يبدأ الأمر بعصفور وقد ينتهي بمحميّة.. طيور الزينة بين الولع والتجارة

47

سرمد ارزوقي – تصوير: كرم معتصم /

تربية طيور الزينة موضوع شيق يستهوي على الدوام كثيراً من العراقيين، ولئن كانت تجارة هذه الطيور وتداولها بين هواتها ومحترفيها محصورة في سوق الغزل ببغداد سابقاً، فقد باتت لها اليوم أسواق كثيرة في مناطق شتى من بغداد والمحافظات.
“مجلة الشبكة” أجرت هذا التحقيق مع المربّين والهواة والمتخصصين البيطريين للتعرف على هذا العالم الجميل.
مهنة أم هواية؟
يقول المربّي (ماجد دبس) من جمعية طيور الزينة: “إن الهواية أول ما تبتدئ بعصفور وتتطور إلى أن تصبح لديك العشرات، وتغدو حينها شغلك الشاغل. المربون نوعان؛ الأول يجعلها هواية وتجارة، وآخر للهواية والهوس الذي يعيشه مع الطيور، فيعمل على تطوير أصنافها وفق دراسات علمية ومتابعة مستمرة مع الجمعيات المتخصصة التي يوجد كثير منها في العراق.”
يسترسل السيد دبس قائلاً: “أقمنا مع أغلب المربين والهواة ملتقىً شهرياً في شارع أبي نوّاس لغرض تلاقح الأفكار وطرح الجديد في البحوث والدراسات لتطوير الأصناف والجينات الوراثية للطيور، ثم تحول الملتقى إلى (كروبات) على مواقع التواصل، بعدها أسسنا منظمة مجتمع مدني (NGO)، هي (جمعية النهرين لطيور الزينة)، لكن للأسف اصطدمنا بقانون المنظمات الذي قيدنا بأمور كثيرة منها عدم ممارسة أي نشاط تجاري، لذلك استضفنا حكماً من جمهورية مصر العربية ورئيس المنظمة الدولية لطائر الحب (البادجي) (WBO) (غالب الناصر) وهو عراقي الأصل بريطاني الجنسية مقيم في إنكلترا، اللذين ألقيا محاضرات على تجمعات المربين والهواة في محافظات البصرة وكركوك وبغداد، نوقشت فيها موضوعات مهمة منها أن الطيور بدأت تختلف في ناحية الشكل واللون والطفرات الوراثية وما الى ذلك، وسنقيم في شهر تشرين الثاني المقبل مهرجاناً ومعرضاً يكون الحكام فيهما من ألمانيا ومصر لنخرج بأسس صحيحة نعمل عليها وفق القياسات العالمية لطائر (البادجي).
نظرة طبية علمية
الدكتور (أحمد الربيعي، طبيب بيطري، 41 سنة)، حدثنا قائلاً: “يمكن تعريف الطفرة الوراثية بصورة مبسطة بأنها أي تغيير يمكن أن يحدث في المادة الوراثية للكائن الحي وأسبابها كثيرة، كذلك أنواعها و تأثيرها، وهي إنتاج صفات غير مرغوب فيها كالتشوهات والأمراض وهي (سلبية)، أما (الإيجابية) فهي نادرة الحدوث، إذ تظهر صفات مرغوب فيها مثل اللون الشكل والإنتاج وغيرها، وهذا ما يحاول الإنسان استحداثه بطرق علمية.”
يضيف الربيعي: “لو اطلعنا على فسيولوجية المبيض لدى إناث الطيور لوجدنا أن لها عمراً محدداً لإنتاج البيض، وأن كثرة استخدام المحفزات والفيتامينات تقلل من العمر الإنتاجي الطبيعي، فلو أن الأنثى مقدر لها أن تبيض لمدة خمس سنوات في الوضع الطبيعي، فإن الإكثار من العوامل المساعدة المسرِّعة لعملية الإنتاج يجعلها تتوقف عن الإنتاج في سن ثلاث سنوات.”
