أَدُونِيسُ.. وَفَضَاءَاتُ الوَعْيِ التَّارِيخِيِّ فِي (الكِتَاب)

379

عبد الأمير خليل مراد/

يَستَعِيُر أَدُونيسُ فِي دِيْوَانِهِ: (الكِتَاب) قِنَاعاً مِرآتياً يَستَنْطِقُ مِن خِلَالِهِ مُفرَدَات التَّارِيخِ العَرَبيّ، حَيثُ يَتَّخِذُ مِن أَحدَاثِهِ وَوَقَائِعِهِ فَضَاءً لِلقرَاءَاتِ المغَايِرةِ لِهَذَا التَّارِيخِ. وَإِذَا كَانَ التَّارِيخُ هُو تَارِيخَ الأَشْخَاصِ، كَمَا يُقرّرُ هيجل، فَإِنَّ أَدُونيسَ يُحَاوِل فِي مُتُونِ هَذَا الدِّيوَانِ إِدَانَة الذَّاكِرةِ الجَمعِيَّةِ لِلإِنسَانِ العَرَبيّ، وَاستِقرَاء أَبجَدِيَّاتِ تَاريخِهِ عَبر الإِحَالاتِ الرَّمزِيَّةِ، وَالهِجَاء المبَطَّنِ.

فَكُلُّ قَصِيدَةٍ مِن قَصَائِدِ هَذَا الدِّيوَانِ تَنبَنِي عَلَى مَتنٍ وَاحِدٍ وَثَلاثَة هَوَامش، جَرَى تَرتِيبُهَا بِنَمَطيَّةٍ تَشكِيليَّة مُختَلِفَة عَن المتنِ، (حَرف صَغِير يَمين الصَّفحَة وَيَسارهَا، وَعَلامَة دلالَة أَسفَل المتن) ، إِذ تَدعُونَا هَذه الهَوَامش بِصَيرورتهَا المرسُومَة عَلَى الوَرَق إِلى استِجلاءِ مَا فِيهَا مِن مَجسَّات تُحفِّز عَلَى تَأَمُّل الماضِي، وَتَهَجِّي الثَّقَافَة السُّلطوِيَّة، تِلكَ الثَّقَافَة الَّتي تُمَجِّد الوصَايَة عَلَى الفِكْر، وَالاحتِفَاء بِالتَّسَلُّطِ وَتَقوِيضِ مَفهُومِ الحُرّيَّة، وَالنُّزُوعِ إِلى القَمْعِ وَالاستِبدَادِ.

هشاشة اليقين

فَفِي عَنْوَنَةِ الدِّيْوَانِ الْمُلْغِزَةِ (الكِتَاب: أَمْس المكَان الآنَ) يُحَاوِلُ الشَّاعِرُ أَن يُوهِمَنَا أَنَّ هَذا الكِتَابَ مَخطُوطَةٌ ذَات مَخَاضٍ تَارِيخيّ رَسَم فُصُولَهَا شَاعِرٌ استَشعَرَ هَشَاشَةَ اليَقِينِ وَسَطْوَةَ الشَّكِّ حَتَّى قَالَ عَن نَفسِهِ: (وَمَن عَرَفَ الأَيَّامَ مَعرِفَتِي بِهَا / مِن النَّاسِ رَوَّى رُمحَه غَيرَ رَاحِم)، ذَلكَ هُو المتنَبي بِوصفِه قِنَاعاً أَدُونيسياً، غَيرَ أَنَّ هَذا القِنَاعَ هُو أَدُونيس نَفسُه، أَدُونيس مُدوِّن المخطُوطَة، وَالسَّارِد الَّذِي استَملَى بِشَفَتَيهِ مَرويَّاتِ تِلك المخطُوطَةِ الَّتي تُؤشِّرُ مَدَياتِ القَتلِ وَالخَرَابِ في تَاريخنَا المتْخَمِ بِالحُرُوبِ وَالوَيلاتِ: أسمَاء تَنطَفي في دَهَالِيز السُّلطَة، وَثَورَات تَتَأَرجَح في لُجَج الخَدِيعَة وَالبَغضَاء، مَالِك بن نُوَيرَة، الحَلَّاج، مُسَيلَمة الكَذَّاب، أَبُو ذَرّ الغفَارِي، بِشْر الحَافي، السّرخسيّ، المعتَمِد، كَافُور، القَرَامِطة، البَرامكَة، الزَّنج .. وغيرها. وَهَل نَنسى الرُّؤوسَ الَّتي تَتَدحرَج عَلَى مَقَاصِل الفِتنَة وَالثَّارَات؟، حَيثُ تُؤشِّرُ هَذه التَّحَوُّلات الفَاجِعَة رُعبَ الحَيَاة اليَومِيَّة وَجُنُوحَها إِلى الفَوضَى وَالاضطِرَاب في وجدَان الإِنسَان العَربيِّ: ذَاكِرة مُؤَرخنة تَختزِن في أَخَادِيدِهَا مَصَائر الرَّعية، وَفَظاعَات انسِحَاق الذَّات وَتَقَهقرهَا في دَوَّامة

