محنةُ تشابهِ الأسماء.. خللٌ إداري يتحمل تبعاته المواطن

25

اياد عطية الخالدي /

اكتشف علي مهدي، وهو مواطن محدود الدخل، أن زوجته مطالبة بضرائب تبلغ مئات الملايين من الدنانير بسبب تهربها من دفع ضرائب عن سلع ومواد مستوردة من الصين وأوروبا!
لم يحتمل الرجل الصدمة، فهو يعلم أن زوجته ربة منزل تنحدر من عائلة بسيطة وليست لديها أية أعمال تجارية، قبل أن يخبره الموظف أن هناك تشابه أسماء بينها وبين تاجر كبير متهرب من دفع ضرائب للدولة، وهذا يعني أن بانتظاره سلسة طويلة من الإجراءات لإثبات أن زوجته ليست هي الشخص المطلوب للدولة.
حدث هذا بعد أن اتفق علي مهدي، المنتسب إلى وحدة في الجيش، على شراء قطعة أرض في منطقة نائية تفتقر إلى الخدمات بسعر بسيط لا يتجاوز العشرة ملايين دينار، بالمقارنة مع اسعار العقارات الخيالية في بغداد، هي كل ما جمعه من مال وأراد تسجيل ملكيتها باسم زوجته في دائرة التسجيل العقاري في منطقة الشعب، التي أعلمته بأن زوجته مطالبة بضرائب باهظة!
شرح مهدي ظروف عمله، راجياً مساعدة الدائرة وإعادة التدقيق لأنه من المستحيل أن تكون زوجته هي التاجر، لكنّ موظفي الدائرة لم يقتنعوا وطالبوه بجلب كتب من جهات متعددة بينها وزارة التجارة والهيئة العامة للكمارك، ودوائر الضريبة والتسجيل العقاري، حتى يثبت أن زوجته ليست هي الشخص المتهرب ضريبياً.
يقول مهدي: ما ذنبنا وقد وقعنا ضحية بين لوائح حكومية صارمة وبين عجرفة الموظفين وملاحقة السماسرة وذوي النفوس الضعيفة من بعض الموظفين الذين يجدون في مثل هذه الأخطاء فرصة للانقضاض على الفقراء ومص ما تبقى من دمائهم.
وتساءل الرجل بمرارة: لماذا لا يعودون إلى اسم الأم واللقب وتاريخ التولد في حال تطابق الاسم الرباعي بدلاً من هذه الإجراءات المتعسفة التي يتحملها فقير تشابه اسمه مع تاجر مرفّه ومتهرب من دفع الضرائب للدولة؟!
يشكل تشابه الأسماء لدى العراقيين، وربما في المنطقة العربية، محنة كبرى قد تؤدي إلى زج بعضهم في السجون في حال تطابق اسم المرء مع أحد المطلوبين للعدالة.
وظاهرة تشابه الأسماء شائعة، فأغلب العراقيين يسمّون أولادهم تيمناً بأسماء الأنبياء والشخصيات الدينية والتاريخية، بل إنها تأخذ منعطفاً أكثر تعقيداً إذا ما علمنا أن كثيراً منهم يكنّون الاسم باسم آخر ثابت فمحمد يكنى بأبي جاسم وعلي بأبي حسين وموسى بأبي هارون وكريم بأبي حاتم وعمر بأبي خطاب وهكذا، وتشكل أسماء الشخصيات الدينية والتاريخية أكثر من 70 بالمائة من أسماء العراقيين، وفقا لتقديرات غير رسمية.
وفي ظل نظام إداري يشوبه الروتين والتعقيد والفشل ويتفشى فيه الفساد تغدو مشكلة تشابه الأسماء وسيلة ابتزاز للمواطنين من قِبَل موظفين أدمنوا الرشا.
مطلوب أمنياً..!
يقول محمد حسن، وهو شاب يزاول الأعمال الحرة، إن السيارة التي كانت تقله إلى منزله أوقفت عند حاجز أمني (سيطرة)، وطُلب من ركابها إبراز بطاقاتهم الشخصية، وبعد دقائق أعادوا البطاقات إلى أصحابها بينما طُلب مني رجل الأمن الترجل واقتادني إلى أحد مراكز الشرطة، وهناك فوجئت بلائحة طويلة من الاتهامات بأعمال إجرامية تنتظرني لا أعرف عنها شيئاً سوى أن اسم مرتكبها يشبه اسمي، ولولا أن الضابط تعاطف معي وعاملني بإنصاف لكنت قد تعرضت إلى السجن لمدة لا يعلمها إلا الله حتى أثبت براءتي، فقد عمل على الاتصال بأحد المشتكين وجلبه في ساعة متأخرة من الليل ليتأكد من صدق ادعاءاتي، وبالفعل أكد المشتكي أني لست الشخص المطلوب وأن الموضوع مجرد تشابه أسماء.
