مراجعة الدوائر الحكومية.. كابوس يؤرق المواطن

633

آية منصور/

إنها مهمة تعيسة أن تراجع دائرة حكومية من أجل انجاز معاملة مهما كانت بسيطة، قد لايستغرق إنجازها أكثر من جرّة قلم لموظف إداري صغير، لكن ماتحسبه ينجز بنصف يوم قد يستمر لأشهر تدور خلالها في متاهة لاتنتهي ولاتدري لماذا والى متى مالم ينقذك تدخل أو واسطة أو رشوة أو توسل ينفع حيناً ولايجدي نفعاً أحياناً أخرى.

فأنت إذ تراجع الإدارة في وزارة أو دائرة أنت موظف فيها أوخارجها، عليك أن تتسلح بالصبر وتسلخ إنسانيتك وأنت تتلقى سوء المعاملة وإجراءات ما انزل الله بها من سلطان، إنه تعذيب حقيقي، يفرض عليك أحياناً أن تراقب مشاهد موظفين يتسلّون بسوالف “تحلى مع الشاي” المسخّن على نار صبر مراجعين اكتووا بنيران الروتين الإداري.

إذلال سببه ورقة

سارة، التي تحاول الحصول على وثيقة تخرجها في معهد المعلمات، تتحدث عن الصعوبات التي تواجهها من أجل الحصول على الوثيقة، وعن الشعور المؤلم الذي ينتابها كونها باتت تشعر أنها إنسان من الدرجة الثانية لما تشاهده من سوء معاملة من موظفين يختصون بعرقلة كل شيء”قانونيا”.

اللحظة التي يمكن أن تشاهد فيها مدير دائرتهم هي لحظة احتجاجك على مايحدث وشكواك مما يجري، ساعتها نرى كيف يتضامن المدير مع موظفه فنصاب بالإحباط، وتبدأ الأسئلة في عز الألم، هل هذا مدير مسؤول أم أنه يعتقد فعلا أن موظفيه على حق أم ماذا، أيعقل أنه شريك لهم بتعذيب الناس؟

صحيح أننا نسمع عن الروتين الإداري في كل الدول، لكن هذا ليس روتيناً، هذه فوضى واستهتار بوقت المراجع وإهانة لكرامته، ليس معقولا أن تتأخر معاملة يمكن إنجازها بيوم واحد الى أسابيع عدة.

حينما أردت الحصول على وثيقة تخرجي، كان لزاماً علي الذهاب الى المعهد بعد أخذ طلب الوثيقة من الدائرة التي أعمل بها، ثم الذهاب الى دائرة الشهادات والوثائق، ليصدروا موافقة على طلب الوثيقة، ثم أعود الى المعهد حينها من أجل تسلّم الوثيقة، ثم أعود مرة أخرى الى الدائرة نفسها من أجل تصديقها، وكل مكان يبعد ربع ساعة أو أكثر في السيارة عدا الزحام، أي أن يوماً كاملاً يذهب من أجل الحصول على ورقة يمكنك الحصول عليها ببساطة لأنها ورقتك ووثيقتك!

تضيف سارة حول المعاملة السيئة التي تتلقاها في المكان بالقول:

– حينما دخلت إحدى الغرف، صرخت بوجهي إحدى النساء اللواتي يجلسن على الكراسي من دون أي سبب، لم أتخيل المشهد، لقد كنت مصدومة، كيف لهم القابلية على التعامل مع المراجع على أنه أقل قيمة منهم، وأنهم يتفضلون عليّ باصدار هذه الأوراق التي غالباً ما تكون غير مفيدة ولا قيمة لها سوى أنها تجرجر أقدام المراجعين من مكان لآخر.

العبادي يتدخل

الوزراء، المدراء العامون، مدراء الدوائر المختلفة، لست أدري هل هم نائمون؟ وأين هم مما يجري في دوائرهم، فليس معقولاً أن تصل صرخة الألم الى رئيس الوزراء ويستشعر خطورة مايحدث وهم لا يعلمون؟!!

