مقبرة الإنكليز.. تروي قصة حرب طويت

1٬244

 آمنة السلامي – عدسة: صفاء علوان/

ما ان تصل الى قلب بغداد في منطقة الوزيرية قرب اكبر صرح علمي عراقي يتمثل بجامعة بغداد، حتى تأخذك العيون الى أرض شبه جرداء تملؤها شواهد لقبور يجهل الكثير عائديتها، انها مقبرة البوابة الشمالية او ما يعرف محليا بمقبرة الانكليز التي تضم رفات المئات من الجنود البريطانيين والهنود والأستراليين والبولنديين قضوا في حرب شرسة مع الجنود الاتراك في الحرب العالمية الاولى، ابان دخول القوات الانكليزية الى بغداد..

قرن مضى منذ انتهاء الحرب العالمية الاولى لكن شواهد قبور هذه المقبرة بقيت ارشيفا لماض ارتبط بتاريخ العراق.

جولة في المقبرة

من بابها الحديدي القديم دخلنا هذه المقبرة، وللوهلة الاولى توحي لك قدسية المكان ورمزيته التاريخية بحقيقة ان الزمن قد يعود ادراجه عشرات السنين ويتوقف عند شواهد قبور لا تحمل سوى اسماء لأناس شاءت اقدارهم ان يدفنوا غرباء في ارض ليست ارضهم.

قيل إن المقبرة كانت في فترة العهد الملكي حديقة غناء تظللها الأشجار والزهور، لكن بعد الجمهورية الأولى تدهور حالها وأمست على ما هي عليه الان أرضا جرداء. وعلى ما يبدو فان عوامل التعرية أسهمت بشكل كبير في محو الكثير من الكتابات الدالة على قبورها وشواهدها، هذا فضلا عما عاناه المكان من إهمال واضح.. عند تجوالنا بين القبور رأينا الكثير من الاسماء قد كتبت بلغة ضحاياها لجنود من جنسيات مختلفة وفي منتصف المقبرة تقريبا بناء على علو مترين تقريبا من الرخام الابيض كتب عليه بلغة انكليزية تصعب قراءتها، وعلى مقربة منه عمود على هيئة صليب او ما يسمى بالصليب التذكاري والذي تضرر كثيرا نتيجة انفجار سيارة مفخخة قرب سياج المقبرة، كما قيل لنا.

السفارة البريطانية

بعد جولتنا هذه قررنا ان نسلط الضوء على حقائق هذه المقبرة واتصلنا السفارة البريطانية عدة مرات لتزويدنا بمعلومات وافية عن هذه المقبرة لتأتي الاجابة مخيبة لنا، فقد اعلمتنا السفارة البريطانية بانها ليست المسؤولة عن المقبرة وانها حولت اسئلتنا لتجيب عنها لجنة هيئة مقابر الحروب لدول الكومنولث المسؤولة عن حماية وصيانة 19 موقعا داخل العراق ومقرها في لندن. وانتظرنا ثلاثة اسابيع لتأتي لنا الاجابة من لندن:

عن عدد الجنود المدفونين في المقبرة واشهر شخصياتها قالت لجنة الكومنولث: ان العدد الإجمالي هو 7420، بما في ذلك القبور المعروفة الهوية وتلك غير المعروفة. والأكثر شهرة بينها هو الفريق السير ستانلي مود، القائد العام لقوات المشاة المنتشرة في بلاد ما بين النهرين، والذي توفي في بغداد في تشرين الثاني 1917.

*كم تبلغ مساحة المقبرة ومتى انشئت؟

في عام 1914، كانت بغداد مقراً للجيش التركي في بلاد ما بين النهرين. وكان الاستيلاء على بغداد الهدف النهائي لقوة المشاة الهندية ‘‪D‬’، وهدف القوة الاسيرة المحاصرة في الكوت في عام 1916. وسقطت المدينة أخيرا في اذار 1917، ولكن لم يتم تعزيز القبضة كلياً حتى نهاية نيسان. ومع ذلك، فقد أصبحت بحلول ذلك الوقت القاعدة المتقدمة لقوات المشاة في العراق، مع مستشفيين ثابتين وثلاثة مراكز لإخلاء الضحايا. ولقد تأسست مقبرة البوابة الشمالية في بغداد في نيسان 1917 وقد تم توسيعها بشكل كبير منذ نهاية الحرب العالمية الأولى حيث تم جلب موتى من مدافن أخرى في بغداد وشمال العراق، وايضاً من ساحات المعارك والمقابر في الأناضول حيث قام الاتراك بدفن أسرى الحرب من دول الكومنولث. وقد توفي معظم جنود الكومنولث البالغ عددهم 296 جنديا في الحرب العالمية الثانية ممن دفنوا في المقبرة بسبب المرض أو عن طريق الصدفة عند خدمتهم مع القوات.‬‬‬‬‬

جنود من جنسيات مختلفة‬‬

وعند سؤالنا عن جنسيات الجنود المدفونين في المقبرة وهل هم جنود بريطانيون فقط أم أن هناك جثامين لجنود من جنسيات اخرى. اجابت الكومنولث: هناك ست جنسيات مختلفة في الموقع وأيضا ضحايا من الفيلق العربي. كما يوجد داخل المقبرة النصب التذكاري لخانقين، الذي يخلد ذكرى 104 من جنود الكومنولث، و437 من الجنود البولنديين، و3 من جنود الجيش العربي في الحرب العالمية الثانية، دفنوا في مقبرة حرب خانقين التي لم تعد قيد العناية بسبب صعوبة الوصول إليها.

