مليار دولار سنوياً ينفقها العراقيون على الدراسة في الخارج!

147

علي غني/

مبالغ ضخمة ينفقها الطلبة العراقيون سنوياً للحصول على الشهادات العليا في مختلف التخصصات. ووفقا لإحصائيات حكومية فإن هناك أكثر من 60 ألف طالب يدرسون في الجامعات الإيرانية، و40 ألفا في الجامعات اللبنانية، بعضهم لتطوير أنفسهم علمياً، وبعض للحصول على الشهادة لزيادة فرصهم بالتعيين في دوائر الدولة، وبعض آخر (للتباهي) بحصولهم على لقب علمي من جامعات أجنبية!
ملايين الدولارات تذهب الى خزائن تلك البلدان التي يهاجر إليها الطلبة.. فما الذي يدفع الطلبة العراقيين للحصول على الشهادة من الخارج؟
لغة الأرقام
بحسب بيانات وزارة المالية، فقد بلغت مصروفات وزارة التعليم العالي لسنة/٢٠٢١ مقدار (2.3) ترليون دينار (1.6 مليار دولار).
فيما بلغ معدل إنفاق الطلبة العراقيين الدارسين خارج العراق أكثر من مليار دولار سنوياً! وهناك تساؤل ذكي من المختصين مضمونه “هل أن الدولة عاجزة عن جذب هذه الأموال الى الداخل؟ علماً أنها تكفي لتغطية أكثر من ٧٠% من نفقات وزارة التعليم العالي؟”
وبحسب آخر إحصائية لوزارة التخطيط، فإن عديد طلاب الدراسات العليا الموجودين حالياً في العراق هو بحدود (46232) طالباً للعام الدراسي (2019- 2020) شكلت نسبة الإناث (49.2‎%) منهم، وتضم جامعة بغداد أعلى نسبة للطلبة الملتحقين في الدراسات العليا إذ بلغت ( (%‎21.3، معظمهم من الطلبة العراقيين، ماعدا 14 من الطلبة العرب، وهنا تكمن الغرابة في الأمر.!
تفرض الجامعات العراقية على كل طالب نشرَ بحث في مستوعبات “سكوباس” بمبلغ لا يقل عن ألف دولار، بهدف رفع تصنيف الجامعة بين الجامعات العالمية، إذ تبلغ كلفة هذا النشر بحدود (٣٠) مليار دينار سنوياً يتحملها الطلاب، مع أن الدستور ينص على مجانية التعليم، وأصبحت كتابة البحوث والنشر والسمسرة العلمية مهنة لمن لا مهنة له (على حد تعبير البعض)،على الرغم من وجود مجلات علمية محكمة في كل جامعة تقريباً.
نوع من الصرامة
الأستاذ الدكتور أحمد عسكر نجف، التدريسي في جامعة الكرخ للعلوم، الذي أشرف على العديد من رسائل وأطاريح الماجستير والدكتوراه في العراق يفسر سر الأعداد الكبيرة من الطلبة العراقيين الذين يكملون دراساتهم العليا في الجامعات اللبنانية والإيرانية، في حين أن (14) طالباً عربياً فقط يدرسون في العراق من مجموع (46232) طالباً عراقياً في الجامعات العراقية، وتلك مفارقة كبرى بالقول إن “الدراسات العليا في العراق ليست سهلة، فعلى الطالب بداية تجاوز اختبار اللغة الإنكليزية، وكذلك اجتياز اختبار الاختصاص الدقيق، والحصول على درجات عالية، تعقب ذلك كورسات متقدمة وامتحانات، لذلك لايمكن لأي شخص نيل الشهادة العليا بسهولة، فضلاً عن الإشراف من قبل أساتذة أكفاء لهم باع طويل باختصاصاتهم وخبرة متراكمة، هذا أحد الأسباب التي تجعل الطلبة العرب ومن دول الجوار يحجمون عن الدراسة في العراق، ولاسيما الذين يبحثون على النجاح من دون جهد يذكر.”