بالفعل، فقد كان رئيس الوزراء حيدر العبادي قد أعلن سابقاً عن مشروع لتبسيط الإجراءات الإدارية في دوائر الدولة عبر استخدام تكنولوجيا المعلومات، مشيراً إلى أن المشروع يتضمن تسهيل إنجاز معاملات المواطنين في الدوائر الحكومية وتسجيل الشركات الوطنية والأجنبية في مجال الاستثمار، لكن العمل به لم يتم وما يزال المواطن العراقي يعاني.

لك الله وحده

أما المواطن أحمد، فيسرد لي “التعاسة” الحقيقية التي واجهها بعد موت أبيه ودخوله معترك المعاملات الجديدة، بدءاً من تغيير هوية والدته:

– والدتي لا تستطيع السير، ومع هذا رفضوا إجراء معاملة تبديل هويتها الى “أرملة” إلا بحضورها، حتى أن أحد الضباط طلب مني أن أحضرها ولو على كرسي متحرك، وهذا ما حدث فعلا فقط من أجل رؤيتها.

ويؤكد سعد أن الموظفين ليس لديهم أي تعاون مع المراجعين إلا بصورة فوقية وجافة، الأمر الذي يتسبب بمشادات كلامية بين الطرفين أحيانا.

فيما ترى سها أن بعض الموظفين يعدّون أنفسهم حكاماً على من هم أقل منهم من المراجعين، فيتعرض الكثير منهم للغبن والظلم، اذا لم يكن جميعهم، كما أن أغلبهم لا يقدم لك “عمله الطبيعي” إلا من خلال الرشوة أو الواسطة أو أن تكون قريباً لأحد معارفه، عدا هذا فلن تنجح بإنجاز معاملتك، بدءاً من العامل البسيط “الفرّاش” حتى مدير الدائرة، حينما يعلم أنك من طرف فلان أو علان يهب لضيافتك، أما إذا كنت شخصا “دون سند وظهر” إذن، لك الله وحده!

استغلال شرعي

فيما ترى الموظفة هدى الموسوي، وبالطبع هذا ليس اسمها الحقيقي، لما تخشاه من “معاقبات” قد تطالها بسبب الكلام، إن دائرتها قابعة في الفساد والظلم، حيث لا عدالة ولا احتراماً لغير أصحاب الواسطات.

وتؤكد الموسوي: أرى بعيني كيف يجري التعامل مع المراجعين، بعضهم يملك طاقة من الصبر والقدرة على الانتظار القاتل وآخرون تنفد طاقتهم فينفجرون في لحظة يأس غضبا او يدخلون بمشاجرة مع الموظفين، لكنهم لن يحصلوا سوى على المزيد من التنكيل وبتضامن الموظفين ضدهم.

تعجز كل الطرق الشرعية وغير الشرعية عن منع استغلال المراجع مادياً أو حتى نفسياً، بعضهم على عجلة من أمره أو يعاني من مرض يمنعه من التحرك طويلا، أو أن أحدا من عائلته غير موجود، جميع هذه الأمور هي محركات ووقود للموظف من أجل ابتزازه.

وترى هدى أن العديد من الموظفين يعدون المراجعين باتمام معامالاتهم وكتابة أسمائهم في أوراق منفصلة لكن عند خروج المراجع ترمى الورقة مع المعاملة مع طابور المعاملات الأخرى! وحين يعود يحدث ما هو متوقع.
معاملة من السقف

يذكر كذلك أن أحد المراجعين من أجل التعيين، وفي حادثة مضحكة ومبكية في آن واحد، تعكس الكوميديا السوداء التي تعيشها دوائر الدولة، إذ حاول هذا المراجع وهو يقف عند شباك صغير للغاية مع مئات الأشخاص، حيث يمد رجل ما يده فقط لتسلم الأوراق، ويصرخ هذا الرجل من أجل أن تصل يده الى اليد الأخرى ولا تصل، فقام بتسلق البناية بمساعدة أصدقائه، ليتمكن من ايصال ورقته، فإذا بيد مع ورقة تأتي من الأعلى! حينها حاول الجميع نقل أيديهم ومعاملاتهم الى السقف لولا تدخل الشرطة آنذاك.