*هل هناك مسؤولية على الحكومة العراقية تتعلق بادارة المقبرة؟

ـ لجنة الكومنولث لمقابر الحرب التي تمولها 6 حكومات من دول الكومنولث، هي المسؤولة كلياً عن إدارة جميع المقابر في العراق، ولكننا نتلقى أفضل الدعم من السفارة البريطانية عندما نطلب المساعدة. ويرجع ذلك إلى كون اللجنة ليس لديها حالياً موظفون دائمون في البلد برغم أننا نبقي ذلك الامر قيد المراجعة.

لا مطالبات بإزالة المقبرة

*هل جرت محاولات من الحكومة البريطانية لنقل رفات الجنود الانكليز المدفونين في المقبرة الى المملكة المتحدة؟

-لا تعيد اللجنة أيا من قتلى الحرب العالمية الاولى أو الحرب العالمية الثانية الى بلدانهم، وهذه سياسة جلية للجنة وفقا لميثاقها الملكي الأصلي لعام 1917 ومبدأ تكافؤ الاستذكار.

وأجابت لجنة الكومنولث ان كانت هناك مطالبات من الحكومات الحكومات العراقية المتعاقبة برفع رفات الجنود واخلاء المقبرة بالقول : لا توجد في سجلاتنا اية إشارة الى ان أيا من الحكومات العراقية المتعاقبة قد طلبت إزالة المقبرة.

*عانت المقبرة بعد تسعينات القرن المنصرم من اهمال واضح لماذا توقفت لجنة مقابر حرب الكومنولث عن ادامة المقبرة والاهتمام بها؟

ـ نظراً لتدهور الحالة الأمنية في البلد (ما بعد عام 2000)، لم تكن للجنة بصمة تشغيلية كاملة كما تفضلت. ونعمل حالياً من خلال متعاقدين من أطراف ثالثة يقومون بإخلاء الأنقاض من الموقع بصورة منتظمة، ولا يوجد حاليا أي إشراف مباشر من قبل موظفي اللجنة. ونحن نرنو إلى استئناف العمليات التشغيلية الكاملة وتجديد المقبرة بالكامل، لكن لا يوجد جدول زمني لذلك. ونحن نهدف إلى إعادة مقبرة البوابة الشمالية لهذا الوضع في الوقت المناسب. ولدى اللجنة خطة لزيادة وجودها التشغيلي بشكل تدريجي في بعض المواقع في العراق خلال الفترة 2018 – 2019.

مس بيل

*تتضارب الآراء حول مكان دفن عالمة الآثار والمؤرخة البريطانية غيرترود بيل فهل دفنت في هذه المقبرة ام في مقبرة الارمن في ساحة الطيران؟

ـ بما ان عالمة الآثار والمؤرخة البريطانية غيرترود بيل ليست ضحية حرب، فإن قبرها يقع خارج نطاق اختصاص اللجنة. غير أننا نعتقد أنها دفنت في الكنيسة الأنغليكانية في بغداد.

وعن الاضرار التي اصابت شواهد القبور وموجودات المقبرة والاهمال الواضح الذي تعانيه اجابت اللجنة:
-سنقوم بتجديد المقبرة بالكامل، بما في ذلك “صليب التضحية”، عندما تتحسن الحالة الأمنية سيمكن استئناف العمليات العادية.

*قبر الجنرال ستالني مود، قائد الحملة البريطانية انذاك، بعض المصادر التاريخية تشير الى انه توفى جراء اصابته بمرض الكوليرا، هل مات فعلا بهذا المرض؟

– حسب علم اللجنة، فان الفريق السير ستانلي مود توفي بسبب الكوليرا بعد أربع وعشرين ساعة فقط من توقيع معاهدة السلام مع القوات العثمانية.
أعداء الحياة، أصدقاء الموت

*اغلب الجنود الانكليز المدفونين في هذه المقبرة قتلوا نتيجة الحرب مع الاتراك. لكن يقال ان هناك مكانا مخصصا للجنود الاتراك في هذه المقبرة كيف تفسرون ذلك؟

-ان مقبرة البوابة الشمالية تحتوي أيضا على 100 من قبور الحرب التركية، وهذا امر مألوف للجنة. ترعى منظمتنا مقابر العديد من الجنسيات، بما فيها الألمانية واليابانية، في جميع أنحاء العالم، وبالنيابة عن حكومات هؤلاء المتوفين.

واخيرا عند سؤالنا عن مغزى وجود هذه المقبرة في قلب بغداد وان كانت دلالة على سطوة بريطانيا في منطقة الشرق الأوسط ضمن حقبة معينة؟ ولماذا لم يتم نقل رفات هؤلاء الجنود الى بلادهم؟ قالت الكومنولث: ان اللجنة تحتفل بضحايا الكومنولث في الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية نيابة عن حكوماتهم الأعضاء في دول الكومنولث الست. ونحن نهتم بجثامينهم ونصبهم التذكارية وقبورهم. سياسة اللجنة على النحو المبين أعلاه لا تتمثل في إعادة أي من ضحايا الحرب العالمية الاولى والحرب العالمية الثانية الى بلدانهم. ولذلك، فإن احياء ذكرى ضحايا الكومنولث يتم حيثما سقطوا أو أقرب ما يمكن في الموقع.