معالم بغداد التراثية نهباً للإهمال والألكوبوند

95

رجاء الشجيري /

لطالما كان فن العمارة مرآة تعكس ثقافة الشعوب ونهضتها وتطورها، ولهذا فإن الحفاظ على المعالم المعمارية التي تشكل هوية المدن الثقافية من التشويه الذي يداهمها بات يستدعي قرارات حازمة وتفعيلاً للتشريعات التي تحميها من عبث العابثين، وكثيرة هي المعالم التراثية التي طالها التشويه، أما بتحويلها عن وظيفتها الأصلية كأن يصبح مَعلمٌ ثقافي تراثي مخزناً أو متجراً، أو باستخدام الألكوبوند في تغليف واجهاتها بألوان براقة سلبتها جمالها؟
الشبكة تجولت في شوارع بغداد ورصدت حجم التشويه الذي طال مبانيها العريقة، ونقلت آراء المعنيين بفن العمارة عما يحدث لمباني بغداد التراثية بنحو خاص.
لكن ما (الألكوبوند) الذي أولع الناس باستخدامه؟ انه عبارة عن مجموعة من الألواح المصنوعة من مادة الألمنيوم تستخدم لتغطية واجهات المولات والمحال التجارية أو محطات الوقود والأسواق وغيرها.. والسؤال هنا هو: كيف تتساوى هذه المباني في التغليف مع مبانٍ تراثية كـ “عمارة الدفتردار” ذات الخمسة عشر طابقاً التي كانت تعد أعلى بناية في شارع النهر، أو بناية نقابات العمال ومنظرها الموجع الآن بعد تغليفها، أو منظر فندق “تايكرس بالاس” في شارع الرشيد الذي كانت تقيم فيه الكاتبة اجاثا كرستي، الذي اصبح اسمه لاحقا فندق “ابن الهيثم” هذه البناية الجميلة التي كانت من تصميم المعمار العراقي أحمد مختار ابراهيم، فإذا بشناشيلها الآن مغلفة بـ”الألكوبوند، أو بناية البنك المركزي أو حتى تحويل كثير من السينمات في شارع الرشيد والسعدون وغيرهما الى مخازن كما حصل لسينما الزوراء وسينما بابل وسينما البيضاء في بغداد الجديدة وغيرها كثير!
من معلم فني إلى متجر
من البنايات التي لحقها التشويه أيضا كانت “تسجيلات جقماقجي” أحد معالم شارع الرشيد المهمة، التي تأسست أوائل القرن العشرين، يقول الإعلامي احمد محسن التميمي عنها وعمّا لحق بها من تشويه: كانت تسجيلات جقماقجي لصاحبها الحاج فتحي الجقماقجي من اقدم المعالم الموسيقية العراقية وأهمها، حيث سبقتها شركات أجنبية مثل “نعيم فون وبيضافون” وأسس الجقماقجي أول ستوديو خاص بالشركة بعد ستوديو الاذاعة اللاسلكية، وكانت الأغاني تُسجل وترسل الى اليونان لطباعتها على اسطوانات حجرية ثم تعاد للشركة لتوزيعها. ويضيف التميمي: “ومن أوائل المطربين الذين تعاملوا مع هذه الشركة كان داخل حسن، وناظم الغزالي، وسليمة مراد، وصديقة الملاية” كما سجلت مطربات عربيات فيها أيضاً مثل نرجس شوقي ونهاوند، وكانت هذه التسجيلات الانطلاقة الأولى للمطربة فائزة أحمد بأغنية” ميكفّي دمع العين يا بويه” من ألحان رضا علي.
ومما يؤسف له الآن أن مبنى جقماقجي ذلك المعلم الفني الثقافي العتيد قد تحول إلى متجر أزياء! لذا نستفهم بوجع: أين القوانين التي تحمي هذه البنايات ومتى تكون نافذة؟
ويردف التميمي ان هذه التسجيلات تلقت عرضاً في أربيل بتخصيص مكان لها في القلعة يديره أحد أحفاد الجقماقجي للحفاظ على روحية المكان والأجهزة والاسطوانات والأرشيف، فهل من دعوة لتفعيل قوانين حماية تراثنا العمراني والثقافي؟
نهج الاستشارة
واعرب احسان فتحي المعماري والخبير في التراث عن حزنه وامتعاضه الشديدين من فيروس اكساء الابنية التراثية بألواح الألكوبوند أو حتى المباني الحديثة المهمة التي يزيد عمرها على خمسين سنة بهذه المادة الجديدة مؤكداً: ليس لدي اعتراض على اي مادة تقليدية أو حديثة ما دام استعمالها صحيحاً ومناسباً، لكن يجب أن نعترف بأن هذا اللهاث وراء ألواح (الألكوبوند) سببه الجهل والانبهار ببريقها ولمعانها.
