وهي تلفظ آخر قطرة ماء بحيرة ساوة جفت المياه وبقيت الألغاز

389

يوسف المحسن – تصوير: حسين طالب/

اقترنت بمخيّلة الحالمين، واستمالت العاشقين للجمال والسحر، أساطير وخرافات ومعتقدات حولتها الى بقعة أسرار ملهمة للحكايا، لؤلؤة وهبت الحيوية والإشباع الروحي لمن قصدها، اليوم تنطوي وتلم مويجاتها مثل بساط متشقق لكي تلفظ آخر قطراتها.. وربما آخر أسرارها وتختفي، انها ساوة.
نادراً ما تُذْكَر السماوة دون أن يطفو على المخيلة حديث عن بحيرة ساوة، الأعجوبة التي شغلت الباحثين والدارسين بغرائبيتها ومكوناتها وكائناتها والأساطير التي حيكت حولها، في سمائها حلّق البط الغراوراسي والهدهد العراقي، وعلى سطحها تهادى غطاس الماء، وفي مياهها الأشد ملوحة من الخليج، نمت الطحالب النادرة ونوع صامد من سمك الأفينوس دسبير، الذي يذوب في اليد ويختفي حال الإمساك به، ونوع أكثر ندرة من الحلزون. شهد محيطها حضوراً لغرير العسل وثعالب الرويل وثعابين الماء والزواحف، أما الأسرار والألغاز فهي الكائنات التي تكبر وتصغر مع الزمن، وما ميزها عن ست وعشرين بحيرة عراقيّة، هي ملتقى العابرين من والى الصحراء ووجهة للسائحين والصيادين والباحثين عن الهدوء والسكينة.
قبل 15 عاماً
طوال سبعة عشر قرناً من وجودها كمسطح مائي ورد ذكره في المصادر التاريخيّة، فالبحيرة الواقعة الى الشمال الغربي من مدينة السماوة وصفت بأنّها عبارة عن بركة ماء كبيرة وبمساحة 5كلم2 ونوّهت الدراسات لتشكلها قبل عشرة آلاف عام، ترتفع عن البحر بـ 20م وعن نهر الفرات بأحد عشر متراً، طولها 4700م وعرضها 1770م ولها جدران كلسيّة تكوّنت من ترسبات مياهها المالحة بسمك 12م، فيما عبرت أعماقها الستة أمتار، جدرانها تشبه نبتة البروكلي تمنع تسرب المياه للمناطق الواطئة، ولون مياهها يعكس الزرقة الصافية ويميل للاخضرار كلّما اقترب من الشاطئ. يقول رئيس قسم الجيولوجيا البحريّة في مركز علوم البحار بجامعة البصرة الدكتور وسام رزاق مطشر “إنَّ البحيرة هي جزء من سلسلة العيون والبحيرات التي نشأت من تصدّع أرضي يُسمّى فالق أبوجيرن، وضمن النطاق الجوفي الذي يبدأ من شمال الجزيرة العربية وعلى امتداد بحيرتي الرزّازة والثرثار.” مطشر أكّد لـ(الشبكة) أنَّ بحيرة ساوه كانت من الأماكن السياحيّة المهمّة.
ساوة ليست ساوة !
جمال البحيرة وهيبة تلاطم مويجاتها على حائطها الكلسي، والغموض الذي يصاحب الحكايات المتداولة عنها أوقع الكثير من الدارسين والعاشقين لها في لبس خلط أوراقها مع مدينة ساوة الإيرانية وبحيرتها التي أشارت لها مصادر تاريخيّة، ونقلت القصة التي تحدثت عن الرؤيا التي شاهدها ملك الفرس في منامه. تقول القصة -التي وردت في اكثر من مرجع تاريخي من بينها المورد الهني للحافظ العراقي والجزء الخامس عشر من كتاب بحار الأنوار للمجلسي- إن الليلة التي ولد فيها النبي محمد ص شهدت ارتجاج إيوان كسرى “وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار الفرس وهي لم تخمد منذ ألف عام، وغاضت بحيرة ساوة”، وورد ذكر ساوة في معجم البلدان لياقوت الحموي ج٣ ص١٧٩ “كانت بحيرة ساوة قرب مدينة ساوة في بلاد فارس وهي بلدة بين طهران ـالري سابقاـ وبين همذان”، وكذلك في دلائل النبوة للحافظ البيهقي وتاريخ الطبري ج١ ص٥٨٠.
