نجاحات حملة “عبير” لإزالة التجاوزات… تثير مخاوف المعدَمين

151

إياد عطية الخالدي /

تحقق “حملة عبير” لإزالة التجاوزات نجاحات، وتواصل أمانة بغداد جهودها التي شملت عدداً من الأحياء بهدف رفع التجاوزات عن الأرصفة والشوارع والساحات العامة وضفاف الأنهار التي استغلها الباعة الجوالون والمواطنون، على الرغم من تعرض موظفيها لحالات اعتداء وهم يؤدون واجبهم المهني.
وبينما ترزح شوارع بغداد والمدن الكبرى في المحافظات كافة تحت ضغط التجاوزات التي ابتلعت كثيراً من شوارعها وأرصفتها، وتتوسع عمليات إنشاء الأحياء والعشوائيات بفعل أزمة السكن التي تستغلها جهات نافذة تستحوذ على كثير من المناطق وتتولى عمليات فرزها وبيعها إلى المواطنين بمبالغ مقبولة في ظل ارتفاع كبير في أسعارها وعجز الدولة عن تلبية متطلبات مواطنيها بسكن لائق يضمن لهم حياة مستقرة.
وما بين إهمال الدولة لتجاوزات صارت بمثابة أمر واقع، وبين أزمة سكن كبيرة، انطلقت حملة “الشهيد عبير” لإزالة التجاوزات بمواجهة تركة هائلة من المعوقات القانونية والإنسانية، ولاسيما أنها تستهدف في الغالب الفقراء وذوي الدخل المحدود، وتشير الانطباعات الأولى للحملة أن الجهات المعنية بتنفيذها تجري مزواجة معقولة بين تنفيذ الحملة وبين الحرص على عدم إلحاق أضرار كبيرة بالمتجاوزين من المواطنين أصحاب الدخل المحدود ممن يعيشون على تلك البسطات الصغيرة.
جدلٌ واسع
وأثارت الحملة جدلاً واسعاً، ولاسيما أن عمليات الاستحواذ على أملاك الدولة ألحقت أضراراً كبيرة بالمدن العراقية وبالتخطيط الأساسي لها، فثمة تجاوزات كبيرة ارتكبتها جهات نافذة استحوذت فيها على أراضٍ تصل قيمها إلى مليارات الدنانير لكنها كانت الملاذ الوحيد أمام ملايين المهمَّشين لإيجاد مأوىً يحميهم بسعر يناسب إمكاناتهم المحدودة.
وبينما تحظى عملية إزالة التجاوزات على الأرصفة والشوارع بدعم شعبي، فإن محاولات هدم مساكن ملايين المواطنين الذين يسكنون في أحياء تعود ملكيتها إلى الدولة تواجه برفض رسمي وشعبي، ولاسيما أن تداعياتها الإنسانية والاجتماعية تسلب حق السكن للعراقي الذي كفله الدستور. ويسود اعتقاد بأن على الدولة أن تجد البديل للمواطنين الذين يتخذون أملاكها سكناً لهم قبل أن تزيل تلك التجاوزات.
وبحسب إحصاءات غير رسمية، فإن نحو أربعة ملايين مواطن يعيشون في مناطق متجاوز عليها، وإن أغلبهم بنوا تلك التجمعات بمساعدة جهات نافذة، وقد جنى الفاسدون أموالاً طائلة من تلك العشوائيات أو ما يسمى بـ (مناطق الحواسم).
حق السكن
يقول (علي غضبان) الذي يسكن في بيت متجاوز: لقد سقط النظام والعوائل العراقية تعيش في بيوت الصفيح وفي خيام الفقر تحت الجسور، لم يكن أمام الناس إلا الذهاب لاستغلال أي مكان لإشغاله.
ويضيف: إن هذه الحملات تبث الرعب في قلوب المواطنين لأنها تهدد بضياع عوائلنا، مؤكداً: نحن لسنا متجاوزين بل متجاوزٌ علينا وعلى حقنا في العيش ببقعة آمنة في هذا الوطن، فكل الحكومات لم تفكر بنا ولم تجد حلولاً لأزمة السكن قبل تهديدنا بهدم مساكننا، ماذا سنفعل؟ لن نترك أماكننا حتى وإن هُدمت على رؤوسنا، واذا كانوا يطالبوننا بإزالة التجاوزات فلماذا لا يمنحوننا قطعة أرض، كثير منا تحسنت حالته ويمكنه أن يدفع للدولة، التي بدلاً من أن تلجأ إلى هدم البيوت على رؤوس أصحابها، يمكنها بيعها إلى المواطنين بأسعار مقبولة.