ويضيف فتحي: لقد فرحت عندما صدر قرار من أمانة بغداد قبل سنوات بمنع ذلك ولكن “دون جدوى كما يبدو” فلم يخطر ببالي أن ارى هذا التخريب يسري على البيوت التراثية وشناشيلها، وهذا حتماً مؤشر خطير، وفي زيارة لي قبل سنتين لحصن الاخيضر صعقت بوجود بناية سياحية كبيرة مباشرة أمام الحصن وعلى بعد أمتار قليلة فقط منه تسطع ببريق الألكوبوند الأحمر ولا يستعملها اي أحد. إن خطر تشويه البيئة العراقية هو موجود فعلا وإن مسخ المباني التاريخية جارٍ على قدم وساق في العراق.
المهندس المعماري زيد عصام حدثنا قائلاً: إن تغليف المباني بهذه المادة يعد شكلاً قبيحاً ومشوهاً لمبانينا التراثية، كنا نشاهد ذلك في مجمع باب المعظم إذ من هناك كانت البداية والتغليف بهذه المادة ومنظرها البشع. أتصور أن الناس بدأت تخاف من التغليف لأنه يسبب مشاكل، لاسيما أن قابلية المواد للاحتراق تكون أكثر مثلما حدث في التفجير الإرهابي في الكرادة حسب قوله.. مضيفاً: اتذكر حديث الدكتورة غادة السلق لنا في محاضراتها عن هذا المسخ والتخريب للمباني دائماً.
الدكتورة غادة السلق وهي تدريسية في قسم الهندسة المعمارية جامعة بغداد حدثتنا بالقول: هناك كثير من التجاوز على شخصية المدينة معمارياً وذوقياً، مؤكدة أن إهمال استشارة المتخصصين من معماريين وفنيين عند التعامل مع موضوع التخطيط والقرار بشأن البنايات الاثرية سيؤثر تأثيراً سيئاً في الواقع الحضري للعاصمة بغداد.
تضامن رسمي وشعبي
ويقول عماد جاسم وكيل وزارة الثقافة: لدينا هيئة الآثار والتراث التابعة لوزارة للثقافة التي تحرص بجدية على تفعيل قوانين سابقة كانت موجودة لكنها تحتاج الى تضامن شعبي وحكومي تمثله أمانة بغداد ودائرة التراث في الهيئة التي تسعى الى سن تشريعات تحتم على أصحاب هذه العقارات عدم المساس بها، لكن ذلك يحتاج الى تمويل مادي يجعل الحكومة قادرة على استملاكها، ولذلك فإن كثيراً من أصحاب الدور والمباني التراثية يلجأون الى هدمها وبيعها دون أخذ رأي الحكومة، وحصلت أكثر من مرة بان يجري الهدم ليلاً أو في ايام العطل الرسمية بعيداً عن عيون الرقابة، مضيفاً: لقد كررنا الطلبات من وزارة الثقافة إلى أمانة بغداد على أهمية تشديد المتابعة لعمليات الهدم، وهناك هواجس حقيقية من اندثار التراث المعماري، بفعل عشوائية الهدم وعدم تفعيل القوانين الرادعة، وهناك مناطق تراثية، وسط العاصمة، فقدت أجمل بناياتها في الأعوام الأربعة الماضية، ونحن نطالب باستغاثة تنطلق من حناجر كل المحبين لتراثهم لإيقاف نزيف الهدم والمحافظة على ما تبقى من هويتنا المعمارية، لأنها مسؤولية تكاملية بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدني، والناس عامة.
وبالرغم من رغبة وزارة الثقافة في تبني خطط الاشراف على الهوية الجمالية لكن هذا يتطلب تشريعا يجعل منها مسؤولة عن جمالية البنايات وواجهاتها، وقد رفعنا طلبا الى رئاسة الوزارء يتضمن امكانية اشراف الوزارة على النصب والساحات والتماثيل التي توضع دون استشارة الوزارة في بعض المحافظات، ولم نحصل على الاجابة، ونحن نسعى فعلا لتعاون الامانة في ما يتعلق بوضع برامج تصحيح وفتح جسور التعاون مع لجان مهنية تتكون من فنانين ومعماريين و باشراف وزارة الثقافة لإيقاف هذا التشويه.
أسئلتنا الحائرة لأمانة بغداد عن دورها في هذه المسألة، وهل ما زالت قوانين حماية التراث المعماري سارية؟ ام أن هناك قوانين جددت، بقيت معلقة دون جواب، رغم كثرة اتصالاتنا وانتظارنا، لكن دون جدوى.