لماذا استبدلت العتبة قبة ضريح الإمام الحسين(ع)؟

224

إياد عطية زاجي – تصوير: صباح الربيعي /

أكملت العتبة الحسينية نصب القبة الذهبية الجديدة لضريح الإمام الحسين وهي جزء من مشروع تطوير مركز مدينة كربلاء وتتضمّن بناء صحن بدل الصحن المسقّف أطلق عليه صحن العقيلة في الضلع الغربي للمرقد، إضافة الى توسعة الضريح بتنحيف الأعمدة الأربعة القريبة منه ومن ثم تقويتها بغية أن تكون قادرة على تحمّل الوزن الثقيل لقبة المرقد التي سترتفع بمقدار سبعة أمتار عن مستوى القبة السابقة التي يعود تاريخ بنائها الى القرن التاسع عشر… فلماذا استبدلت العتبة تلك القبة التأريخية؟
ملايين الزوّار
يقول رئيس قسم المشاريع الهندسية في العتبة الحسينية المهندس محمد حسين: إن العتبة الحسينية وهي تستقبل ملايين الزائرين خلال أربع مناسبات دينية في العام الواحد وعشرات آلاف المصلين يوميا فضلا عن إقامة صلاة الجمعة وخطبتها التي تمثّل رأي المرجعية في شؤون البلاد جعلت من توسعة الصحن وتسقيفه حاجة ملحة وعقائدية وضرورة وجود مكان يتسع هذا العدد الهائل من الزائرين.
والحق أنَّ مشروع التسقيف كان حاجة ملحة لا جدال فيها لا سيما أن فكرة عمل مظلات وشمسيات للتسقيف تشبه فكرة المظلات في الحرم المكي التي اقترحها المعماري الدكتور إحسان فتحي وجرى تطبيقها في تسقيف مرقد الإمام علي عليه السلام قد فشلت مع أول اختبار في موسم الامطار، إذ تسرّبت تلك المياه الى داخل المرقد الشريف، واذا كان مشروع التسقيف لصحن العتبة أخفى جزءاً من القبة الذهبية، إذ لم يعد بوسع الزائر أن يرى مرقد الإمام بقبته ومنائره الذهبية الا من مسافة قريبة، لكن السؤال ما الذي ينبغي أن تفعله الجهات المسؤولة عن العتبة إزاء الحاجة الملحة لاستقبال ملايين الزائرين في مدينة ترتفع فيها درجات الحرارة الى معدلات كبيرة لا يمكن احتمالها، وعملت العمارة الاسلامية على معالجتها ومراعاتها في مختلف المراحل التأريخية ولغاية دخول المكننة وتطور فن العمارة العالمي، وأن السؤال يبقى أما كان بالإمكان خفض السقف بحيث لا يؤثر في القبة؟ كان ذلك ممكناً، لكنَّه في النهاية لن يساعد في بقاء الفضاء الذي يسمح بمشاهدة القبة والمنارتين للمرقد الشريف من مسافة بعيدة، حيث التجاوزات الهائلة في التخطيط الحضري التي نجم عنها ارتفاع عمارات وفنادق كبيرة أخفت القبة.

لائحة التراث
ونفى المهندس محمد حسين تماما أن يكون لليونسكو دورٌ في كل عمليات الإعمار التي أجريت على العتبات المقدسة، وأكد أن العتبات المقدسة لم تسعَ ولن تسعى الى الانضمام الى لائحة التراث العالمي وأن عمليات التطوير للمرقد الشريف ستظل قائمة، مضيفاً: إننا لا ننظر الى العتبات المقدسة كتراث او آثار، فقدسية المكان وكونه قبلة للزوار لم تأتِ من كونه بناء أثرياً بل لأنّ المكان مقدسٌ ولأنّ الجهات القائمة على العتبة تنظر الى قدسية المكان كما أنَّ الزوار الذين يقطعون المسافات وبعضهم يعبرون البحار ولم يأتوا لزيارة أثر او تراث، بل قدموا لزيارة ضريح الإمام الحسين وعندما يكون البناء بلا ضريح للإمام فلا قيمة روحية وقدسية للمكان واذا نقل مرقد الإمام الى مكان آخر، فإن المكان سيحصل على القدسية ذاتها وهذا الامر ينطبق على جميع العتبات المقدسة.