الأموال تفتح العقبات

أحمد الياس، يخبرني عن نيته بالحصول على قرض من أحد البنوك،حيث طالبوه بعمل استمارة للإدارة العامة ثم عن طريق البريد – هذا إن وصلت- ثم ليطالبوه بتواقيع من الوزارة التي ينتسب إليها، وحينما حصل على التواقيع، أعادوه بنيّة طلب صحة صدور هذه التواقيع! وبعدها مرة أخرى، للتأكيد، بصحة صدور هذه التواقيع، مع الكفيل.
-كل هذه المماطلات انتهت بعد دفعي 250 ألف دينار عراقي للموظفة نفسها، التي لم تطلب منه حتى الكفيل بقولها، “لم يعد ضروريا”!

أما سليم، فرفضت صورته لأكثر من مرة في المعاملات لكونها “غير رسمية” وغير مؤهلة في المعاملات، فاضطر لقص رأسه من الصورة ووضعه فوق “بدلة رسمية” لتتماشى مع الوضع!

-الأمر سوريالي، الوجه هو نفسه ولا أعلم حقيقة ماذا سيحدث لو كانت الملابس رسمية أو اعتيادية. ما الذي سيحدث؟

بقايا حروب

ولايستبعد مراقبون سياسيون واقتصاديون أن مايحدث هو جزء من محاولة متعمدة لتعقيد الأمور تنفذ بخبث وأجندة سواء بجهل أو من دونه لأن مايحدث هو خراب كبير، لاسيما وأننا لم نسمع عن عقوبات تطال موظفاً بسبب تقصيره بانجاز معاملة، اطلاقا لايوجد من يحاسب وهذه كارثة.

الباحثة والدكتورة في علم النفس الاجتماعي مريم البكّاء أكدت أن للحروب ومخلفاتها أثراً بالغاً على نفوس المجتمع وفي كل خطوة يخطونها، وهذا الأمر لا يعد كونه “لعنة” أجبروا عليها ولا يمكنهم التغاضي عنها او تركها لأنها كانت قد تشبعت وتداخلت بهم. وتقول:

عند كل خلل نلحظه، علينا أن ندرك أن للحروب دوراً هائلاً، الحروب تغير النفوس نحو الأسوأ، إنها تعلمهم على العدوانية كنوع احترازي من التصدي لها لئلا تؤذيهم، فذلك يغير في أرواحهم وفي جميع خطواتهم من دون أن يعلموا. حتى في هذه الأمور البسيطة، أي التعامل مع الآخر، هو نوع من أنواع الهجوم المضاد لهم.

وترى الدكتورة مريم أن المعاملة التي يتعامل بها الموظف تكون بالعادة “غير مقصودة” وتحدث عن طريق اللاوعي الداخلي للإنسان، هذا كله يحدث ردود أفعال حدية بين الأشخاص ما يدفع بعضهم للهجوم والآخر للدفاع.

-كما أن أغلب الموظفين يلاقون معاملات غير جيدة من رؤساهم، الأمر الذي يدفعهم للتعامل بخشونة مع المراجع المسكين الذي لا يعلم من أين يتلقاها، من الجو المضطرب، أو المعاملة السيئة، أو صعوبة الاجراءات، كما أن بعضهم اعتاد الرشا والواسطات فحينما يجد شخص ما غير مؤهل للاستفادة منه، حينها يرى أن الضغط عليه سيجعله يرضخ لهذه التصرفات وهذا ما يحدث غالبا.