أما الكلمات التي نطق بها كاهن كهان الجزيرة العربية سطيح لابن اخته عبد المسيح، الذي جاء مبعوثاً من ملك الفرس للاستعلام عن مدلولات رؤيا المنام التي قال فيها “ياعبد المسيح إذا كثرت التلاوة، وبعث صاحب الهراوة، وفاض وادي سماوة، وغاضت بحيرة ساوة فليس الشام لسطيح شاماً، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات وكلما هو آت آت …الخ ” والدلائل تشير الى بحيرة اسمها ساوة تبدل ماؤها يوم ولادة النبي ص، وعرفت بادية الشام قديماً ببادية السماوة، ويورد ياقوت الحموي “إنما سميت السماوة لأنها أرض مستوية لا حجر فيها”، ويحددها المقدسي بـ “من أعالي الأردن الى الأنبار ثم سواد البصرة إلى عبادان.”
اللغز لم يعد لغزاً
الحكايات عاشت عند جرفها وفي مقاهي المدينة ومجالسها والكثير من الحلقات الدراسيّة حول مجهولية مصادر مياه بحيرة ساوة، لكن التقرير الذي أعده فريق متخصص من جامعة المثنى ومركز علوم البحار في جامعة البصرة ووزارتي الموارد المائية والصناعة والمعادن، بالشراكة مع مؤسسات أخرى، أشار الى أن مصدر مياه البحيرة هو خزان الدمام عبر عين متدفقة في وسطها ـ سبق لفريق قناة العراقية ومن خلال التصوير الجوي عام2005 أن سجل مقاطع فيديوية تُظهر تدفّق العين المُجهِّزة وكانت هي المرة الأولى التي تجري فيها ملاحظة هذا التدفق ـ رأي اتفق عليه الدكتور وسام رزاق والدكتور يوسف الصفراني، وهو رئيس قسم ساوة والمستوطنات البشريّة في مركز البادية بجامعة المثنى، اضافة الى الدكتورة صوفيا جبار جاسم مديرة المركز، التي قالت لـ(الشبكة): “لا بحر قزوين ولا مكان آخر، ساوة لا تحتمل هذا الكم من التكهنات، لأنّها بحيرة تتغذى على المياه الجوفيّة من خزان الدمام، وهذا ما اثبته التقرير المشترك، علاوة على ذلك فإن فريق جامعة فراي بالك الألمانية أثبت هذا الرأي.”
من جانبه، قال الدكتور أحمد سرداح، وهو رئيس الجيولوجيين الأقدم في الهيأة العامّة للمياه الجوفية العراقية، حول ما يسود عن مجهولية مصدر المياه “إنَّ مصادر مياه بحيرة ساوة معروفة لدينا، إذ أن المياه تأتي من خزان (مكمن) الدمّام الجوفي، وهو معلوم لدينا منذ البداية، حيث أجرينا تحليلاً لعيّنات بهدف معرفة عمر المياه ومكوناتها مقارنة بالآبار المحيطة التي ترتبط بمكمن الدمام الممتد من بادية السماوة إلى العربية السعودية ووجدنا تطابقاً وتماثلاً يؤكّدان أن البحيرة تتزوّد من هذا المكمن.”
الانحسار الكبير
هي ليست المرة الأولى التي تجف فيها بحيرة تحمل اسم ساوة، فإضافة لما جاء في معجم البلدان فكتاب “المواهب اللدنية بالمنح المحمدية” للزرقاني أورد وصفاً لبحيرة تحمل ذات الاسم، قال إنّها بين همذان وقم، نشف ماؤها بعد أن كانت تركب بها السفن.”
وجاء ذكرها أيضاً في كتاب الماوردي “أعلام النبوة”. يقول الدكتور أحمد سرداح “منذ العام 2006 بدأ انحسار ساوة نتيجة ازدياد عدد الآبار المائية، وإنّ الدراسات أثبتت وجود الانحسار الذي توافق مع زيادة عدد الآبار غير (القانونيّة) من قبل القطاع الخاص.”
