في مدرسة الحلة الابتدائية نوافذ مُشرعة للأمل والمستقبل

158

ريا عاصي – تصوير:  يوسف مهدي /

في التاسع والعشرين من تشرين الثاني أطل علينا مدير مدرسة الحلة الابتدائية ببث حي في الفيس بوك وهو يستقبل طلبة مدرسته مع الكادر التدريسي وهم يلبسون الاقنعة والكمامات ويرشون أقدام الطلاب بالمعقمات ويفتحون الاناشيد الحماسية التي ترحب بالطلبة وعودتهم لمقاعد الدراسة.
بدا على وجوه طلابه والكادر التدريسي الفرح والسرور، جلس الطلاب في الصفوف بين رحلة ورحلة وكل طالب يرتدي كمامة ويحمل معه قنينة من الكحول.
عام دراسي جديد
أصدرت اللجنة العليا للصحة والسلامة الوطنية بياناً في السابع من تشرين الثاني 2020 أعلنت فيه بدء العام الدراسي الجديد، بعد عام من التوقف والدراسة عن بعد بسبب جائحة كورونا، واشترطت أن تعلن وزارتا التربية والصحة خطتيهما لمواجهة كورونا أثناء العام الدراسي، كما جاء في البيان نفسه إعلان عن البدء بشراء الدفعة الاولى من اللقاح، وقد حاز هذا الاعلان على استحسان بعض الاهالي والكوادر التدريسية وعلى عدم رضا بعضهم، وذلك لعدم تزويد المدارس بأي مستلزمات صحية تتيح لها العناية بأفراد طواقمها وطلابها.
جهود ذاتية
قبل أعوام عدة انتشر فيديو في الفيس بوك يُظهر معلماً يعزف لطلابه على آلة العود، ويقرأ لهم إحدى قواعد اللغة العربية، وكان الطلبة يرددونها من بعده إنشاداً، المعلم نفسه ظهر في العطلة الصيفية ومعه مجموعة من الشباب، وهم معلمون أيضاً على الأرجح يصلحون الرحلات ويرسمون على جدران المدرسة، في بادرة تطوعية جميلة.
هذا المعلم هو الاستاذ حميد جحجيح مدير مدرسة الحلة الابتدائية، في البناية نفسها توجد مدرسة أخرى بدوام ثانٍ، وعند دخولك للمكان ستلحظ أن البناية قديمة إذ بنيت عام 1970، لكن النظافة والجدران الملونة والرسومات التي زينت جدرانها تشعرك أنَّك في بيت كبير يحرص أفراده على نظافته وترتيبه رغم تقادمه.
الساحة فرش عليها سجاد التارتان والطلبة يبتسمون وهم يمرون من قربك والاجمل أن الاستاذ يحفظ أسماءهم.. تشعر بالدفء وأنت تدخل هذه المدرسة، وقد زينت جدران غرفة الإدارة آلات موسيقية علقت هناك.
تحدث أستاذ حميد للشبكة قائلاً: “انقطعت عملية التعليم والتعلم أكثر من ثمانية أشهر، مر العام الدراسي 2019-2020 مروراً حزيناً ومربكاً وابتدأ العام الدراسي 2020-2021 أكثر ضبابية وحيرة، ما بين تخبط وزارة التربية وضعف تخطيطها وما بين قلة الامكانات وضعف قدرات المدارس عن تقديم خدمة تتلاءم مع الوضع الراهن.
ثم أضاف “نعلم نحن المربين أن هناك شوقاً كبيراً لدى الاطفال للالتحاق بمدارسهم، لكن ما خلفته جائحة كورونا من رعب بين المجتمع جعل الجميع في موقف مربك ومتردّد، رغم أن أغلب إدارات المدارس أكملت تحضيراتها من توفير بيئة ملائمة وتحضير مستلزمات الوقاية وتعفير الأبنية وكل هذه الجهود كانت ذاتية دون أدنى دعم من الوزارة أو لجنة الصحة”.
حضر التلاميذ وباشر المعلمون
