كيف شوَّهت يد الفساد والفشل شارع الرشيد؟

96

إياد عطية الخالدي – تصوير : حسين طالب /

شارع من أعرق شوارع بغداد، يحتضن معالمها التي بدأت تشيخ بفعل الإهمال، وهو ذاكرتها ومستودع أسرارها التي ارتبطت بكل زاوياه ومنعطفاته، فشارع الرشيد بما يحمله من تفرد في جوانبه السياسية والاجتماعية والثقافية، وكونه مسرحاً لأحداث مفصلية في تاريخ البلاد، ظل حاضراً في وجدان العراقيين على مر الأزمان واختلاف الأجيال.
أكثر من قرن مضى على تأسيس هذا الشارع الذي ترتبط بدايته الشمالية بمنطقة باب المعظم، وينتهي الى الجنوب مرتبطاً بمنطقة الباب الشرقي، لكنه ليس من الشوارع التي تقاس بمسافاتها بل بكنوزه الحضارية وبخلوده الذي احتل مكانة مهمة في جغرافيا بغداد، فكان قلبها النابض بالحياة.
بين القبح والجمال
وعلى امتداد الشارع من مركز إدارة الحكم في بغداد القديمة أو ما يعرف بالسراي تتراصف الصروح الحضارية جنباً الى جنب، وكل معلم فيها مرشح ليكون على لائحة التراث العالمي، لكن تلال النفايات تحيط بتلك الصروح العظيمة، وتشوّه جمالها وجودة طرازها المعماري الذي يمثل شاهداً على تاريخ المدينة وعظمتها، يوم كانت زيارتها حلماً للباحثين عن الجمال والفن والتحضر.
في ساحة الميدان قبالة خان المدلل وقريباً من شارع المتنبي الشهير وقصر دجلة الذي كان سكناً للكاتبة البريطانية أجاثا كرستي، وحيث كان الميدان والخان مقصدين للعائلات العريقة والشباب المثقفين وطلبة الجامعات الذين يمضون أمسياتهم وقد حرصوا على ارتداء بدلاتهم الرسمية الأنيقة، حيث الملتقيات والحفلات الموسيقية والمسارح ودور السينما والمحال التي تجلب أفضل الماركات العالمية، قبل أن يضرب الخراب بأطنابه هنا وتستبدل الساحة التي عرفت بكونها محطة الباصات الحمر ذوات الطابقين المتسكعين الذين يفترشون أرصفتها البائسة بروادها الحقيقيين، حيث يُفتتح بار أو محل عُدد كلما أغلق أحد المحال الشهيرة كمحال ناجي الساعاتي المتخصص ببيع الساعات النمساوية والسويسرية ومحل “أرشاك” مصور العائلة المالكة وأحذية باتا الأجنبية، وحيث يستبد بها (أي الساحة) الظلام والإهمال الذي يأبى أن يفارقها.
وبين أبنيته المتهالكة التي تقاوم بعناد معاول التخريب، تنبعث أنفاس التأريخ من مقاهي الشارع التراثية كالزهاوي وأم كلثوم ومقهى حسن عجمي، تلك المقاهي التي كانت ملتقى لرجالات السياسة والأدب والفن والفكر الجديد، التي انطلقت منها تلك الأجيال الواعية والمفعمة بحماسة الثورة والتغيير لمجتمع أقفل عليه الاحتلال العثماني أفق الحياة بأغلال التجهيل والخنوع والكهنوتية، فكانت بمثابة منابر يعتلي صهوتها الشعراء والثوار والفنانون والمجددون، لكن شعوراً ينتابك وكأن يداً آثمة امتدت بقسوة لتغتال عبق المكان وخياله الساحر.
لوحة سريالية
وتشكّل النفايات التي تغلق المربع الذي يضم مباني البنوك بسوق الشورجة لوحة سريالية للخراب والفوضى، فأطنان النفايات تتجمع حول هذه المنطقة التي كان العرسان يعقدون قِرانهم في أقدم محاكمها العراقية ويمضون لاقتناء تجهيزات العروس من شارع النهر، وما من سبيل لمرور السابلة والبسطات تحتل كل أركان أزقته الضيقة التي استحالت الى مكبات متناثرة للنفايات، والفوضى تعانق مبانيها الموغلة في عمق تاريخ المدينة وشارعها العظيم.
يقول علاء سعدون الذي عمل منذ نعومة أظفاره في هذا الشارع: أن لا فضل لأمانة بغداد في رفع النفايات المتكدسة هنا، فعندما تأتي عجلاتها، فإنها لا تأتي بدافع “الفزعة” أو أداء الواجب، بل مقابل أموال يدفعها الباعة للموظفين في الأمانة، وهو أمر يعرفه الناس والمسؤولون. ويستدرك: لو كانت النفايات ترفع هنا مجاناً، أو إسقاطاً لفرض الواجب، لرفعت الأمانة تلال النفايات التي تحيط بمنطقة السراي التي لا تضم محالَّ كثيرة.