ويضيف أن “مراحل التعليم في العراق -ومنذ عقود طويلة من الزمن- تتميز بنوع من الصرامة والانضباط وعدم التراخي وصلابة المعلمين والمدرسين وأساتذة الجامعات، بحيث أدى هذا النظام التعليمي الى تعثر الكثير من الطلبة، في مختلف مراحل الدراسة، وعدم إكمالهم الدراسة, وحتماً كان الفيصل في مواصلة التعليم العالي هو في مرحلة البكلوريا للصفوف المنتهية, حيث التباين الواضح في معدلات الطلبة التي تؤهلهم للقبول في الكليات حسب الدرجات التي يحصلون عليها، ورغبة الطالب، فضلاً عن رغبة وتشجيع أسرهم, وعليه فقد كانت للطالب مساحة ضيقة جداً في التفوق, وهو الاجتهاد الذي يسري حتى الآن في التنافس على القبول في كليات مرموقة كالطب والهندسة والعلوم والحقوق, وباقي الكليات والمعاهد التقنية التي لها اعتبارات في سوق العمل واحتياج الوزارات. كما أن المجتمع العراقي والأسر العراقية لاتزال تنظر الى التعليم على أنه الهدف الأسمى للعائلة لأنه يرسم مستقبلاً مشرقاً للطالب وأسرته، التي يهمها أن تتباهى بتفوق أبنائها “.
الحروب والحصار
ويوضح الدكتور عسكر أن ما أحاط بالعراق من تداعيات الحروب والحصار وأوضاع الاقتصاد المتذبذبة، والتخمة الحاصلة في دوائر الدولة، التي تركز على الشهادات العليا، دفع الكثيرين ممن لم يحالفهم الحظ في أن ينالوا الشهادة العليا، الى أن تتوجه أنظارهم للبحث عنها في بلدان هي الأخرى وجدت ضالتها في تأسيس جامعات (واهنة علمياً) بقصد الكسب من كل من يطرق بابها، وبدأت بمنح شهادات زائفة, كانت بمثابة أفق مفتوح لكل من يطمح لتحسين وضعه والحصول على مناصب مهمة في الدولة, والقسم الآخر يحاول من خلال هذه الفرصة أن يعالج نقصاً، في أوقات كان من المستحيل تحقيقه في مراحل حياته, لهذا كان لوزارة التعليم موقف في التحري عن مصداقية هذه الجامعات، التي لم نعترف بالكثير منها لعدم استيفائها شروط ومناهج التعليم الرصينة، وما ثبت للوزارة من قرارات صدرت لاحقاً بعدم الاعتراف بثلاث جامعات لبنانية وبعض الجامعات الإيرانية, رغم وجود جامعات عريقة في هذه البلدان ومكانتها في التصنيفات العالمية، لكن بسبب ما يجري في الوقت الحاضر من تذبذبات في تقييم المسيرة العلمية يلجأ الكثيرون الى البحث عن فرص في هذه الجامعات.”
سوق العمل
“أما عن إمكانية فتح الدراسات العليا في الجامعات الأهلية، التي تتفاوت، في ترتيبها وتنافسها العلميين، عن الكليات الأهلية الأخرى ففي رأيي أجد أننا لم نصل بعد الى القناعة المطلقة بمخرجات التعليم الأهلي، بدليل إجراء امتحانات مركزية بإشراف الوزارة لطلبة الدراسة الأولية, والأهم في الموضوع هو أن بعض التخصصات في الجامعات الحكومية تقلصت بفعل قانون التقاعد، الذي أجبر العديد من الأساتذة الأكفاء والخبراء على أن يرضخوا ويتقاعدوا, ما تسبب في غلق تلك الدراسات لعدم توفر المشرفين, برغم المطالبة بإعادة النظر بهذا القانون الذي ألحق ضرراً كبيراً بالعملية التعليمية، وحدد مقاعد الدراسة في أكبر الجامعات العراقية. وعلى هذا الأساس فإنه من غير المجدي أن يصار الى فتح الدراسات العليا في جامعات لا تتوفر فيها المختبرات التخصصية والأجهزة اللازمة لكل التخصصات المفتوحة في أقسامها العلمية, والأساتذة المشرفون لكبر أعمارهم وتقلص قدرتهم على العطاء كما كانوا في مراحل شبابهم, كذلك عدم توفر سوق العمل للكثير من التخصصات، ولاسيما الدراسات الإنسانية التي أصاب الترهل قسماً منها نتيجة التطور الحاصل في عموم مرافق الحياة ومتطلبات الشركات وشبكات المواصلات والاتصالات, والكثير ممن يتخرجون يرغبون في التعيين على الملاك الدائم, وهو أمر بات صعباً في ظل البطالة المقنعة التي تعاني منها الدولة كثيراً.”
