هل كان الزعيم قاسم على علم بتحركات الانقلابين؟

178

ملاذ الأمين /

تولى عبد المجيد البياتي مديرية الأمن العامة بعد نجاح ثورة الرابع عشر من تموز وتأسيس الجمهورية العراقية، وكان وفياً للزعيم وللجمهورية الجديدة، إذ كانت تربطه علاقة صداقة وعمل مع الزعيم عبد الكريم قاسم، فقد عملا معاً في أكثر من موقع في الجيش العراقي.
ولد عبد المجيد جليل جمعة البياتي عام 1910 في قرية المنصورية التابعة إلى قضاء شهربان/ المقدادية – محافظة ديالى، وهو من عائلة فلاحية تمتلك أراضي زراعية وبساتين، فتمرس في صغره على الفلاحة وصيد السمك، نظراً لقرب قريتهم من نهر ديالى.
أكمل دراسته الابتدائية في المنصورية، وكان يتردد على مدينة شهربان، حيث أخواله من عائلة آل الأمين المشهورة في المدينة، ثم أكمل دراسته في معهد إعداد المعلمين في مدينة بعقوبة، وعين بعد تخرجه عام 1929 معلماً في قريته المنصورية. سافر بعد سنه إلى بغداد وعيّن كمعلم تربية رياضية، وكان سكنه في محلة الفضل مع موظفين من أهالي ديالى، حيث كانت احدى العوائل البسيطة تقوم بخدمتهم من تحضير الطعام وغسل الملابس مقابل أجر..
الكلية العسكرية
في سنة 1930 سمحت الحكومة للمعلمين من خريجي دار المعلمين، بالالتحاق بالكلية العسكرية بعد التثبت من سيرهم هم وعائلاتهم. وبعد قبوله فيها تخرج منها برتبة ملازم ثان وأصبح معلماً في الكلية، ثم ضابط ألعاب الكلية، وحينها حصلت الكلية على عدد من الكؤوس خلال المسابقات الرياضية، مثل الركض وركوب الخيل والرماية والملاكمة، التي مازالت موجودة يحتفظ بها أولاده.
شارك الضابط عبد المجيد في جميع المعارك والحركات عقب حركة مايس- حركة رشيد عالي الكيلاني- عام 1941، ففي عام 1948 شارك في حرب تحرير فلسطين وحركات الشمال، وعمل في الاستخبارات العسكرية في وزارة الدفاع لغاية 1957، ثم عين آمر فوج في لواء 19 الذي كان مقرة في منصورية الجبل حتى انبثقت ثورة 14 تموز 1958.
وكان العميد عبد المجيد، وفي جميع مراحل عمله في الجيش، وبعد ثورة 1958، يستقبل في داره عائلات المواطنين المحتاجين، الذين يطلبون منه التدخل لإنصاف أولادهم ، وكان لا يتوانى في فعل الخير وتقديم يد العون لهم، فقد كان أميناً للفقراء، ومناصراً معنوياً وداعماً لفعل الخير بشتى الصور، كما كان يبذل المستحيل لمساندة المحتاجين وغرس روح المحبة للوطن والتضحية لأجله.
انقلاب 1963
يروي ابنه (هيثم عبد المجيد)، نقلاً عن المرحومة والدته، أن “والده كان يتحدث عن مخطط ضد الجمهورية، وأن الزعيم كان على علم بهذا المخطط. وفي صبيحة يوم الجمعة (اليوم الأسود) 8 شباط 1963، كان الوالد حينذاك في البيت وسمعته يوجه أوامره بأعلى صوته من خلال الهاتفين الأرضيين، الخاص والعام، ويعطي الأوامر إلى آمري الألوية بالتحرك لإفشال التآمر على الزعيم عبد الكريم قاسم.. وسمعته يتحدث إلى آمر اللواء التاسع عشر الذي كان مرابطاً في معسكر الرشيد جنوبي بغداد، ويأمره بالتحرك والسيطرة على المعسكر من جميع جوانبه، وألا يسمح بالدخول لأي شخص وعربة إلى داخل المعسكر، لكن مع الأسف، لم يلتزم آمر اللواء بالتوجيهات بسبب تأثير بعض (الخونة)، لذلك فلم يتحرك من مقره. هذا ما عرفته من والدتي المرحومة بعد الانقلاب.”
عقارات وأراضٍ
أضاف هيثم أنه بعد مرور أكثر من سنتين على انقلاب 1963، اتصل بالعائلة أحد ضباط الأمن العامة، كان يعمل مع الوالد، وأخبرنا بأنه يمتلك إضبارة شخصية للمرحوم، وطلب أن يسلمها لنا، وفعلاً تسلمتها الوالدة (رحمها الله)، وشكرناه على أمانته، فقال إن المرحوم كان يثق بي إذ كنت الساعد الأيمن له وهذه الإضبارة احتفظت بها، لأهميتها الشخصية، في بيتي بعيداً عن أنظار الدائرة (الأمن العامة). وعند تفحصنا الإضبارة فرحنا كثيراً لوجود أراض وأملاك باسم المرحوم، وشعرنا بأنه تعويض من الله عما حصل لدارنا من تدمير وسرقة محتوياته كاملاً من قبل القتلة في شباط 1963، فقد كان دارنا في منطقة العلوية، تابع إلى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وقد نهب بالكامل. عرضنا الإضبارة على عضو محكمة التمييز القاضي نور الدين خالص الداغستاني، الذي أكد صحة ما ورد في الإضبارة وأن المرحوم لديه أراض واسعة في الرستمية جنوبي بغداد، وهناك سندات باسمه، لكنه تنازل عن الأرض إلى الحكومة بمناسبة نجاح ثورة 14 تموز 1958 وسجلت باسم وزارة المالية، وهي الآن تسمى مدينة نواب الضباط في مقاطعة الرستمية، فقد كان المرحوم يؤكد لنا أننا “يجب أن نعمل لأجل الوطن وأن نعطيه ما نملك ولا ننتظر أن نأخذ منه شيئاً.”