وانحسار مياه البحيرة مستمر، تشير الى ذلك الدكتورة صوفيا جبار بالقول “إن الصور الجويّة التي التقطت تؤكّد جفاف البحيرة وأن الانحسار وصل الى عين المياه الموجودة في وسطها.” وتضيف “نحن فاقدون للبحيرة ولا يوجد أي نوع من التحسّن”، مؤكدةً أن الأسباب التي تقف وراء ما يحصل هي بشريّة (صناعيّة وزراعيّة)، أسباب كمثل الاستنزاف الجائر للمياه الجوفيّة، وعن ذلك تقول “التوسّع في النشاط الزراعي والصناعي خارج الضوابط وبلا خطّة مسبقة هو ما أثر على مخزون المياه الجوفيّة وبالتالي جفت البحيرة.”
وتتطابق رؤية الدكتور وسام رزاق مطشر عن أسباب انحسار البحيرة الدراماتيكي -كما أسماه- إذ قال “إن التقرير المُعد أشار صراحة الى أسباب بشريّة -وليست طبيعيّة- ارتبطت بالاستنزاف الهائل للمياه الجوفية.”
فيما يضيف الدكتور علي حنوش قائلاً “مملحة السماوة القريبة من البحيرة تنتج 200 ألف طن من الملح الخام سنويّاً، وهي بذلك تستهلك مياهاً كثيرة، ولابد من مراجعة الجدوى الاقتصاديّة وتقنين عملية سحب المياه.” وعن ذلك أشار الباحث أحمد السلامي الى أن الاستثمار الحقيقي في المملحة “هو بنصب معامل لإنتاج الكلور السائل وغاز الكلور والصوديوم ومركبات أخرى بالكميات الحالية من الأملاح بدلاً عن انتاج المادّة الأوليّة للملح الأبيض.”
غواصو فراي بالك
وعلى الرغم من الاكتشاف المُبْكِر للضرر الذي حدث في بحيرة ساوة والاقرار بها كمحميّة بموجب معاهدة رامسار للأراضي الرطبة والمسطحات المائية، ومنذ الخامس عشر من ايلول 2015 وزيارة فريق بحثي من جامعة فراي بالك الالمانية في السادس عشر من كانون الثاني 2016 وقيام غواصين بالكشف عن قاعها، إلّا أن الإجراءات الوقائيّة لم ترق الى مكانة البحيرة وقيمتها التاريخية والثقافية، وكان التلكؤ واضحاً في عدم الاعلان الصريح عن الأسباب الحقيقيّة للانحسار، فقد أجرينا مقابلات طوال السنوات الماضية مع متخصصين ومسؤولين وكانوا يحيلون الأسباب الى “اغلاق العيون المجهزة للبحيرة بسبب حركة الصفائح التكتونيّة”، مع ذِكر خجول لعمليّات الاستنزاف الجائر للمياه، وهو ما ثبتت عدم دقته بالمقارنة مع الأسباب التي قدمها التقرير المعد او المقترحات التي وضعتها وزارة الموارد المائية وقدّمتها الى مكتب رئيس الوزراء، إذ تقول الدكتورة صوفيا “حتى الألمان لم يذكروا شيئاً عن الحركة التكوينيّة، والموضوع ناجم عن استنزاف جائر للمياه الجوفيّة، والمطلوب بعد انخفاض مستوى المياه في البادية الجنوبية هو مراجعة عمليات السحب سواء في الزراعة او المملحة او الاستثمار.”
عن ذلك يقول الدكتور أحمد سرداح “البحيرة انحسرت الى 50 متراً، اي العين المجهزة فقط، واذا استمرت عمليّة الحفر العشوائي للآبار فمن الممكن ان تتلاشى البحيرة، لهذا اوقفت وزارة الموارد المائية عمليات حفر آبار جديدة.”
ومثلما اتفق الخبراء الستة على وصف اسباب جفاف بحيرة ساوه واتفقوا على أن لا ألغاز حول مصدر تغذيتها، فهم يُجمعون على إمكانية استعادة البحيرة لشيء من بريقها، وإن بنسب متفاوتة، فيما لو أدخلت التوصيات حيز التنفيذ، لكن الثابت هو أن جفافها كشف آخر ألغازها التي عمّرت طويلاً، وأطلق اسئلة حول فوضى يتركها الإنسان في التوازن الإحيائي للبادية.