ولكن لسوء الحظ، فإن أغلب الذين تتشابه أسماؤهم مع مطلوبين أمنيين، يحتجزون ويمرون عبر سلسلة معقدة من التحقيقات ويتعرضون للابتزاز، ما يضطر عائلاتهم إلى دفع مبالغ كبيرة، قبل أن يثبتوا براءتهم.
وقد كفل الدستور العراقي النافذ لسنة 2005 الحريات الشخصية في مواد دستورية عدة منها المادة 19 التي حظرت الحجز والتحقيق مع أي شخص الا بأمر من قاضٍ.
نظام إداري مترهل
يقول طه أبو مقتدى (موظف، 38 عاماً): عندما بعنا منزلنا في منطقة المشتل، وبعد الإجراءات المعقدة التي يجب المرور خلالها من أجل إنجاز معاملة تحويل ملكية المنزل، أخبرنا الموظف في دائرة السجل العقاري أن ثمة تشابهاً بين اسم صاحب البيت الذي كنا قد اشترينا منه، وكان المنزل ما يزال باسمه، وبين شخص مطلوب للدولة بمبالغ ضخمة.
ويوضح أبو مقتدى: في الحقيقة إنه لم يكن هناك تشابه أسماء متطابق، فاسم الجد الثاني للرجل هو (جبر) بينما الجد الثاني للرجل المطلوب (جابر)، هذا فضلاً عن أن الدائرة والدولة عامة لديها أكثر من وسيلة للتحقق من دون أن ترهق المواطن بمعاملة البحث عن الشخص المطلوب وهي معاملة قد تستغرق أشهراً أو سنوات في بعض الأحيان، إذ يمكنهم العودة إلى اسم الأم واسم الزوجة والعمر وأسماء الأولاد والبنات لفك التشابك وحسم الموضوع.
ولفت إلى أن بعض ضعاف النفوس لا يريدون أن ينتهي الموضوع بسهولة، لكي (يركّضوا) المواطن، وعندما يجد أن لا طائل من ركضه سيضطر لدفع (المقسوم) لهم.. هذه هي القصة كلها.
يضيف السيد طه بحسرة: إن البحث عن المطلوبين للدولة ليس مسؤولية مواطن لديه معاملة، بل مسؤولية أجهزة الدولة الكثيرة، المواطن لا ذنب له في أن النظام الإداري مترهل وفاسد ومتخلف.
مشهد مأساوي
الفنان التشكيلي والصحفي زياد جسام، الذي اصطدم بمحنة تشابه الأسماء أثناء ترويجه معاملة نقل ملكية عقار تتطلب من بين إجراءاتها مراجعة دائرة الضريبة، يصف مشاهد ردود أفعال المواطنين عندما يخبرهم موظف الضريبة بأنهم مدينون بضرائب عن مواد مستوردة تبلغ أقيامها أحياناً مئات الملايين من الدنانير بالصدمة والذهول والحيرة، إذ ترتسم على وجوههم علامات الخيبة والحزن والاستغراب، ولاسيما أن أغلبهم لا علاقة لهم بقصص الاستيراد والتهرب الضريبي.
يقول جسام إن إجراء (براءة الذمة) عند نقل ملكية عقارية يستلزم، في حال وجود وكيلين عن البائع والمشتري، التدقيق في أربعة أسماء هم البائع والمشتري ووكيلاهما، ومن الطبيعي أن يظهر تشابه أسماء مع ثلاثة أو أربعة أشخاص لكل اسم، وربما أكثر، وأمامك خياران؛ فإما أن تتفاوض على مبلغ تدفعه إلى الموظف لحل الالتباس، وهذا لا يتطلب كثيراً من العناء بمجرد الرجوع إلى اسم الأم أو محل الولادة وتاريخها، أو أن تمضي في دوامة طويلة من المراجعات تبدأ من سجل الأحوال المدنية تطلب فيها اسمك الخماسي، ولا تنتهي بوزارة التجارة التي لديها رقم بطاقتك الذي يشتمل على معلومات وافية عنك. ومن الطبيعي أن المواطنين يلجأون إلى الخيار الأول الذي يغنيهم عن السير في طريق مجهول قد لا ينتهي في شهر أو شهرين من المراجعات، وهو أمر يدركه الموظفون في دوائر الضريبة.
وأشار جسام إلى أنه لاحظ أن مدير دائرة الضريبة لديه الصلاحية بتسهيل إجراءات المعاملة بتعهد يكتبه المراجع يُفيد بأنه ليس هو الشخص المطلوب، وأن ذلك مجرد تشابه أسماء، وتساءل: لماذا يستخدم المدير هذه الصلاحية في حال وجود (واسطة) ولا يعمِّمها على جميع المراجعين الذين يعانون من محنة تشابه الأسماء؟!