الملل والرتابة
(أبو شهد الخفاجي، موظف حكومي، 50 سنة) لديه قصه أخرى، إذ يقول: “إن هواية تربية طيور الزينة (الكناري، والببغاوات، والبلابل، وطيور الحب، والأنواع الأخرى) تصنف بحسب أهواء المربي أو الهاوي، أما أنا فأقتني الكناري والبلابل، وهوايتي لم تأت من فراغ على الإطلاق، بل كانت بداياتها معي منذ أن كانت بغداد تضج بالتفجيرات الإرهابية بين عامي 2006 و 2009، أنا موظف حكومي وحين ينتهي عملي وأعود الى البيت لا أستطع الخروج مرة أخرى بسبب الوضع الأمني المتأزم آنذاك، ولكي أكسر الملل والإحباط النفسي والقلق، اتجهت لتربية طيور الزينة، وتحديداً الكناري والبلابل، في أقفاص متنوعة في حديقة المنزل، بل حتى في أماكن داخل البيت، إذ كانت ومازالت هذه الهواية رائعة وممتعة وجدت فيها أكثر من عنصر مهم، فقد كانت الملاذ والمتنفس الوحيد بعد العمل من الظهيرة الى اليوم التالي، وأيضاً كانت تزيد من الحس الإنساني لما تثيره من إحساس الألفة والتعاون وغيرها.”
يضيف الخفاجي: “كانت لنا لقاءات في ملتقيات الهواة ومزادات بيع الطيور وشرائها في أماكن مختلفة من بغداد ومحال سوق الغزل والأعظمية وبغداد الجديدة والكاظمية وشارع فلسطين، حيث وجدنا أن أعداد الهواة تزداد لأن الناس بدأت تميل إلى تربية طيور الزينة كثيراً، وقد تعرفت على مجتمع جديد من صفاته البساطة والطيبة والتفاؤل، فضلاً عن الذين يتخذون من هذه المهنة رزقاً لأطفالهم وقوت يومهم.”
فرد من العائلة
(أبو داوود الكرخي، تاجر مواد غذائية، 60 عاماً) يقول: “تزوجت في سن الخامسة والأربعين وكان سبب تأخري في الزواج انشغالي التام بالتجارة والسفر الدائم لأني من عائلة تعمل في توريد المواد الغذائية بالجملة، وقسم الله لي أن اتزوج بامرأة تصغرني بثماني سنوات، ولم يرزقنا الله بطفل، وبعد أن يئسنا من مراجعة الأطباء بغير طائل، ولأني كنت قبل الزواج اقتني ببغاءً إفريقياً (كاسكو) وبعض الكوكتيلات النادرة من الطيور، قررت أن اقتني من جديد هذا الطائر الجميل الذي له القدرة الفائقة على التكلم والتعلم، واشتريت فعلاً ببغاء عمره أربعة اشهر سميته (كوكو) وبدأت تربيته، وواظبتُ على إطعامه بيدي، ولاحظت أن زوجتي بدأت حالتها النفسية تتحسن شيئاً فشيئاً، وأصبح كوكو فرداً عزيزاً في عائلتي، ولاسيما حين بدأ بالكلام، وشعرت زوجتي حينها أنه بمثابة طفل رزقنا الله به، فاقتنيت أنثى من النوع نفسه سميتها (بندقة)، وإذا بها صارت تحاورهما وتقضي وقتها بالانشغال معهما، فقد أصبحا خير أنيسين لها وهي تعاملهما وكأنهما ولداها، وصار لدينا قفص كناري فيه ذكر وأنثى أضافا لنا راحة وطمأنينة. لقد غيرت هذه الكائنات اللطيفة حياتنا ولم أعد أقلق على زوجتي عندما أسافر، فوجود الطيور فتح لنا أبواب حياة جديدة.”
