نساءٌ قائدات ورجالٌ سعداء

38

جواد غلوم /

في عالم تحكمه المرأة في كل جانب من جوانب الحياة، فهي الزعيمة السائدة والقائدة والمسؤولة على كل الممتلكات، وهي القول الفصل في مسائل النسَب والوراثة وانتقال الملكية، وهي اليد العاملة ومالكة وسائل الانتاج وسيدة البيت والمصنع والمزرعة وراعية الأطفال؛ وباختصار شديد هي ربّ الأسرة وربة الأسرة معاً .
ربما لم تسمعوا عن قبيلة “الموسو” التي تدير نساؤها كل شيء وتحكم كل شيء حيث لا دور للرجل في كل مايجري سوى الطاعة العمياء لحكم النساء والانصياع لأوامرهنّ. فالمالك هي المرأة ؛ والوريثة هي المرأة ؛ والمال والإرث تنقله الأم إلى بناتها الوريثات الشرعيات. أما الذكور من أبنائها فلا نصيب لهم، لا في الممتلكات المنقولة ولا غير المنقولة، فلا مال في جيب الرجال كي يصرفوه على ملذّاتهم وأهوائهم، حتى أن كلمة “أب” مشطوبة في لغتهم ولا تَعني شيئاً ذا قيمة وأهمية على الإطلاق. فحينما تنجب المرأة يحمل الوليد اسم أمه وينتسب إليها فقط، وليس للأب حقّ في حضانة أولاده مهما كانت الظروف، فهو مجرد وسيلة لابدّ منها لإنجاب الذريّة فقط. أما الزواج والاقتران عند هؤلاء فلا قيمة له ولا يعتبر رباطا مقدّساً.
الجميل في هذا المجتمع أنه يتّسم بعدم وجود جرائم السرقة وحوادث الاغتصاب والتحرّش الجنسي، ولا معنى لكلمتي حروب أو سجون، هذه الجرائم مشطوبة تماماً في سجلاّتهم، فلا مطامع في دواخل نفوس هؤلاء رجالا ونساءً، ولا منظمات تنادي بحقوق المرأة ومساواتها مع الرجل وزيادة كوتا النساء أو حقوق الأطفال، ولا نزاعات حول حول ملكية عقارٍ ما أو قطعة أرض تعود لهذه المرأة أو ذاك الرجل، ولا قانون للأحوال الشخصية وخصومات المحاكم بشأن حضانة الاطفال ومصاريف النفقة وما إلى ذلك مما تعجّ به مجتمعاتنا ومحاكمنا.
الرجال هناك سعداء جداً عندما سلّموا زمام أمورهم لنسائهم، لا لتفوقهنّ الجسدي، بل لتقدير عالٍ لخصائص المرأة الإنسانية وقواها الروحيّة الأصيلة والعميقة وقدراتها العاطفية التي تفوق كثيراً قدرات الرجل؛ فالقوة ليست في البناء العضلي للرجل وإنما بالقوّة الناعمة التي تتحلّى بها المرأة وإيقاع جسدها الذي ينسجم مع إيقاع الطبيعة، فمن عجائب الجسد الأنثوي وشفافية روح المرأة أنها كانت الوسيط بين عالم الإنسان وعالم الآلهة منذ عهود الإنسان القديم وعلاقته بالمعتقدات التي كان يرتبط بها روحياً.
والمفرح هو أن رجال قبيلة “الموسو” لا توجد لديهم أية نوايا للتمرّد أو تغيير قوانين حكم القبيلة وزعامة النساء لمجتمعهم، فهم سعداء بهذا الأمر؛ لكني أحذّر رجالنا من أن يفكّروا باللجوء إلى هناك والانضمام إلى صفوف هذه المجموعة البشريّة، فالنساء هناك لا يقبلْن ايّ دخيل يحلّ بين ظهرانيهنّ أو لاجئ يأوي إليهنّ، فلديهنّ من الرجال ما يكفي لمهمة الإنجاب فقط!
هؤلاء “الموسو” الذين يعيشون على ضفاف بحيرة / لوغو، قريباً من حدود مقاطعتي يونان وزيتشوان في الصين، لا صلة لهم بقوانين ونظم الدولة الصينيّة التي تحكم المليار ونصف المليار نسمة، ولا يربطهم مع الدولة الصينية سوى الانتماء والمواطنة.
يجدر بنا القول إن دولة الصين متفهّمة للقوانين الخاصة بهم وأعربت مراراً عن عدم رغبتها في تغيير نظم ومفاهيم هذه الفئة الصغيرة طالما أن هؤلاء لا نيّة لهم للتمرّد أو التغيير، لا الآن ولا في المستقبل.