إجراءات تعسفية
من جانبه، يلفت الحقوقي علاء رزاق إلى وجود معضلة حقيقية تواجه المواطنين المكلفين بالتحاسب الضريبي عند وجود تشابه في أسمائهم مع أسماء آخرين موجودة في سجلات الضريبة في بعض الدوائر.
ومن الأمور الغريبة أن المواطن الذي يجد تشابهاً في اسمه مع اسم مواطن في محافظات أخرى يتوجب عليه تحمل عبء مراجعة تلك الدوائر وجلب كتب منها لتأكيد براءة ذمته من تلك الفروع، وهو أمر لا ذنب له فيه، بل إن حل الالتباس هو من واجبات هذه الدوائر.
وعدَّ رزاق إيقاف إجراءات معاملات التحاسب الضريبي وربطها بكتب تحل مشكلة تشابه الأسماء أمراً تعسفياً بحق المواطنين، وأكد أن دوائر التسجيل العقاري تتحمل هذا التشابه لأنها لا تطلب معلومات كاملة تتضمن الأسماء الرباعية واللقب واسم الأم الرباعي أو الثلاثي وغير ذلك من المعلومات التي تُمكّنها من تجنب أية مشكلة في حال وجود تشابه بالأسماء. وأشار إلى أن قانون أصول المحاكمات الجزائية في المادة 92 منه نصَّ على عدم جواز القبض على أي شخص أو توقيفه إلا بأمر قضائي. ولفت إلى أن هذه الإجراءات تنهك حقوق المواطنين وتهدر وقتهم ووقت الدوائر نفسها بسبب نقص البيانات التي يحصل عليها الموظفون من المكلفين بدفع الضرائب أو الذين يمتلكون سجلات عقارية وسواها.
واللافت أن اغلب دوائر الضريبة والمعاملات التي تخص نقل ملكيات عقارية من شخص إلى آخر يديرها معقِّبو معاملات معروفون لموظفي هذه الدوائر، وقد واجه المواطنون الذين حاولوا الخلاص من شباك المعقبين مشكلات كبيرة في إنجاز معاملاتهم خلقها الموظفون الفاسدون كي يسمحوا بإدامة دور المعقبين واستمرار دورة حياة الفساد وحمايته من أية إجراءات مضادة.
مزيد من المعلومات لحل المعضلة
يؤكد المتحدث الرسمي باسم الوزارة اللواء خالد المحنّا، في تصريح خاص لـ”الشبكة”، أن الشرطة العراقية تعمل الآن وفقا للتعميم الذي أصدره مجلس القضاء الأعلى المتضمن وجوب إدراج معلومات إضافية عن المطلوبين عند إصدار مذكرات القبض بحقهم كالاسم الرباعي واسم الأم واللقب، فضلاً عن رقم مذكرة القبض وفتح سجل لأوامر القبض لخزن المعلومات المتعلقة بأوامر القبض في الحاسوب.
وسبق للّواء المحنّا أن قال لـ(واع): إن “هنالك مطلوبين للعدالة تتشابه أسماؤهم مع أسماء مواطنين بريئين فيتعرضون للمساءلة والمضايقات في المطارات،” مؤكداً أن “هذه المشكلة ستنتهي بعد استكمال مشروع البطاقة الوطنية الموحدة.” وبيَّن المحنّا “أن البطاقة الموحدة ستعتمد على رقم البطاقة التي لا يمكن أن تتكرر مع رقم بطاقة وطنية أخرى.”
من جهته، قال عضو لجنة الأمن والدفاع (بدر الزيادي)، في تصريحات صحفية نقلتها وسائل إعلام مختلفة، “إن تشابه الأسماء حالة موجودة، والجهات الأمنية تلجأ إلى اسم الأم في حال التشابه مع أسماء الإرهابيين والمطلوبين للقضاء العراقي،” لافتاً إلى أنه “في حال إجراء التدقيق وعدم تسجيل أية مؤشرات أمنية يُزال أي اشكال مع المتشابهة أسماؤهم بعد عملية التدقيق والتأكيد.”
وأضاف “أن هنالك متابعة من القوات الأمنية لهذا الملف، ولاسيما في المحافظات التي سيطرت عليها عصابات داعش الإرهابية سابقاً، أما في محافظات الجنوب فإن قضية تشابه الأسماء تكون فيها قليلة،” كاشفاً عن “وجود تنسيق عالٍ وتوجيه حكومي لإنهاء هذه الاشكالية لدى الكثير من المواطنين”.
وأشار إلى أن “لجنة الأمن والدفاع النيابية لديها دور في هذا الأمر، عبر التواصل مع جهاز الأمن الوطني،” مبيناً أن “اللجنة تتابع مع جهاز الأمن الوطني الإسراع في إنهاء هذا الملف.”