أحاديث المؤامرة!

351

#خليك_بالبيت

علي السومري /

مؤامرة، ربّما هي أكثر الكلمات التي يتردّد صداها كلما أصاب العالم خلل ما! أحياناً تتردّد بعد تعرّض بلدان معيّنة لمصائر غير متوقعة، كما يحدث في هوليوود الشرق السياسي، وأعني هنا العراق، هذا البلد الذي يزخر تأريخه السياسي، القديم والجديد بسيناريوهات لم يشهدها أي بلد آخر!
مؤامرة، ما الذي يدفعني اليوم للكتابة عن هذه الكلمة التي لم تخلُ جلسات العراقيين ونقاشاتهم منها منذ بضعة أشهر؟
لا يمكننا إغفال السبب الحقيقي لانتشار هذه الكلمة في هذا الوقت، فالمحرّض الرئيس لها كما يعرف الجميع، غزو وباء (كورونا المستجد) للعالم أجمع ومن ضمنه وطننا العراق، الذي شهد إصابات تجاوزت الألف وضحايا تجاوز عددهم المئة عراقي.
كسلٌ فكري
المؤامرة مرادفٌ لعدم العلم بالشيء، ربّما هي واحدة من حلول العقول الكسولة بالبحث عن الحقيقة، كسلٌ فكري يحاول أن يعزو ما لا يمكن إدراكه إلى أسباب سياسية، وأحيانا إلى أسباب ميتافيزيقية، وهما حلّان يريحان العقل من الخوض في المجهول، وهذا الأمر لم يكن بعيداً عن متناول المشتغلين في الحقلين الثقافي والفني، حقلان أنتجا لنا كتباً عدة تم تحويلها فيما بعد سينمائياً إلى أفلام وساهما بنشر هذه الفكرة التي ما إن تسمع بها حتى تقف مذهولاً من حقيقتها، لتدخل في سجال داخلي لدحضها أو تكريسها، ثم إشاعة ما تتّفق عليه مع ذاتك.
وهنا سأتحدّث عن فيلمين، الأوّل كان ثمرة كتاب رائج، والثاني فيلم لم يحقّق حين عرضه أصداء مهمة، الكتاب هو (الجحيم) الذي يتحدّث عن صناعة فايروس مميت، ويعدّ واحداً من سلسلة روايات (شيفرة دافنشي) للكاتب الشهير دان براون، والفيلم هو (عدوى) الذي تناول قضية انتشار فايروس في الصين شبيه بفايروس كورونا الحالي.
جحيم دانتي
في رواية (الجحيم) الصادرة العام 2013 وتحوّلت لفيلم بنفس الاسم تدور أحداثه عن عالم في الهندسة الجينية يصنّع فايروساً قاتلاً هدفه القضاء على ثلث سكان العالم، منطلقاً من فكرة مفادها أنّ التضخم السكاني الذي تشهده الكرة الأرضية سيكون سبباً في القضاء على الجنس البشري، فكرة فلسفية آمن بها هذا العالم، ويطمح بمساعدة منظمة سرّية لتحقيق هذا الهدف (السامي) بالنسبة له، الحفاظ على الجنس البشري من الانقراض والموت! هذا الفيلم وغيره أسهما في نشر فكرة أنّ هنالك من يتآمر لنشر أوبئة مميتة للخلاص من البشر، سواء أكانت هذه المؤامرة تنطلق كما في الرواية من عالم مختص أو من دولة ضد أخرى كحرب اقتصادية خفية، وهو ما أشاعته مجموعات في العراق انطلقت من فكرة أنّ هذا الوباء صيني بامتياز من أجل هيمنة اقتصادية وسياسية مستقبلية، لتجابهها مجموعات أخرى تقول بفكرة أنّ هذا الفايروس مشروع أميركي للقضاء على اقتصاد التنين الصيني الذي بات يهدّد اقتصاديات العالم أجمع! وهنا يمكننا أن نتذكّر أيضاً حواراً مهمّاً في مشهد من فيلم سينمائي شهير للمخرج جيمس مكتيغ، وهو مأخوذ أيضاً من رواية مصوّرة للكاتب آلان مور، (V for vendetta)إذ نكتشف فيه أنّ مستشار الدولة الطاغية ومن أجل زراعة الخوف وتنفيذ سياسته الاقصائية ضد المخالفين، يعمد إلى نشر فايروس مميت في ثلاثة أماكن ترتادها العائلات بكثرة ومن ضمنها مدرسة للأطفال، واتّهام جهات معادية له، والقصاص منهم عن فعل لم يرتكبوه، والمثير في الحوار إشارته للاقتصاد المحلي، إذ سيسهم هذا الفايروس بحسب المخططين له بالقضاء على البشر فقط دون تدمير البنى التحتية، وهو ما سيحدث لو استخدموا الصواريخ أو القنابل النووية!!
هذه الأفلام وغيرها تسهم بنحو كبير في ارتفاع أسهم فكرة المؤامرة بين الدول، مؤامرات يكون الخاسر الأول فيها، البشر، وكأنّهم أوراق نقدية حان وقت إتلافها!
منظمات سرية!
أمّا في فيلم (عدوى) (Contagion) للمخرج ستيفن سودربرغ، الذي كتبه السيناريست سكوت بورنس، وأُنتجَ عام 2011، فقد أعاد انتشار فايروس كورونا التذكير به، وتسليط الضوء عليه مرّة أخرى مما رفع نسب مشاهدته مقارنة بوقت إطلاقه، ليصبح ضمن قائمة الأفلام الأكثر مشاهدة في العالم، الفيلم يتناول انتشار فايروس قاتل في الصين! شبيه جداً بفايروس كورونا المستجد، ينتقل للبشر من قبل شخصية في الفيلم (غوينيث بالترو) بعد مصافحتها لطاهٍ صيني لامس خنزيراً مذبوحاً كان قد أصيب بعدوى من قبل خفاش!
وبالرغم من واقعية الفيلم ورصانته، إذ اعتمد مؤلفه (بورنس) في كتابته على عدد من متخصّصي منظمة الصحة العالمية آنذاك، إلا أن هذه الدقة لم تنجِهِ من الاتهامات التي وجهها إليه كثير من المتابعين، بالعمل في منظمة سرية هدفها السيطرة على الشؤون العالمية! وهو ما نفاه الكاتب بشدة عبر تصريحات عدة للصحف.
وهنا أيضاً علينا أن نذكّر بأن هناك فريقا قويا من المدافعين عن الأرض وبيئتها، يرجحون فكرة أن هذه الأوبئة هي السلاح الأخير الذي تضطر الطبيعة لرفعه بوجه البشر من أجل إيقاف تخريبها وتجريف غاباتها وتغيير مسارات أنهارها، طائفة تؤمن أن للطبيعة قدرةً هائلةً للدفاع عن وجودها من التلف.
ويبدو هنا أنّ هذا الكم المرئي والمكتوب عن فكرة المؤامرة والمسموع حتى في جلساتنا العائلية، هو ما دفعني اليوم للكتابة عنها، علّنا نتّعظ، علّنا نوسع مداركنا عبر إثارة الأسئلة، علّنا نتعلّم الحفاظ على هذا الكوكب الرائع من شرور البشر وجشعهم!.