يراد تحويل أهم التحف الفنية في العالم إلى أسواق..! أوقفوا استثمار نصب الشهيد

121

آية منصور/

“نحن متوجهون حالياً لاستثمار موقع نصب الشهيد” تأكيد جديد من رئيس مؤسسة الشهداء عبد الإله النائلي، عبر فيه عن نية المؤسسة “استثمار” هذا الصرح الكبير، الذي يتمتع بموقع مهم يسيل له لعاب “المستثمرين”، ومساحة كبيرة هي جزء من النصب لايمكن فصلها عنه.
استوحى الفنان إسماعيل فتاح الترك فكرة نصب الشهيد عندما كان في بيت أحد أصدقائه في كربلاء، حيث صعد الى مكان مرتفع في المنزل، فوقع نظره على مشهد ضريح الحسين (ع) من بعيد، تحرك بضع خطوات جانباً، وإذا بقبةِ مرقد العباس (ع) تظهر من خلف قبة مرقد أخيه الحسين (ع)، وكأن القبة قد انفلقت. أثاره المشهد، وشعر أن هناك حواراً بين القبتين، يصلح أن يكون فكرة لمشروع نصبٍ للشهداء، وهذا ما حصل بالفعل، فجمالية هذا النصب تتمثل في الخداع البصري لهاتين القبتين، حيث يرى الشخص القادم من بداية شارع فلسطين من جهة زيّونة أن القبة تبدأ بالانفلاق تدريجياً.. إيذاناً بولادة أمر ما..!
حماية التراث
ذريعة الاستثمار هذه المرة هي توفير مبالغ مادية لدعم عائلات الشهداء ممن نكن لهم كل التقدير والاحترام، لكن الدولة تحمي هذه العائلات بقانون وتمنحهم مرتبات جيدة، فلماذا نخرب هذا الصرح العمراني الذي لا ينبغي أن يحسب لشخص أو جهة، بل هو صرح لكل شهداء العراق بمن فيهم الشهداء الذين ذهبت أرواحهم ضحية لظلم وجبروت النظام السابق.
المؤسسة التي تستثمر النصب تحقق واردات جيدة من الزيارات وإقامة حفلات التخرج والفعاليات الثقافية، لكنها تخطط للتعاقد مع مستثمر يقيم مشيدات واسعة، كمحال تجارية او عمارات او مولات.
خطة بديلة
هذه الخطة، وحسب قول مدير المؤسسة، تتيح توفير أمرين: أولهما، أن يكون متنفساً، ثم مورداً استثمارياً داعماً للمؤسسة من خلال جباية بسيطة مفروضة، إذ سيكون دعماً لعائلات الشهداء وصندوق الشهداء ورعاية الحالات الصحية والاجتماعية للعائلات، أما الأمر الثاني، حسب قوله، فهو “الانفتاح على مشاريع استثمارية واقتصادية وصناعية وتجارية.”
وقد علل النائلي أسباب استثمار النصب العريق، الذي يمثل إحدى أهم واجهات البلد، بـ “قلة الموارد المادية” للمؤسسة، وحاجتها لمنح الاستثمارات لتوفير الاحتياجات المادية.
وللعلم، فإن هذه ليست المرة الأولى التي جرت فيها إثارة فكرة تهديم، او تحويل نصب الشهيد، الى مقار تجارية، تدر الأموال، ليس إلا، لكنها لربما المرة الأولى التي تأتي بتصريح رسمي.
وصية النحات
يؤكد النحات العراقي أحمد البحراني، أن “نصب الشهيد الذي أنجزه الفنان العراقي الكبير إسماعيل فتاح الترك، معلم مهم واستثنائي، ليس على صعيد العراق فحسب، بل على صعيد العالم.” مبيناً أنه “واحد من أهم الأعمال الفنية العالمية، وبكل جدارة.”
وأوضح البحراني “إن النصب هو بمثابة تحية وسلام لكل شهداء العراق، الذين ضحوا بأرواحهم الزكية من أجل أن نكون اليوم على قيد هذه الحياة، وليبقى عراقنا نابضاً بالحياة.”
أما بخصوص نصب الشهيد، والمقتربات والمساحات والفضاء الذي يحتوي هذا النصب المهم، وبالعودة الى موضوع الفضاء المحيط بالعمل، فقد أشار البحراني ان الراحل اسماعيل فتاح الترك كان يركز كثيراً على ضرورة وجود فضاء كبير ومساحات محيطة بالنصب، وذلك -بحسب مايراه الفنان رحمه الله- أنها مساحات لأرواح الشهداء، وهي ضرورة فنية ومعمارية إضافة الى رمزيتها وأهميتها، إذ أن الفضاء مكمل للعمل النصبي الذي يتوسط هذه المساحات.
فكرة غير منصفة
ويبين البحراني أنه محظوظ لوجوده قرب الفنان الترك في سنواته الأخيرة، حيث جمعتهما مدينة الدوحة لعدد من السنوات، وكان الترك يؤكد دائماً في لقاءاته على موضوع الفضاء المحيط بالعمل النصبي وضرورة وجوده ليدعم فكرة العمل بصرياً ومعمارياً وفنياً وفلسفياً.