ولا شك في أن من المهم أن توضع أولويات يمكن تحقيقها لإزالة التجاوزات المتعددة الأشكال، وفي مقدمة هذه الأولويات وقف التجاوزات قبل أن تصبح عملية إزالتها باهظة على المستوى الإنساني والاقتصادي. فبعد أيام من إعلان رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي عن انطلاق “حملة عبير” مدير بلدية كربلاء، الذي اغتيل أثناء تنفيذه إزالة التجاوزات على الأملاك العامة في محافظة كربلاء، حين داهمه أحد المتجاوزين وأطلق عليه الرصاص، بدأت حملة واسعة لإزالة التجاوزات.
وقد أثارت الجريمة التي استهدفت مسؤولاً يؤدي واجبه غضباً شعبياً ورسمياً، وكانت الدافع الأساسي لانطلاق هذه الحملة في بغداد والمحافظات، لكنها واجهت انتقادات واسعة لأنها لم تراعِ في جانب منها بعض المتجاوزين من المعدمين ممن لا يمتلكون مصدر رزق آخر أو مسكناً بديلاً يؤويهم، وكان الأجدر أن تجري العملية على نحو منظم وألّا تضع مصير الناس تحت رحمة قرارات ارتجالية تولد نتيجة ردة فعل.
وطوال عقدين تخلت الجهات المعنية، ولاسيما الدوائر البلدية في المحافظات وأمانة بغداد، عن مهامها في ملاحقة التجاوزات على الأرصفة، بل إن المتجاوزين ظلوا يدفعون مبالغ مالية لمراقبي البلديات مقابل صمتهم.
حملات
وفي باب المعظم حيث تحول أحد الشوارع إلى سوق لبسطات بيع الفواكه والخضار والأسماك، يشكو عدد من الباعة أن الحملات لم تتوقف ضد وجودهم، رغم أنهم يدفعون مقابل الأماكن التي يقتطعونها من السوق. وعلى الرغم من أن الحملة التي جرت في هذا السوق لم تلحق ضرراً كبيراً بهم، حيث فتحت أمانة بغداد الشارع ودفعت أصحاب البسطات إلى الأرصفة في حل وسط لشارع استغل حتى غدا سوقاً شعبية. ويقترح (جاسم الشويلي)، وهو أحد الباعة المتجاوزين، أن تقوم الأمانة بتحويل هذا الشارع إلى سوق وتؤجره إلى الباعة، لكن تجارب إنشاء الأسواق لم تكن ناجحة، فمعظم الباعة يتركون الأسواق المنظمة ويذهبون لابتلاع الأرصفة.
بدائل
يقول المخطط العمراني (مؤيد الأديب) إن المواطنين كافة يدعمون رفع التجاوزات الموجودة في كل المحافظات شريطة توفير البديل المناسب للمتجاوزين وألا نجعلهم عرضة للفقر والجوع والارتماء في أحضان الجريمة والضياع وإهانتهم بطرق تعسفية. ويضيف: من واجب الدولة بناء أسواق عصرية لأصحاب الدخل المحدود، وهذا موجود في كل دول العالم، حيث تصمم أكشاك وبسطات بلمسات جميلة وتوضع في أماكن مناسبة لا تؤثر على الأرصفة والشوارع وحركة مرور السابلة والسيارات. كما أن من واجب الدولة أن توفر وحدات سكنية للمتجاوزين قبل أن ترميهم في الشوارع وتهدم منازلهم بالقوة وحدها.
وطالب الأديب بمحاسبة المسؤولين عن هذه التجاوزات ومن باعها إلى المواطنين، ومن سمح لهم بالبناء وإيصال الخدمات وكلها كانت مقابل أموال دفعها المتجاوزون.
قيما يقول (كريم الياسري)، الضابط في الشرطة الاتحادية، إن الدولة عليها أن تهيئ أسواقاً للباعة المتجاوزين ثم بعدها ترغمهم على احترام القانون، فقد بلغت التجاوزات على الأرصفة والشوارع حداً غير مقبول، وبات بإمكان كل شخص أن يضع بسطته في أي شارع.
ويضيف: أن التجاوزات استمرت فكثير من المواطنين صاروا يبتلعون الأرصفة ويضيفونها إلى منازلهم، بينما نشاهد المراقبين يبحثون فقط عن مخالفات يجري حلها بدفع مبالغ مالية، فهم يبحثون عن أصحاب المنازل التي تجري فيها ترميمات أو المنازل قيد الإنشاء لابتزاز أصحابها، وهذا أمر معروف يدركه الناس ومسؤولو الأمانة والبلديات.
نجاحات حققتها الحملة
في أحياء كثيرة من بغداد حققت أمانة بغداد نجاحات واضحة بإزالة التجاوزات على الأرصفة بعدما وجهت إنذاراً للمتجاوزين تجاهلوه مثل كل مرة. تؤكد المواطنة (سرى ياسين) دعمها لحملة إزالة التجاوزات شريطة أن تجري بعدالة وأن لا تفرق بين مواطن وآخر، مشيرة إلى أنه لم يبق رصيف في شوارع بغداد يمكن السير عليه، فقد تجاوز عليه أصحاب المحال والبسطات وانتقلت العدوى إلى المواطنين أيضاً.