لا يغري الشارع بكل كنوزه الحضارية من جوامع وكنائس ومكتبات وجامعات ومدارس عريقة ومن مبانٍ سكنتها شخصيات تأريخية كدار الجنرال مود التي جرى تحويلها الى متحف للزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم، والقصر الذي اتخذه الملك فيصل استراحة له، ومبنى البرلمان العراقي الذي ما عاد بالإمكان التعرف على ما تبقى من معالمه، لا تغري تلك الكنوز أمين بغداد والمسؤولين في الأمانة المتهمين بالفشل والفساد وبافتقارهم الى الرؤية العمرانية والثقافية للالتفات اليها الا بالقدر الذي يجلب المزيد من الأموال السائبة الى خزائن الأمانة التي لا ينظمها قانون ولا تحميها آليات محاسبة ومراقبة.
وينحصر جل اهتمام أمانة بغداد بصراعها مع الجهات المالكة لمباني الشارع ولا سيما دائرة الآثار والتراث، بهدف تملّك الدور وإخراجها من طبيعتها التراثية الى طبيعة تجارية تسمح لرؤوس الفساد بالتصرف فيها، من خلال عرضها للاستثمار وهذا ما حدث مع مبنى أول وزير مالية عراقية ساسون حسقيل، حيث هدت معاول المخربين هذا الصرح التراثي لتحوله الى مشروع تجاري بائس مُنِحَ لأحد المستثمرين، وهو وصمة عار تظل تلاحق المسؤولين في أمانة بغداد.
ويشهد شارع الرشيد حرائق مفتعلة بين حين وآخر بهدف تدمير المباني التراثية وتشويهها كي يتسنى لجهات مختلفة تحويلها الى صفة تجارية، ويتحدث مواطنون هنا أن هذه الحرائق مدبرة ويتغاضى عنها مراقبو أمانة بغداد عن سابق إصرار أو إهمال، وقد تسبّبت الحرائق بمحو معالم تراثية وتأريخية تمثّل جزءا من تاريخ وتراث العراقيين، وفي كل الاحوال لا يمكن للمسؤولين في أمانة بغداد التنصل عن دورهم في وقف هذا التخريب المتعمد الذي يقتلع بوحشية ذاكرة العراقيين وصروحهم الحضارية.
جيش من المراقبين
تمتلك أمانة بغداد جيشا من الموظفين يعملون بصفة مراقب، لا يشعر أصحاب المحال في شارع الرشيد ورواده بهم إلا عند جمع الضرائب التي يقولون إنّها تثقل كاهلهم. وهي بحسب تصنيفهم تنقسم الى أنواع عدة من الضرائب، أقسى تلك الضرائب ما اصطلح على تسميته بين أصحاب المحال بالعشائرية، فهي الضريبة الأكثر قسوة وإمعاناً في الابتزاز، إذ تتكرر كلّما تغيّرت وجوه المراقبين.
وقد رجانا أحدهم ألّا نذكر اسمه وهو يبين أن تلك الضرائب تؤخذ بالابتزاز ومن دون وصولات، ويستحضر فيها موظفو الأمانة كل مواد القانون في حال التأخر أو التوسل لتخفيضها.
والواقع أنَّ أمانة بغداد تعد من أغنى المؤسسات العراقية وكانت مدخولاتها في التسعينيات من القرن الفائت تكفي لتغطية نفقاتها ومشاريعها المختلفة ورفد الخزينة العامة بالإيرادات، فالأمانة تمتلك عقارات لا حصر لها في بغداد وضواحيها، ومساحات شاسعة ومشاتل ومتنزهات وموارد ضخمة عن الضرائب المتعدّدة الأوجه التي تجنيها كضريبة المهنة وضريبة اللافتة وضرائب كبيرة عن المخالفات ومشاريع تدرّ إيرادات ضخمة، وتحصل الأمانة على ربع الواردات السيادية التي تذهب للدولة، لكن لا وجود للشفافية ولا رقابة على المال والضرائب التي تترك لاجتهادات موظفين متهمين بالفساد، ولا أثر لها في أعمال الأمانة التي تحولت الى بالوعة للأموال غير الخاضعة للرقابة، بل إن المسؤولين فيها يتباكون ويشكون من نقص الأموال.
