لُقبت بـ “المعدّلة”.. الأم العراقية والامتحانات..

129

ذوالفقار المحمداوي تصوير: علي الغرباوي/

في أيام امتحانات العام الدراسي تبدأ هموم الأمهات، فالوقت هنا سلطان يجعلهن كالدمى، إذ لا راحة لهن، لا وقت للزيارات أو جلسات الصديقات، كل الساعات قد خصصت لأولادهن، إنها ملاحقة عقيمة بينهن وبين الزمن، حيث لا منفذ للراحة ما إن تبدأ الامتحانات والواجبات التي تنفذ إلى داخل كل منزل، وها هن يتقوقعن مع أولادهن في دوامة الحروف والأرقام الى نهاية الموسم الدراسي.
لم تبتغ (أم حنين) غير تخصيص ساعة واحدة لتريح جسدها، فهي تصحو مبكراً لتقوم بتحضير ملابس ابنتها وتحضيرها للذهاب إلى المدرسة لأداء الامتحانات، فهي متأكدة بأنها يجب عليها إكمال كل ما تحتاجه حنين قبل أن يسبقها وقت الدوام الرسمي في مدرسة ابنتها، فهي، كما العديد من الأمهات، تقاتل لتحقق ذلك المستقبل الذي تتمناه لابنتها.
أرنب وسلحفاة
تقارع أم حنين الثواني كل يوم فقط لتوازن بين احتياجات منزلها وبين ماتحتاجه ابنتها حنين، تقول إن “الوقت لم يعنّي في يوم من الأيام، فلابد من تنفيذ التزامي لابنتي بكل مايتطلبه الأمر لتصل الى مدرستها بأبهى حلّة وأفضل صورة، ولكي تكون كما قريناتها من الفتيات، ولكن هيهات، فالوقت الذي أراه كالسيف يقطعني كلما حاولت التمسك بالتزاماتي، لذا تجدني أركض ركض الوحوش في البرية للحاق به، لكني لم أغلبه في يوم من الأيام، إلا أن الممارسة اليومية لهذه الواجبات جعلتني محترفة في كل شيء، لذا تراني أقوم بتحضير ملابس حنين وحقيبتها المدرسية، وحتى طعامها، محاولة اختصار الوقت في صباح اليوم التالي، كل ذلك وأنا أقف كالسلحفاة أمام الوقت الذي يعدو كالأرنب من أمامي.”
أحمد الشقي
بالمقابل من أم حنين ومعاناتها من وقتها السريع، إلا أن (علياء محمد – 26 عاماً) هي الأخرى لها حصة من عذاب الوقت، ولكن بصورة أخرى، فولدها أحمد، الذي يبلغ من العمر عشرة أعوام يجعل الوقت مضاعفاً عليها، إذ إن عدم انضباطه والتزامه بتوجيهات والدته والمعلمات، جعل والدته (آلة) في محاولة تأنيبه وتربيته. علياء تشكو لـ (مجلة الشبكة العراقية) ما تعانيه كل يوم وتقول: “مأساة يومية تمر بي قبل أن يذهب أحمد إلى الامتحان، وبعد أن يعود منه، فهو يذهب بقمة نظافته ليعود إلي وهو متسخ من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، وقد مزق حقيبته وأضاع قرطاسيته، فولدي يملك من الحيلة والدهاء ليجالس من هم أكبر سناً منه رغم أني أنبته وأدبته، وها أنا أواجه هذا العناء كل يوم بلا تغيير أو تحسن، كما أن مدارسنا هي الأخرى لا تمنح الطلبة ذلك الاهتمام الكبير لكي يعينونا ولو بشكل قليل على تربية أطفالنا، لذلك أبدأ يومي بالذهاب مع ولدي إلى المدرسة خوفاً من المشكلات التي يحدثها في أثناء ذهابه إلى المدرسة لأسلمه إلى المعاون الذي يطلق عليه لقب (أحمد الشقي)، ليكمل بذلك قصة والدته وشقاءها.”
“كصيبة مروة وأخواتها”
ومن شقاوة أحمد نذهب إلى منزل آخر وأم أخرى تعاني ما تعانيه من تعب ومشقة كلما بدأت امتحانات العام الدراسي، فهي ربة عائلة تضم خمس فتيات، جميعهن يرتدن المدارس، وهذا شقاء بلون مختلف، فالفتيات رغم رقتهن وطاعتهن عكس ما نراه لدى الفتيان، إلا أنهن يحتجن رعاية خاصة واهتماماً يختلف عما لدى الفتيان، فمن تقليم الأظافر أو ارتداء الملابس، إلى التوجيه الصحيح وتحضير الواجبات، وهذا الأمر متعب لفتاة واحدة، فما بالكم بخمس فتيات. هكذا تحدثت (أم مروة) بعباراتها الثقيلة من أثر الإرهاق والتعب، لتكمل حديثها بأن “ترتيب شعرهن وحده يحتاج إلى مراعاة خاصة، فشعر بناتي الخمس طويل، ما يجعل الاعتناء به صعباً ويأخذ وقتاً طويلاً، فضلاً عن ارتداء ملابسهن. أما ضفائر مروة وأخواتها فإنها تجعلني أعرف أن أيام تعبي ستكون طويلة، كلما ضفرتها لهن حين يذهبن إلى المدرسة، في النهاية نحن لسن فقط أمهات، بل نحن المعلمات اللاتي نحارب الوقت لنعطي شعلة الشقاء لأولادنا من بعدنا.”