هؤلاء لا يريدون أن يربحوا المليون

80

جواد غلوم /

أثار انتباهي مؤخرا خبرٌ قرأته في إحدى الصحف البريطانية ويتضمّن استبيانا طريفا للرأي أجراه أحد المصارف المالية العريقة في المملكة المتحدة شملت عينات عشوائية من الناس المترددين على المصرف من مختلفي الأعمار ومن مستويات ثقافية متعددة (التعليم الأساسي حتى الشهادات العليا) إضافة إلى مختلف الطبقات (الفقيرة والمتوسطة والغنية).
شمل الاستبيان أسئلة عن أماني المراجعين بشأن حب المال والطموح نحو الثراء ومخططاتهم المستقبلية للحصول على الثروات الهائلة وعدد الذين يطمحون إلى الحصول على ألقاب المليونير والملياردير، وبعد إجراء الفرز الدقيق لهذه العيّنات أظهر هذا الاستبيان ما يلي :
1- هناك فرد واحد فقط من كلّ خمسة وعشرين فردا شملهم الاستطلاع يطمح أن يكون مليونيرا.
2- أربعة أفراد من كلّ عشرة قالوا إنّهم يكتفون بالحصول على متطلباتهم واحتياجاتهم الأساسية في الحياة ولا يريدون المزيد .
3- نسبة 31 % من هذه العيّنات أجابوا أنّهم لا يخططون لا على المدى البعيد أو القصير للحصول على الثروة، وجلّ همّهم الإيفاء بمتطلباتهم الآنية التي تستر حياتهم من العوز والفاقة، أمّا الثروة فلا تأتي الا بضربة حظ .
4- سبعة وعشرون بالمئة ممن شملهم الاستبيان فضّلوا العلم والمعرفة على المال والغنى.
فما حاجة الانسان في مجتمع راقٍ ودول ترعى مواطنيها إلى المال طالما أن الدولة توفّر له فرص العمل وفق اختصاصه وتؤمّن له ولأسرته تأميناً صحياً مقنعاً وتسعى أن تستر مواطنيها من العوز والفاقة وتخفف عنهم أعباءهم المالية قدر مستطاعها على العكس منا نحن بلد ومأوى طغى فيه الفساد ولم تسلم منه لا الرعية ولا الرعاة الاّ من رحم ربي.
استطلاع الرأي من خلال اعتماد أسلوب الاستبيان وأخذ عينات من المجتمع سواء كانت عشوائية او منتقاة مستندا إلى طرق إحصائية علمية هي السبيل الأمثل والأصوب للوصول إلى نتائج واستنتاجات قد تصل إلى عمق الحقيقة أو تلامسها على الأقل وهذا ما دأبت عليه العديد من المؤسسات الإعلامية المرموقة الكبرى والصحف التي تحترم قرّاءها بل وحتى الكثير من المؤسسات غير الإعلامية التي لها مساس بالناس والعملاء الذين يتواصلون معها، إنها بمثابة جسّ نبض القارئ أو الشخص الذي تريد الجهة أن تعرف ما يجول في رأسه من أفكار وأمانٍ وطموحات.
ما قرأته شيء يفرح الإنسان حقا، فالمال وإن كان الغطاء المصون لمالكه والخادم المطيع لسيده والجالب لاحتياجات الفرد والفِراش الوثير المريح لقابضه والسكن الرغيد لكنَّه ليس هو العزّ وحده، فطيلسان العلم والأدب أكثر ستراً للمرء وأعظم هيبة من كلّ كنوز الدنيا مهما قيل في أهمية الثروة وسحرها الذي يخلب الألباب ولكن لا يدرك هذه الحقيقة سوى السائرين في دروب المعرفة الذين يعرفون قيمة الجمال في لوحة فنية رائعة أو قصيدة عصماء أو سبك نثري يوغل في القلب والروح كمعين ماء رائق يسري في الجسد ليبثّ الحياة فيه؛ أو عمل نحتي يبهر الناظرين أو مقطع غنائي يطرب الآذان، ويحضرني رأيّ رائع لجبران خليل جبران يقول فيه:
” خذ كلّ ما عندي من نفائس ومدخرات ولكن امنحني مسحة من الجمال تبهج قلبي وعيني وتثير أحاسيسي”.
فالفن هو عصارة الروح وخفقان الفؤاد وصفاء السريرة ومرأى العيون ونبع الوجدان ومسمع الانغام، أما العلم فهو رقيّ الانسان ومقياس تقدم الشعوب وبناء الأرض وإعمارها وتوسيع آفاق العقول وازدهار البشرية كي تعيش في نعيم الله الذي منح العقل مساحات شاسعة من التفكير النيّر الذي يضفي على الدنيا البهجة والسرور والشكر الدائم للخالق العظيم الذي حبانا بالعقل والعاطفة معاً لنسمو بالإنسان إلى أعلى درجات النهوض، فلنجعل المال وسيلة وسلّما للرقيّ والبناء والتحضّر وهو الغاية التي نريد.
قيل الكثير من الحكم والأمثال في فضل العلم والأدب وسموّه للنفس البشرية وتطهيرها من الجهالة والمطامع الآنية لكني لم أجد أكثر حكمة واتقانا وإصابة من قول لسيدنا علي بن أبي طالب / كرّم الله وجهه حينما سُئل: أيُّهما أفضل المال أو العلم؛ فأجاب :” العلم أفضل من المال لأن العلم يحرسك؛ أما المال فأنت تحرسه”.