تبريرات
وفي مبنى بلدية الرصافة استقبلتنا مديرة مكتب مدير البلدية بحفاوة وأبدت استعدادها لمساعدتنا، وبينما كنّا نهم بالخروج من المكتب أخبرتنا السكرتيرة أن مدير البلدية في طريقه إلينا، لكن المدير حولنا الى أحد الموظفين وهو معاون رئيس المساحين غسان عبد الواحد حميد، كان الرجل ذا عقلية محترمة، ملمّا بعمله ولديه معلومات كافية، وقد فصّل لنا نوعية الجهات التي تعود إليها ملكية عقارات شارع الرشيد، لكنّه كان يجتهد لإيجاد المبررات والذرائع في مواجهة أسئلتنا، وبدلاً من إجابتنا بشكل مباشر راح يملي علينا معلومات عن طبيعة عمل دائرته لا تعني الناس كثيراً، ولا تصمد أمام الواقع المر الذي يصعب تبريره.
وعلى الرغم من عدم قناعتنا بردوده وتحميله جهات أخرى فشل الأمانة، لكنّنا احترمنا في الرجل سعة فهمه وإدراكه لقيمة الشارع وقدّرنا دفاعه عن دائرته التي يراها كثيرون انها فاشلة، لكن تفكيره ونظرته تلك لم تخرج عن رؤية مسؤولي الأمانة، التي يعتقد مديروها أنَّ واجبهم تعظيم الواردات وتحقيق المكاسب المالية.
فقد عدّ وقوع مباني شارع الرشيد ضمن مناطق تجارية مبرّراً لتحويل جنسها من آثارية الى تجارية، وبدلاً من المطالبة بإعادة صيانة هذه المباني فإن الرجل يرى أن إهمالها وهجرة سكانها المسيحيين واليهود مبرّر لتحويلها الى مناطق تجارية ما دامت هيئة الآثار والتراث عاجزة عن صيانتها.
والواقع أن رئيس المساحين غسان حميد تحدّث بإسهاب كبير عن جوانب لا علاقة مباشرة لها بأهداف هذا التحقيق الذي يرمي إلى حلّ طلاسم تفكير المسؤولين في أمانة بغداد واستمرار احفاقاتهم، وكان الرجل يحرص على ألّا تفوتني كلمة لا أدونها من حديثه الطويل الذي يكاد ان يكون مجدٍ.
مفارقة أقرب الى الفضيحة
وترفض المهندسة المعمارية هند قيس التعاطي مع مبررات الأمانة بإهمال واحد من أهم شوارع البلاد، بل العالم العربي، وتلتفت الى مفارقة تفضح فساد القائمين في أمانة بغداد وفشلهم، فقد نجحت بلدية أربيل في غضون مدة وجيزة في تحويل المدينة القديمة المرتبطة بقلعتها الى معلم تراثي حضاري، والمفارقة الأقسى أن بلدية أربيل استعانت بمعماريين وفنيين وعمال مهرة ومتخصصين في العمارة الإسلامية من أبناء بغداد والمحافظات، بينما يرزح أعظم شوارع العاصمة تحت يد الجهل والفساد.
كما أشارت المهندسة هند قيس الى مبادرات شخصية لتطوير بعض المباني في الشارع، كتطوير سوق الصفافير في عهد النظام السابق، وشارع المتنبي، ومبادرة مذهلة لأملاك شخصية جرى تطويرها على طرز تراثية، والى تطوير منطقة رأس الخيمة التي شهدت محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم عام 1959، وكل هذه المبادرات تعرّي مبررات القائمين في أمانة بغداد.
ويقول محمد معن صاحب أحد محال بيع المعدات في عمارة تراثية جرى إعادة بنائها وفقا للطراز التراثي الذي طبع مباني الشارع آنذاك، إن صاحب العمارة هو الذي أعاد بناءها كونها ملكاً شخصياً، متمنياً أن تعاد صيانة مباني الشارع أو يعاد بناؤها على الطراز التراثي.
ومنذ منتصف ثمانينيات القرن الفائت قُدمت دراسات تهدف لتطوير شارع الرشيد، مستندة إلى القيمة الحضارية التي يمثلها هذا الشارع، وأجرت مجموعات هندسية استشارية مسوحات واسعة للشارع، ووضعت تصاميم لتطويره على طراز تراثي وتحسين مظهره الحضاري وإعمار بنيته التحتية، وترميم المباني القديمة، مع الحفاظ على اللمسات والخصائص التاريخية والتراثية، لكن الفساد وغياب الإرادة والرؤية حال دون نجاح تلك الخطط التي استقرت في رفوف النسيان.
ولا تشي تصريحات المسؤولين في أمانة بغداد ولا خططهم بوجود نية لتغيير أساليب التفكير العقيمة لانتشال الشارع وقبله العاصمة من مستنقع الفشل وغياب الرؤية التي طبعت ولم تزل نهج إداراتها المتعاقبة.