، الرئيسة خاصة، يمتد هذا (الوقت) طوال اليوم، تسلل سائق دراجة بخارية، التي نسميها بالعامية (الماطور)، بين السيارات وكاد أن يتسبب بحادث كان سيصبح أول ضحاياه، وبدلاً عن اعتذاره بدأ يتحدث بصوت عال ويستخدم ألفاظاً غير لائقة تجاه السيدة التي كاد أن يصطدم بسيارتها.. أكرر ما ذهبت إليه (نوف عاصي) أن تطبيق القانون مهم جداً وفرض الغرامات الفورية رادع كبير يعيد للشارع أخلاقه ويرغم مستخدميه على احترامه.