ألف حكاية وحكاية للدكتور شفيق مهدي كتابٌ يخاطب وعي الطفل وينمّي قدراته

192

سريعة سليم حديد

من منا لم يقرأ أو يسمع عن كتاب “ألف ليلة وليلة”؟ ومن منا لم تبهجه تلك الحكايات أو تترك في نفسه أثراً طيباً؟ لكن, أن نسمع الآن حكايات بثوب جديد قريبة من مفهوم الطفل ورغباته، بعيدة عن الغرابة في إلباس شخصيات الحكاية أثواب الجان والعفاريت, فهذا ضرب من الحكمة في تناول الحكاية, وطريقة منهجية ناجعة لتقديم كل ما هو مفيد للطفل,تحتسب للكاتب بلا شك. فكتاب: (ألف حكاية وحكاية للأطفال)، بقلم الدكتور شفيق مهدي, يُعدّ تجسيداً حقيقياً لفلسفة ثقافة الطفل وللأساليب الحديثة في التعاطي معه.
– يتألف الكتاب من ألف حكاية وحكاية, تحمل طابع اللعب على الخيال وتقديم الإرشادات الأخلاقية والسلوكية بطرق غير مباشرة, وهناك حكايات يسودها جو الطرافة الموجهة التي تقوي شخصية الطفل من الناحية النفسية, فجاءت بطرق بسيطة لطيفة لتقول المغزى المراد مثل رشَّة عطر عابرة. منها مثلاً حكاية الليلة الثانية التي تحمل عنوان (عصا جدّي)، فالحفيد والجد يذهبان إلى السوق لشراء بعض الحاجات, وبعدما يقطعان مسافة طويلة يتذكر الجد أنه نسي أن يجلب عصاه. فيقول الحفيد:
“ابتسمت، فنظر إليّ جدي، متسائلاً عن سر ابتسامتي، فقلت:
ـ لكنكَ يا جدي سرت من البيت إلى هذا المكان من غير عصاك!
ضحك جدي ضحكة رقيقة، وقال:
ـ معك حق! وواصلنا سيرنا، حتى وصلنا إلى السوق، واشترى جدّي ما أراد، وعدنا.” ص 6
ـ لقد أفاد الكاتب من موضوع الذاكرة الجمعية في القصص, فكثيراً ما استخدم الكتّاب قصص ليلى والذئب, كلٌ حسب خياله والهدف المبتغى من ورائه. فالكاتب هنا أراد أن يجعل (ليلى) تتغلَّب على الذئب ليس بقوتها العضلية، بل بما تمتلكه من فكر وذكاء. لقد لاحق الذئب (ليلى) وهي متّجهة إلى بيت جدتها, تحمل بيدها كعكة لذيذة، فشعرت به, ولكي تلهيه رمت له عظمة طرية قرب الشجرة التي اختبأ وراءها, نقتطف من الليلة الرابعة الحكاية التي بعنوان: (حيلة ليلى):
“لمـــا رآهـــا الذئـــب، شـــمّها، فوجدهـــا عظمـــة طريـــة لذيـــذة، فأســـرع يأكلهـــا بشـــراهة، وعندمـــا انتهـــى مـــن ذلـــك، نظـــر حولـــه باحثـــاً عـــن ليلـى، فلـم يجدهـا! فقـد انطلقـت مسـرعة إلـى بيـت الجـدة، بينمـا كان هـو منشغلاً بأكل العظمة!”
في الليلة الخامسة التي بعنوان: (تيما والمظلَّة) يأخذنا الكاتب إلى الهواجس الصغيرة التي يفكِّر فيها الطفل, فهو أمام موقف ما، فهل يُقدمُ الطفل على الفعل أم لا يُقدم, في هذه الليلة يحاول الكاتب توجيه بوصلة تفكير الطفل نحو الاتجاه الصحيح, فيتساءل: إذا أوشكت السماء أن تمطر, فهل ستأخذ (تيما) مظلتها, أم لا؟ يأتي الجواب أن عليها أن تأخذها, ما دامت السماء ملبَّدة بالغيوم. هذا التوجيه جاء بطريقة غير مباشرة وبأسلوب سلس قريب إلى فهم الطفل ووعيه.
ـ في الليلة الرابعة عشرة التي بعنوان: (الثعلبان والأرنب) نجد بساطة الفكرة وقوتها في الوقت ذاته, فهي تعلم الطفل كيف يستثمر الفرص من ناحية، ومن ناحية أخرى تريه نتائج الأمور غير المتوقعة. فقد تقاتل الثعلبان على الأرنب, ولما اشتد الخلاف, نقتطف:
“ـ بل إنها لي! أنا رأيتها قبلك! واشتد الشجار بين الثعلبين، حتى اتفقا على أن تكون الأرنب من نصيب الاثنين. وعندما أرادا الهجوم عليها، كانت الأرنب قد اختفت، فقد استغلت شجارهما، وولت هاربة بأقصى سرعتها.” ص13
في الليلة الخامسة عشرة يتجه الكاتب إلى ترك رسائل للأطفال بطرق لطيفة تلامس مشاعرهم الرقيقة. الليلة بعنوان: (حجرة الحفيدة)، فحكاية الجدة المرتجلة وجهت سلوك الطفلة بأسلوبها الجذاب, وجعلتها ترتب غرفتها على غير المعتاد.
ـ في الليلة السابعة والعشرين, يلفت الكاتب انتباه الطفل إلى تعلم أنواع الأصوات بحكاية لطيفة تحت عنوان: (أصوات) فالطفل (باسل) يقف في الحديقة فيسمع أصواتاً مختلفة لطيور متنوِّعة, منها: الحمامة والزرزور والدجاجة والعصفور.. فيتساءل الطفل: أين أصحاب تلك الأصوات؟ فهو لا يرى أحداً، فتأني الخاتمة اللطيفة حين يكتشف الطفل (باسل) أن من كان يطلق تلك الأصوات هي الببغاء, فقد كانت تقلِّدها.
وتتدفَّق القصص على هذا المنوال حتى يصل القارئ إلى القصة الأخيرة التي ليلتها هي الليلة الأولى بعد الألف. بذلك ينهي المؤلف حكاياته المتنوِّعة التي قدَّم جهداً كبيراً على ما يبدو في تأليفها آخذاً بيد الطفل نحو التفكير السليم والخيال الممتع.
ـ القصص مأخوذة من حياة الطفل اليومية, ما يعطيه دفعاً وحكمة في التصرف, كما أنها تنشط فكره, وتجعله يفاضل بين الأمور, كذلك تعزز شخصيته, وتنمي إدراكه لما حوله.
إن بناء شخصية الطفل بناء جيداً يضمن لنا إنشاء جيل واعٍ مدرك لما يقول ومقدر لثمن العمل الذي يقوم به. من هنا تأتي أهمية الكتابة للأطفال لتفتح الباب واسعاً أمام الإبداع المثمر الذي تصقله التجربة وتنميه حتى يصبح الرافعة الأولى لجيل جديد متميِّز.