كربلاء..مكانُ الذاكرةِ وسِجلُّ التاريخ

186

خضير الزيدي – تصوير: صباح الامارة

لم تشهد الإنسانية أهمية مدينة يسترجع التاريخ ذكرها بشكل متواصل مثل مدينة كربلاء المقدسة. وكأن دورة الأيام تمثل فصلها الذي لم ينته. لهذا بقيت في ذاكرة الإنسان دليلاً حياً على وجود (الشاهد والشهيد)، ولتحمل في أثر مكانها ذلك البعد التاريخي وتستحضر الزمن القديم في (طفٍّ) مأخوذ عبر أحاديث راسخة في وجدان الإنسان.. فمن هي كربلاء؟ وممَّ يتكون اسمها؟ وما أهم وقائعها؟
أصل التسمية
أخذ الكثير من الرواة وأهل السيرة ورجال التاريخ يتحدثون عن أصل تسمية كربلاء، فقد أشاروا إلى قدم تسميتها، ويرجحون أن الأصل يعود إلى البابليين، وهناك اعتقاد بأن الكلمة آشورية لأنها مركبة من كلمتين وجدتا في قاموس اللغة الآشورية وهما: (كرب).. التي تعني (حرم) وكلمة (أيل) ومعناها الله، وهاتان الكلمتان تقودان إلى معنى واحد تحت مسمى (حرم الله)، وبعض المراجع تأخذنا بتوصيف يقترب من اللغة الفارسية المركبة (كار) وتعني العمل و(بالا) التي تشير إلى كلمة الأعلى، لينتهي معناها (العمل الأعلى). أما الاسم الأكثر إيحاء في التعبير الوارد فهو (الطفّ). ويذكر صاحب (معجم البلدان) ياقوت الحموي أن ألطفّ إنما هو طف الفرات، أي الشاطئ، وقال إنها أرض من ضاحية الكوفة. أما الزبيدي فقد قال إن الطفّ قرب الكوفة، وسمي بهذا الاسم لأنه طرف البر حينما يلي نهر الفرات.
وقائع من تاريخ كربلاء
من يتأمل هذه البقعة المباركة سيكتشف أنها ليست كباقي المدن التاريخية، فقد يأخذه التأمل إلى الغور عميقاً في سر الجانب الروحي وأهميتها الدينية، لهذا شكلت مدينة كربلاء منذ عصور قديمة مكاناً خصباً للوقائع والأحداث. إذ يروي صاحب (مجمع البحرين) العلّامة الطريحي في الجزء الرابع أن الإمام الحسين (عليه السلام) اشترى النواحي التي فيها قبره من أهالي (الغاضرية). ويذكر (الكرباسي) في كتابه (تاريخ كربلاء) بان قبيلة بني سعد -الذين سكنوها- حددوا القبر واضعين عليه رسوماً، ويذهب إلى تأكيد ذلك (ابن طاوس) في (إقبال الأعمال) بأن بني سعد أقاموا رسماً لقبر وضريح الإمام الحسين (عليه السلام).
وتشير مصادر التاريخ الإسلامي إلى تاريخ أول صندوق وضع على القبر الشريف، وكان ذلك سنة 64 للهجرة، وبعدها بعامين قام المختار بن أبي عبيدة الثقفي ببناء قبة على المرقد تم تشيدها من الجص والآجر لينفتح المرقد يومذاك على بابين (شرقي وغربي). وبعد توالي الأيام والسنوات وكثرة الزائرين لذلك المشهد الشريف توسع القبر ليأخذ شكل المسجد، وهذا ما حدث سنة 122 للهجرة في عهد هشام المرواني. والغريب أن شجرة السدرة مازالت الدليل التي يستدل من خلالها على قبره الشريف. وفي نهايات الحكم الأموي أطلق على الشمال الغربي للصحن اسم (باب السدرة). وتذكر مصادر التاريخ أن الشجرة بقيت حتى عام 193 حين أمر الرشيد بقطعها.
حوادث تترى
في سنة 132 للهجرة انتهت الخلافة الأموية، لكن لم تنته قضية الإمام الحسين (عليه السلام)، ولم تلغَ مدينة كربلاء من خارطة المكان ووجدان الإنسان، وبينما انشغل العباسيون بمطاردة الأمويين، عمد محبّو أهل البيت إلى توسيع رقعة الضريح الشريف فتجدد المكان المقدس وتوسع الحرم، لكن عقلية التخريب يبدو أنها لم تنتهِ فأقدم المنصور سنة 146 على هدم سقيفة الحائر الحسيني، لكن الأمر لم يدم طويلاً حتى عمل المهدي العباسي سنة 158 لإعادة وتشييد السقيفة بشكل أوسع، وكانت أم المهدي، وهي ابنة يزيد بن منصور الحميري، من ملوك اليمن وزوجة المنصور تقدم الهبات إلى سدنة المشهد.
وهكذا يخبرنا تاريخ العباسيين، ملكٌ يقطع شجرة وملكٌ يهدم رواقاً وضريحاً، وآخر يعمل على تشييد وتوسيع المكان. ففي سنة 198 أمر المأمون بعمارة المرقد الحسيني، إذ شيدت يومها قبة شامخة، وتوافد الزائرون لهذه البقعة المباركة. لكن الظروف لم تشأ أن تدوم طويلاً حتى اعتلى المتوكل سدة الحكم فعمد سنة 232 للهجرة إلى تضييق الخناق على محبي وزائري الحائر الحسيني، وأمر بتخريب وهدم الضريح، ومحيت تلك الآثار وأجري فوقها ماء نهر العلقمي. وبعد أن انتهى به الهلاك سنة 247 هجرية تسارع المحبون والزائرون ليعملوا على إحياء الضريح، وهذا ما حدا بالمنتصر العباسي أن يأمر بإعادة التشييد لتجري حوادث التاريخ في كربلاء وتتسارع نحو البناء بينما تعمل الأيدي الخفية على تهديمه.
كربلاء اليوم
مُحيِت آثار المدن أو بقيت، تكالبت السنوات أو خففت من وطأتها، تظل الحقيقة واضحة مثلما ضياء شمس قريبة بوهجها من سطح الأرض فلا تتغير الأشياء ولا تمحى، وها هي كربلاء اليوم قبة شامخة وصحن شريف وأبواب متوسعة منفتحة ومعالم متواصلة لتجديد مستمر. كل شيء يوضح للزائرين لمدينة كربلاء أن المكان مقدس له محبوه المتوافدون من بلاد شتى وأصقاع بعيدة وأن بداية أي عام هجري سيعيد بذاكرة شهر محرم إلى واقعة الطفّ واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) مع نفر جليل من أهل بيته وجماعته، وتعيد الأيام دورتها ويفي الناس بنذورهم وتبقى الأقدام ثابتة على المحبة لتصرخ بأعلى الأصوات: “لبيك يا حسين.”