اليَأس وَالإِحبَاط.

إِنَّ أَدُونيس في قَصَائدِ هَذا الدِّيوَان يَقُودُنَا إِلى الانهِمَاكِ في مُوَاضَعَات الأَمس، وَاختِزَال الوُجود وَالإِنسَان في الذَّاكِرَة التَّاريخيَّة المرَاوِغة؛ فَهُو يُقرِّر في (زَمَن الشِّعر): أَنَّ مَسأَلة الصِّلة بِالماضِي لا تَبحَثُ مِن زَاويَة الرَّفضِ أَو القبُول، بَل مِن زَاوِيَة فَهمِ تِلكَ الصِّلَة، وَوَجهة النَّظرِ في طَبِيعتهَا، وَتَحدِيد مَا تَتَّصِل بِه وَمَا لا تَتَّصِل، وَهَذه مَسأَلَة تَطرَحُ قَضيَّةَ الثَّابت وَالمتَحَوِّل في تُرَاثِنا.

ضمير رافض

وَمِن هُنَا، فَإِنَّ أَدُونيس يُقِيمُ تَجرِبتَه الشَّعرِيَّة عَلَى الأَسئِلَة المستَفِزَّة، وَالظَّوَاهِر المنظُورَة في مُتُونِ الحَتمِيَّة التَّارِيخيَّة، وَاختِيَار المسكُوت عَنه في تَارِيخنَا المعَمَّم بِصُورَةٍ قَائِمَة عَلَى الاستِهلاكِ الرَّسمِيّ، وَالتَّجَاوُز عَلَى مَعَايِير الحَقِيقَة وَالاحتِمَال، فَنَراه يَتَمَاهَى مَعَ هَذِه المحدِّدَات المرتَبِكَة بِضَمِير الرَّافضِ، وَهُو يُغَامِرُ في افتِضَاضِ الأَغطِيَة السِّرّيّة لمَاضِينَا وَوَقَائِعنَا في كُلِّ زَمَانِ وَمَكَان، وَتَبدِيد فِكْرَة (القَنَاعَة وَالاستِسلام) اَّلتِي يُكرَّسُهَا الافتِعَال وَالمغَالَطَات المشَوَّه.

فِي قَصِيدَتِه (مَروِيَة السَّنة 334 وَذَاكِرتهَا)، يُرَاهِن أَدُونيسُ عَلَى نُكُوص الأَيَّامِ وَتَقَلُّب الأَحوَال، بِوَصفِه شَاهِدًا تَارِيخيًّا عَلَى خِيَانَات المَكَانِ وَفقدَان الثَّبَات في هَذا العَالَم الملِيءِ بالفجَاءَاتِ وَالأَسرَار، عَالَم الرُّؤَى المتَوَتِّرَة، وَالتَّمَرُّدَات المتَطَامِنَة عَلَى قِشرَة الأَمَاني وَالأَحلام، فَالنَّصُّ الشِّعريّ يَكشِفُ عَن وَجْهِ بَغدَادَ الموَزَّع بَينَ عَصا الخَلِيفَة وَفَأس الحَطَّاب، وَهَذِه الأَضدَاد الَّتي تَقلِبُ (الدُّنيَا رَأْسًا عَلَى عَقِب)، الخَلِيفَة المسجُون وَالحَطَّاب القَائِم عَلَى دسْتِ السُّلطَة، وَكَأَنَّنَا في تَبَادُليَّة مَشرُوطَة تُنَمْذجهُاَ القَسوَة وَالاختِلَاف بَينَ (المستَكفِي بِالله) وَهُو مَسمُول العَينَينِ وَ(المعز البُويهيّ) وَهُو مَقطُوع اليَدِ، إِذ يُرَدِّدُ الشَّاعِر عَلَى لِسَانِ الأَوَّل:

(أَتَسَاءَلُ حِينًا، وَأَنَا أَمْشِي

فِي الفُسطَاطِ، لمَاذَا، وَكَيفَ رَحلت

وَلِمَاذَا لم أَتَحَمَّل رَهَقِي

وَأَعش بَينَ النَّاسِ كَفَردٍ مِنهُم

أَغضَب مِن هَذَا العَالَم

لَكِنِّي أَغضَبُ مِنَّي

فَأَنَا الآثِمُ أَينَ ذَهَبتُ

وَأَنَّى صِرْتُ، وَمَهْمَا قُلْتُ) ص233.

يوتوبيا أرضية

وَهُنَا، يَتَأَمَّلُ الشَّاعِرُ تِلكَ اليُوتوبِيَا الأَرضِيَّةَ الماثِلَةَ في مَبَاهِجِ الخِلافَةِ، وَارْتِحَالَاتِهَا الفَجَائِعِيَّة بَينَ القَتَلَةِ وَالبُغَاةِ وَالسَّلاطِين، وَيَتَقَصَّى أُحجيَات المصَائِرِ الفَنتَازِيَّةَ الَّتي تَنتَهِي بِمُصَادَرَةِ الحَيَاةِ، وَكَأَنَّ هَذِه الصُّدفَةَ هِيَ الإِجَابَةُ المسْكِتَة عَلَى زَوَالِ مُلْكِ الخَلِيفَةِ، ذَلكَ الآثِم الَّذِي لَم يَعِش بَينَ ظَهرَانِينَا كَأَيِّ امْرِئٍ يَأْتِيهِ كَمَا يَأْتِي الآخَرُونَ، وَيَرحَلُ عَنهُ كَمَا هُم يَرحَلُونَ.

إِنَّ مَرجعيَّاتِ (الكِتَاب) هِيَ مَرجعيَّاتُ التَّاريخِ المستَغلقِ عَلَى مَكرِ السِّيَاسَة، وَالفَضَاءاتِ المتَعَدِّدة الَّتي يَتَهَجَّى فِيهَا أَدونِيس الخَطَايَا وَالانكِسَارَات الطَّقسِيَّة (يَومٌ للسُّلطَانِ وَالآخَرُ عَلَيه)، حيثُ تَنطَوِي هَذِه الفَضَاءاتُ عَلَى إِشَارَاتٍ وَإِيمَاءَاتٍ تَهَكُّمِيَّة تُحَرِّضُ قَارِئه عَلَى الاعتِرَافِ بِالتِبَاسَات هَذا التَّارِيخِ، وَخِطَابِه المشحُونِ بِالمُنَابَذَةِ وَالاحتِرَابِ.

وَأَرَى أَنَّ الشَّاعِر يُجَاهِرُ بِهذِه التَّسَاؤلاتِ المبَطَّنَة بِالرَّفضِ، وَالانتِمَاء إِلَى الإِنسَانِ المقمُوعِ، ذَلكَ الإِنسَانُ الَّذي يَتَصَالحُ مَعَ هُمومِه وَأَوجَاعِه، وَكَأَنَّ أَدُونيس يُقدِّمُ لَنَا قِرَاءَة تَشرِيحيَّة لِهَذا المخيَالِ الأُسطُورِيِّ الماثِلِ في ثُنَائِيَّة القَاتِل وَالمقتُولِ، حيثُ يَقولُ في مَرويَّة (الذَّاكِرَة لِسَنةِ 229ه) :

(آهٍ مِن لَيلِ تَارِيخنَا

لَيسَ في أَرضِنَا غَيرُ شَخصَينِ

أَمَّا قاتِلٌ وَقَتيل) ص192.

الكِتَاب: مَخطُوطَة تُنسَبُ إِلى المتَنَبِّي يُحَقّقُهَا وَيَنشُرُهَا أَدُونيس، الجزء الثالث، دَار السَّاقِي – بَيرُوت، ط1، 2004م.