خرق للقوانين
والواقع أنَّ القبة التي كان الزائرون يشاهدونها من مسافات بعيدة وحتى قبل الوصول الى مدينة كربلاء التي اكتسبت أهميتها ومكانتها من قدسية الضريحين الشريفين للإمام الحسين وأخيه العباس عليهما السلام اختفت بفعل الانفلات وعدم الالتزام بالقوانين الناظمة، فقد جرى خرق القوانين من أغلب أصحاب العقارات الذين شيدوا عمارات وفنادق ومشاريع أحدثت تشوهاً بصرياً، وليس من الانصاف تحميل العتبة مسؤولية هذه التجاوزات التي حدثت على فترات مختلفة، فالعتبة في النهاية لا يمكن أن تنفذ إرادتها بالقوة وليس لديها شرطة تجعل الناس تمتثل لتوجيهاتها التي ما انفكت تطلقها، ولهذا فإن رفع القبة الذهبية يمثّل حلا لمشكلة بصرية وعمرانية ملحّة ومن البديهي أن الحلول الجديدة تولد من رحم التطور وتزاوج ما بين التكنولوجيا والتراث المعماري الاسلامي.

النسيج الحضري
وعدّ المهندس في العمارة الاسلامية رعد لفته حسين مشاريع تطوير مركز كربلاء التي تنفذها العتبة الحسينية تأتي في سياق جهود معالجة الاخطاء المتعمدة التي أحدثها النظام السابق الذي قطع مركز المدينة الى أوصال وعزلها تماماً عن النسيج الحضري للمدينة وهو أمر يتعارض وأهداف العمارة الاسلامية التي لا يمكن ترميمها، مبينا أن النظام السابق ولأسباب سياسية وأمنية عزل المرقدين عن المدينة العتيقة وهدم الأزقة والسراديب وفتحها الى شوارع، وهذه الأعمال هي التي تسبّبت بالقضاء على عنصر المفاجأة والدهشة وهو أمر ليس من العدل أن تتحمله العتبة وليس من المنطق التطرق اليه دون ذكر هذه الحقائق المعلومة لدى الناس.
واستفهم المهندس لفته الذي يقدّم خدمات استشارية للعتبة؛ هل من المعقول أن نقارن مركز مدينة كربلاء بالمدينة القديمة في تونس التي تعد المحافظة عليها ركيزة لسبب وجودها وزيارتها من السواح، وهي مدينة تستقبل عدداً معروفاً من السواح على مدار أيام السنة، ولهذا فهي لا تقارن بمدينة تستقبل في أربع مناسبات في السنة أكثر من 12 مليون شخص في بضعة أيام، يحتاجون اثناءها الى عملية كبيرة لضبط حركتهم أمنياً وخدمياً من خلال ممرات تتناسب واعدادهم الهائلة.
ولفت الى أن دخول الماكنة غيّر مفاهيم العمارة لا سيما دخول السيارة التي غيرت طريقة بناء الطرق، وسواء هنا او في أوروبا فإن التطور التكنولوجي يلقي بتأثيره الكبير على مفاهيم العمارة وأساليب بنائها.
وأوضح المهندس لفته أن المتخصصين في العمارة الاسلامية والتراثية يفهمون دوافع العتبة من تسقيف الصحن إنما جاء لتحقيق حاجة المصلين والزائرين الذين لم يعد الضريح يسعهم، أما عنصر التدرج فالعتبة تعمل عليه في المشروع الذي لم ينجز بعد ويتضمّن إنشاء فضاء جديد كي يتحقّق التسلل الانتقالي المعروف في العمارة الاسلامية.
خط السماء
وأوضح أنه اذا أجرينا مقارنة بين خط سماء المدينة قبل خمسين عاماً وخط سمائها اليوم سنرى أنّه قبل خمسين سنة كانت المنائر هي التي تظهر أما اليوم فقد اختفت المنائر من هذا الخط ولم يعد بالامكان مشاهدتها، بسبب الافراط في البناء العمودي إذ تضاعف سكان كربلاء مرات عدة وهذه الأعداد السكانية الهائلة تحتاج الى مساكن وعمارات، ومع إدراكنا لأهمية المحافظة على التراث لكن هل من المعقول أن نبقى نحافظ على المدينة ببيوتها القديمة مع تزايد الحاجة الى مزيد من الوحدات السكنية التي صار البناء العمودي الحل المناسب لها؟
ولهذا فإنَّ رفع القبة يأتي في سياقه ووفقا لمتطلبات واقعية وسيجري تكبيرها بنسب العمارة الاسلامية نفسها وستكون القبة أقل من ارتفاع القبة والمنارة في ضريح الإمامين العسكريين ولا توجد نسبة ثابتة للعلاقة بين ارتفاع القبة والمنارة في كل المراقد الاسلامية والنسب مختلفة في أشهر المراقد الاسلامية في العراق وسوريا وتركيا.
ولفت المهندس المعماري رعد لفته حسين الى أن وزن القبة 1200 طن وليس من المعقول أن نعيدها بنفس الطريقة ونفس الوزن ونترك التقنيات التي وفّرتها لنا التكنولوجيا الحديثة التي سمحت بتخفيف وزن القبة وسيرى جميع أساتذة ومهندسي العمارة الاسلامية وبينهم الدكتور إحسان فتحي أن العملية صيغت بطريقة هندسية تخفف الوزن وليس من الحديد كما قيل بل من سبائك خفيفة تستخدم في الطائرات.