وقال مواطنون من أهالي الأعظمية إن الأمانة يجب أن تعالج الاعتداء على الأرصفة سواء من أصحاب البيوت أم أصحاب المعامل. وقال (طارق عادل): كنا نستنشق الروائح الطيبة من مشاتل الأعظمية، لكن جرى التجاوز عليها أمام أنظار المسؤولين في بلدية الأعظمية. وأشار إلى أن الناس، ولاسيما في المنازل المجاورة للمشاتل، تعاني من الروائح الكريهة التي تنبعث من هذه المشاتل بعد أن تحولت إلى أسواق لبيع وشراء الكلاب والحيوانات الأخرى.
أمانة بغداد
وقد اتصلت “مجلة الشبكة” مراراً بالناطق الإعلامي لأمانة بغداد (محمد الربيعي)، لكنه رفض الإجابة على رسائلنا واتصالاتنا، وبلغ الأمر أن رفض المكتب الإعلامي للأمانة السماح لنا بمقابلة أي مسؤول ومتابعة جهود الأمانة المهمة في إزالة التجاوزات، وبقينا ننتظر تحت أشعة الشمس ونحن بانتظار السماح لنا بعد أن وعدنا أحد المنتسبين في المكتب بالمساعدة في الدخول إلى مؤسسة عراقية ينبغي أن تكون أبوابها مفتوحة أمام الإعلام الوطني، ونعتقد أن الامتناع عن التحدث إلى الإعلام الذي يحمل مشعل الدفاع عن الوطن وهموم الناس لن يفيد الأمانة بشيء، ولن يساعدها في إيصال رسالتها ونأمل أن تعيد النظر بموقفها من مجلة “الشبكة العراقية”. ومع هذا فإن الشبكة العراقية تشيد بجهود الأمانة بتنفيذ هذه الحملة بوعي ومسؤولية وحرص على مصالح الناس البسطاء.
وقد أكد أمين بغداد (علاء المعمار)، في بيان له، العزم على استمرار إزالة التجاوزات والمخالفات في العاصمة. وبحسب البيان فقد أوضح المعمار أن “أمانة بغداد تواجه تركة ثقيلة في حجم التجاوزات الجسيمة التي شوهت مشهد العاصمة الحضري، فضلاً عن تحديات كبيرة منها عدم تطبيق القانون والاعتداءات المتكررة من قبل المتجاوزين على ملاكات الأمانة”.
وأشار إلى أن “أمانة بغداد نجحت في تنفيذ حملة كبيرة أزالت خلالها عدداً كبيراً من التجاوزات على ضفاف نهر دجلة بالتعاون مع القوات الأمنية ووزارة الموارد المائية”. ودعا تشكيلات القوات الأمنية للتعاون مع ملاكات أمانة بغداد وإسنادهم في عملية تطبيق القانون. وأشار المعمار إلى أن أهم المعوقات التي تواجه الأمانة هي تمادي المتجاوزين على القانون والاعتداءات المتكررة على الموظفين.
وأوضح في حديث متلفز تابعته “الشبكة” أن المخالفات والتجاوزات المتراكمة توزعت بين تجريف الأراضي الزراعية وتحويلها إلى سكنية وبين التجاوز على أراضٍ تعود إلى ملكية الدولة.
وبين المعمار أن استشهاد مدير بلدية كربلاء وزيارة رئيس الوزراء للمحافظة وإشرافه على حملة التجاوزات أعطى دافعاً كبيراً لكل موظفي الدوائر البلدية في أمانة بغداد للاستمرار بتطبيق القانون، وحذر من أن هناك اجراءات في أمانة بغداد تجاه الموظف الذي لايؤدي عمله أو المتراخي في أداء واجبه، مبيناً أن جميع الموظفين في الدوائر البلدية معرضون للمساءلة القانونية واللجان التحقيقية في حال عدم إزالة التجاوزات بمراحلها الأولية.
وتحظى جهود أمانة بغداد، ولاسيما في موضوع إزالة التجاوزات عن الأرصفة والشوارع والساحات العامة والمتنزهات والمشاتل والمناطق الخضراء بدعم شعبي ورسمي، لكن ثمة مخاوف من أن تطال تلك الحملات مساكن المتجاوزين الفقراء وإلحاق الأذى بهم، إذ ينبغي هنا تشكيل لجان خاصة تراعي حق المواطنين، ولاسيما الفقراء والمعدمين، بالعيش الكريم ومساعدتهم في الحصول على مسكن قبل إزالة التجاوزات.