من الهواية إلى التجارة
(عمر أبو ياسر، صاحب محل بيع طيور) حدّثنا قائلاً: “منذ صغري كنت أهوى اقتناء الطيور البرية، وبعد عام 2011 استطعت أن أحصل على مجموعة من طيور الزينة (حمام) ثم تحول اهتمامي الى الطيور المغردة بأنواعها، كنت استوردها من خارج العراق، سعيت لاستيراد طيور نادرة وجازفت حين أدخلت الى البلد طيوراً من جنوب آسيا وهي (العندليب الياباني، فضي الأذن، وطائر الخوام، والبلبل الضحاك، التايلندي)، كما استوردت طيوراً أخرى من إفريقيا وأوروبا، ولولعي بهذه الهواية والعمل جعلت حديقة منزلي شبه محميّة بأشجارها الطبيعية والنباتات المختلفة الأخرى فتكاثرت لدي أنواع الطيور، لأن الطير عندما يتأقلم مع الجو ينتج ويتكاثر، وعندما تصل الطيور المستوردة من الخارج تكون منهكة لأنها تصل في أقفاص صغيرة وبأعداد كثيرة، لذلك أول شيء نفعله هو إعطاءها العلاجات للوقاية مع عزل الطيور المصابة، واستخدام المغذي لمدة يوم كونها لا تستطيع الأكل، مع توفير التدفئة اللازمة لها لأن حركتها تكون محدودة. أما الأغذية فإننا نتعامل مع شركات عالمية رصينة لها وكلاء في العراق لأن لكل نوع من هذه الطيور خلطته الخاصة به، فهناك خلطات للكناري وأخرى لطير الحب (البادجي) وثالثة للفنجس والكولدن والكاسكو وهكذا.
التصدير بدل الاستيراد
يقول (سيف صفاء، صاحب محمية السيد، 31 سنة): “قبل عشر سنوات بدأت هاوياً في تربية طائر الحب (البادجي) أيام حدوث طفرة (الهاجيرمو)، اقتنيت حينها زوجين من الطيور وبدأت رحلتي معهما، أحببت الأمر بشدة وعملت على تطوير عملي وهدفي الأكبر أن أنشئ حديقة خاصة بالطيور النادرة لكي يشاهدها الناس ويستمتعوا بجمالها, فأغلب أنواع هذه الطيور موجودة في هولندا وألمانيا وفي أستراليا وإفريقيا، فنحن نعمل على إيقاف الاستيراد لأن امكانياتنا وخبراتنا المتراكمة باتت كبيرة، فمثلاً لي صديق من محافظة واسط لديه مجموعة من الطيور من سلالة جديدة تحمل صفات نادرة وهي من إنتاجه الشخصي، كما أن لدينا مربين كثر ومزارع ومحميات، ونعمل على تطوير الطيور بعمليات (التضريب) لإنتاج الطفرات ذات المستوى العالي، إذ أن طفرة (الهاجيرمو بلاك وينج) الموجودة في مصر الآن نحن نملكها منذ خمس سنوات، ولم نعلن عنها، وسعر الطائر الواحد يصل الى 7000 دولار أمريكي، ونعمل على تكاثره، فأنصح الهواة والمربين أن يعملوا على تطوير طيورهم من ناحية إنشاء المحميات النظامية ذات الأبعاد والمقاييس الدولية واختيار الآلية الصحيحة لتطوير الطيور من ناحيتي الأحجام والألوان في المزاوجة.”
لا دعم من الدولة
يناشد سيف الحكومة والجهات المعنية أن توفر غطاء قانونياً لتصدير الطيور، يقول: “لدينا قانون صارم يمنع التصدير بخلاف بلدان العالم الأخرى التي تدعم المربين وتجعل منهم مصدراً أساسياً للتصدير، بل تساعدهم في إنشاء المحميات مع توفير أنواع الأعلاف لهم، ولو شرعت الدولة قانوناً يخدم التصدير فأجزم أني سأكون أول المصدرين وبأنواع جديدة تحمل طفرات وراثية نادرة.”