ويضيف: “أرى أنه من غير الإنصاف أن يجري المساس بهذا المكان وتغيير ملامحه، مع كل تعاطفنا مع عائلات الشهداء الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن الوطن، وهم بالتأكيد يستحقون الدعم والرعاية، لكن يمكن ذلك من خلال مساحات وفضاءات متوفرة في اماكن كثيرة في بغداد والمناطق المحيطة بها، ذلك أن واحداً من الأمور التي يجب تقديمها للفنان اسماعيل الترك هو بقاء نصبه كما قدمه للعراق، دون تغيير.”
أين المساحات الأخرى؟
إلى ذلك.. أعرب الفنان، ورئيس جمعية الفنانين التشكيليين، قاسم سبتي، عن امتعاضه واستيائه الشديدين من فكرة استثمار النصب، مؤكداً أن الفكرة مهينة للشهداء، ولا ترتقي لتضحياتهم.”وتابع “ليس مفاجئاً أن بعض المؤسسات والأطراف تعمل على استغلال واستثمار نصب الشهيد، لكني أتساءل ما الضير في أن يجدوا أماكن أخرى غير نصب الشهيد؟ فهو له قيمة روحية وجمالية لدى أهالي بغداد.”
أضاف سبتي: أن “فضاءات النصب الشاسعة تجعل هيبة المكان أكبر، وأن كتلة نصب الشهيد لا ترى إلا من على بعد مئة متر، وقيمته، ككتلة وفراغ، تظهر بالبعد، فلم هذا التصرف؟ لربما هنالك دوافع أخرى، فأنا لا أصدق بأن الفكرة غايتها الوحيدة هي استثمار الموقع من أجل المادة، لكن هنالك ما ورائيات واضحة، لذا أطالب الحكومة بعدم المساس بهذا النصب، واحترام الشهداء وذويهم وأهالي بغداد، هذا المشروع سيؤذي النصب إذ ستخسر بغداد معلماً مهماً، كما خسرت في السابق مئات المناطق الحميمة، فاحترموها.”
الفكرة ضيقة وغير صحيحة
من جهته، أوضح المهندس وعضو مجلس محافظة بغداد السابق محمد الربيعي، أن “المساحة المفتوحة للنصب تبلغ مليون متر مربع، وتكون منفتحة على أربعة اتجاهات وهي: شارع فلسطين، القناة، جسر ملعب الشعب، والقوة الجوية. وفكرة المساحة هذه، هي أن تتحرك القبتان مع تحرك جسم الإنسان وسيره، وحينما تصل المنتصف او نقطة الصفر، تلتحم القبتان لتصبحا قبة واحدة.”
وأضاف الربيعي حديثه: “كان من شروط النحات والمصمم أن يمنع استثمار الأرض القريبة من النصب تماماً، لتبقى الفكرة منفذة كما جرى إنشاؤها، لكن تجاوزاً على النصب حصل بعد ٢٠٠٣ إذ خطط لبعض المشاريع الاستثمارية، لكن لم تنفذ عند تسلم أمين بغداد علاء معن أية صفقات لاستثمار النصب مجدداً، إذ أن له وجهة نظر صحيحة عن هذا الموضوع، والمكان تحديداً، وهو أن يبقى محتفظاً بجماليته.”
ويؤكد الربيعي أن فكرة استثمار هذه المساحة هي فكرة ضيقة، ذلك أن مؤسسة الشهداء لها ميزانيتها المخصصة من ميزانية الدولة، ولا يمكنها المطالبة بميزانية ثانية عن طريق التجاوز على النصب. يضيف بالقول: “مع احترامنا لمؤسسة الشهداء، لكن رؤيتها ضيقة وغير موفقة لأنها توقع ظلماً كبيراً على النصب، لأنه لن يتكرر، والنحات والمصمم أيضاً لن يتكررا، لذا نطالب رئاسة الوزراء بالتدخل السريع لإنقاذ هذا المعلم الكبير.”
الدول تحترم إرثها
من جانب آخر، يرى الناقد التشكيلي الدكتور جمال العتابي، أنه “وبعد أن اطلع مؤخراً على أولويات عمل مؤسسة الشهداء في تفعيل مواردها الاستثمارية، لدعم عائلات الشهداء، وجد في هذا التوجه جانباً إنسانياً وأخلاقياً تضطلع به المؤسسة، لكنه -وحسب قوله- توقف باستغراب عند توجهها لاستثمار المساحة الكبيرة المحيطة بنصب الشهيد، بذريعة الحفاظ على النصب من التلف أو الاندثار، وكأنها لا تعلم أن هذا الفضاء الجمالي والفني هو جزء مكمل للنصب، وأن العبث فيه يعني موت النصب وقتله.”
يكمل بقوله إن “مشروعاً من هذا القبيل ينبغي أن يعرض على الفنانين التشكيليين، والمهندسين المعماريين، فالصرح لا تعود ملكيته لدائرة بعينها، إنما هو رمز عراقي وطني، تقع مهمة صيانته والحفاظ عليه على مؤسسات ودوائر متخصصة، ومن الصعب قبول الدوافع الأخرى لخنق هذا الصرح الشامخ، ولاسيما أن دعوات سابقة حاولت التجاوز عليه.”
وأكد العتابي أن “البلدان المتحضرة تحترم تراثها وتحافظ عليه، لأنه يمثل تاريخها وثقافتها الممتدة عبر العصور، وأن النوايا الحسنة المعلنة للمشروع غير مقنعة في تمرير الصفقة، فهناك بدائل أخرى كثيرة، ولا بد من أن يكون للرأي العام صوت عالٍ ضد هذا التوجه.”