تمويل المشروع
وبينما استفهم المهندس في العمارة الاسلامية الدكتور إحسان فتحي عن المبلغ الذي تقاضته الشركة المنفّذة لمشروع رفع القبة وهي شركة إيرانية وقال في صفحته على الفيسبوك: “كم يا ترى ستكون كلفة مشروع القبة الحسينية الجديدة مع مآذنها في كربلاء؟” أكد المهندس محمد حسين كاظم رئيس قسم المشاريع الهندسية والفنية في العتبة الحسينية أن مؤسسة الكوثر الخيرية الإيرانية المنفّذة للمشروع بصفة التبرع هي جهة مؤسساتية متميّزة وضعت تصميماً إنشائياً لأسلوب تصغير وإزالة الأكتاف الأربعة الحاملة للقبة من داخل الحرم الشريف ورفع وإسناد القبة بواسطة دعامات تعوّض عن الأكتاف الأربعة الكبيرة، وأن المساحة الكلية التي اختزلت بالأكتاف القديمة ستعمل على تقليل الازدحامات الحاصلة في الحرم الشريف.
ونفى كاظم أن تكون الحكومة العراقية هي الممول لهذا المشروع الذي لم يكلف ميزانية الدولة فلساً واحداً كما يشاع، معرباً عن أسفه لمحاولة تغييب الحقيقة، فالمشروع بكل تفاصيله تشرف عليه العتبة لكن تمويله بالكامل من جمهورية إيران الاسلامية، إذ يتواصل العمل هناك لبناء القبة الجديدة من لدن فريق من المهندسين المتخصّصين في مدينة كرمان الايرانية قبل نقلها الى العراق.
وقال المهندس كاظم: إن مشروع نصب قبة جديدة وتنحيف أكتاف القبة الموجودة حاليا سيقلل من حالة الزحام في الزيارات المليونية، مبيناً أن الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة تسعى الى توفير جميع سبل الراحة للزائرين الكرام وسيتحقق هذا المطلب عن طريق تضييق أقطار الأعمدة الداخلية ورفع قبة الحرم الحسيني الشريف واستبدال الاكتاف وإسناد القبة بدعامات حديدية تؤدي الغرض نفسه وفتح مساحات إضافية للطواف حول الضريح المقدّس.
وأوضح أن القبة الكبيرة كانت مرتكزة على أعمدة من الخشب لكنها باتت متآكلة بسبب الارضة وبقي منها القسم المذهّب فقط وكانت القبة بوزنها الثقيل جداً مرتكزة على هذه الأعمدة المتآكلة من الداخل، ولهذا فإنَّ قرار تقوية الركائز فرضه الواقع وكان لا بد من التفكير بتقويتها بحيث تتمكن من رفع وزن القبة القديمة والوزن الجديد للقبة التي ستكون اعلى بمقدار 7 أمتار من القبة الحالية.
وتقول الشركة الايرانية: إن القبة الجديدة جرى نصبها فوق القبة الذهبية القديمة ولذلك فإن أعمدة محيط الضريح يجب أن تكون قادرة على تحمّل القبتين البالغ وزنهما إجمالا 1200 طن وهو ما نفذه المهندسون.
رؤية المرجعية
وعلى العكس مما يتردّد فإن مشاريع التطوير لمركز المدينة وللضريحين المقدسين كانت محط دراسة واهتمام من لدن المرجعية الدينية، فقد أكد الأمين العام للعتبة الحسينية المقدسة الشيخ عبد المهدي الكربلائي مراراً ضرورة الفصل بين المراقد المقدسة لأئمة أهل البيت عليهم السلام، باعتبار أنَّ المراقد المقدسة تمثّل آثاراً حيّة تحتاج الى تغيير مستمر يواكب التطور العمراني مع الحفاظ على الجوانب الأثرية والقدسية لها.
وكان الكربلائي يتحدّث الى مجموعة من رؤساء الجامعات العراقية وأساتذتها والمسؤولين في الوقف الشيعي عن رؤية المرجعية العليا لعمليات التطوير هذه التي تميّز في نظرتها ما بين المراقد المقدسة والآثار العامة، لافتا الى التطور العمراني الذي شهده المرقد الحسيني منذ ثورة المختار الثقفي الى وقتنا الحاضر والقائم على فلسفة تواكب الواقع والحاجة الدائمة الى التطور.
وعلى ما يبدو فإنَّ الخلاف يدور في فلسفة النظرة الى المراقد وما إذا كانت أماكن تراثية ينبغي الحفاظ عليها، او إنها أماكن تراثية حيّة ومقدّسة لا تخضع لاشتراطات المواقع الآثارية والتراثية، وتقدم الحاجات الروحية للناس على ما سواها وتستجيب لمواكبة التطورات التكنولوجية في فنون العمارة مع الاحتفاظ بقدر ممكن على لمساتها التراثية.