استيعاب الكفاءات
يرى الأستاذ المساعد الدكتور سهيل تركي عنتر، رئيس جمعية الأكاديميين والمثقفين العراقيين، الذي عقدت جمعيته ندوة علمية عن (واقع الدراسات العليا خارج العراق)، “أن أنجع الحلول لمشكلة هجرة الطلبة العراقيين الى الجامعات العربية والأجنبية هو استحداث معاهد خاصة بالدراسات العليا في العراق معترف بها من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي”.
ويطالب د. سهيل بمراجعة شاملة لكل ما يخص الدراسات العليا داعياً الى اعادة النظر تعليمات الدراسات العليا داخل وخارج العراق، فضلاً عن التأكيد على الرصانة العلمية والتخصصات التي تحتاجها خطة التنمية، الى جانب تشكيل لجان علمية لمناقشة أطاريح ورسائل طلبة الماجستير والدكتوراه العائدين من خارج العراق، للوقوف على مستوياتهم العلمية.”
وطالب وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بتوفير فرص للكفاءات المبتعثة من حملة الشهادات العليا، وذلك من خلال تعيينهم في الكليات الحكومية والأهلية، ولاسيما أصحاب الاختصاصات النادرة وذلك لرفد التعليم العالي بكفاءات شابة تؤدي الى قفزة نوعية في مستوى التعليم.
فكرة غير مقبولة
فيما يعتقد الدكتور أحمد الغبان، رئيس الجامعة التكنلوجية، أن “أغلب الطلبة الذين يبحثون عن جامعات الجوار أو غيرها، يختارون الجامعات التي لها تصنيفات علمية (متراجعة) لسهولة القبول فيها، لأن العدد الكبير من الدارسين خارج البلاد هم من الباحثين عن فرصة عمل داخل العراق، ويعتقدون أن حظوظهم تزداد بالحصول على الشهادة العليا، ونحن لدينا (توأمة) مع جامعات عالمية رصينة، أما فيما يخص الموظفين الساعين الى القبول في الدراسات العليا، سواء أكانت داخل أو وخارج العراق، فإن هؤلاء يبحثون عن زيادة التخصيصات المالية لإكمال دراساتهم العليا، وبعض من هؤلاء يسافرون الى خارج البلاد على نفقتهم الشخصية، وليس على حساب جهات الابتعاث الرسمية، ما يخلق إرباكاً في الخطط الدراسية للجامعات العراقية، فهي غير ملزمة بإكمال دراساتهم العليا داخل العراق إذا ما أرادوا ذلك، لأن الجامعات العراقية، ومنها جامعتنا العريقة، تتبع خططاً ستراتيجية منسجمة مع توجيهات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي “.
تعطيل ومماطلة
وعلى مدى أسبوعين واصلت “الشبكة” اتصالاتها بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، فلم تجد غير المماطلة والتملص من مواجهة الأسئلة التي طرحتها المجلة، وفشلت كل المحاولات والاتصالات مع مدير إعلام التعليم العالي، وإنه لأمر مؤسف أن يتنصل المكتب الإعلامي في هذه الوزارة عن واجباته تجاه المواطنين الذين ينتظرون كشف الحقائق وفهمها من خلال وسائل الإعلام.