وعن أعداد الطلاب الملتحقين بالمدارس؛ يقول: “قد تكون أعداد الملتحقين قليلة في أول أسبوع بسبب خوف الاهالي على أبنائهم، لكن نتوقع أن يزداد العدد تدريجياً مع استمرار عملية التعليم المباشر، فلا سبب واقعياً صحياً لإيقاف قطاع التربية بعد أن تغاضت لجنة السلامة والصحة عن تجمعات أكبر وأخطر من تجمع التلاميذ. نحن في إدارات المدارس والمعلمين مستعدون جيداً لتقديم خدمة التعليم رغم انعدام الدعم الحكومي من أجل استمرار بناء هذا الجيل بشكل علمي وتربوي”.
المعاونة الست زينب لازمتنا في جولتنا وقد تحدّثت عن كيفية العمل؛ قائلة:
“وفّرنا نحن المعلمين وإدارة المدرسة الكمامات والمعقمات للتلاميذ بجهود ذاتية، عبر “كروب” الفيس بوك الخاص بالمدرسة، وانتهينا من تنظيم دوام التلاميذ وتوجيههم وأولياء أمورهم بالالتزام بإجراءات الوقاية إضافة لوضع خطة بين الإدارة والمعلمين لغرض متابعة موضوع التباعد بين التلاميذ وتنبيههم بخصوص الكمامات وغسل اليدين باستمرار”.
وتضيف: “منذ أن باشرت عملي عام 2010 وفي كل عام دراسي أشعر أن هناك أزمة علينا تخطيها، لذلك لا بد دوماً من وضع خطة ما. وزارة التربية أصدرت تعميماً بأن على كل صف أن يداوم يوماً واحداً في الاسبوع، ارتأت الإدارة أن تجرب خطة بديلة وهي أن نقسم الصفوف كلها الى أعداد أقل بحيث كل يوم يوجد طلبة من كل المراحل، بالرغم من صعوبة الامر على التدريسي أن يعيد المادة أسبوعاً كاملاً الا أن ذلك أفضل من أن يقتسم الكادر كله صفاً معيناً، فالصف الاول مثلاً له خصوصيته ومعلموه شأنه شأن الصف السادس”.
لانة حسن الطالبة في الصف السادس الابتدائي قالت لنا: “بالرغم من حبي للنوم صباحاً الا أنّني اشتاق للمدرسة ولصديقاتي وللعب معهم في الساحة وأفضّل الدراسة في المدرسة لا في البيت”.
المعلمة ست اسرى مصطفى تقول: “لديَّ خدمة عشرين عاماً في التعليم، والطلاب يعانون كثيراً وأشفق عليهم لأنهم أحيانا ينسون ويحاولون التقارب فيما بينهم لكننا ننبهم، وأحياناً أخرى يريد أحدهم مثلاً أن يخلع كمامته ويلعب ويضحك، كنت طوال تلك السنوات أعيد الدرس على الطلاب وأتابع معهم يومياً وأراقبهم عن قرب، وهذا التباعد يجعل من العملية التعليمية مجهدة لي ولهم”.
صادفت مجموعة من الطالبات وهن يلعبن في الساحة، قلت لهن هل تفضلن الدراسة في المدرسة ام في المنزل؟ إحداهن أجابت بصوت عالٍ وهي تُغالب ضحكتها: “النوم أفضل”.
وأجابت أخرى: “أنا أحب المدرسة وأريد أن أعود إلى الصف كل يوم”.
أما الطالب حسن فقال لي: “كل المطاعم والمولات والألعاب فتحت، فلماذا لا تعود المدارس إلى سابق عهدها؟”
قبل أن نخرج من المدرسة أشار لنا الاستاذ حميد إلى غرفة مبنية بالساندويش بنال، شُيدت بجهود ذاتية لتكون مختبراً للغة الانكليزية.
وقبل أن يودعنا قال: “منذ مدة طويلة اكتشفت أن أحد أسباب وجودي هو أن أكون وسط هؤلاء الأطفال وواجبي أن أقدم لهم خدمة بدوام كامل”.
ترى كم نحتاج من أساتذة ومديرين كحميد جحجيح وطاقمه التعليمي، يغنّون لطلبتهم ويصبغون صفوفهم ويقتسمون بينهم توزيع المهام الاضافية ليكونوا حقا تربويين قبل أن يكونوا تدريسين، فالتعليم هو اللبنة الأساسية التي تبنى بها المجتمعات بناء سليماً معافى.