اختراع الكتابة في العراق القديم

1٬410

ناجح المعموري/

وجدت أقدم كتابة صورية تعود لأول مرحلة من مراحل تطور الكتابة في موقع “حبوبة الكبيرة” بسوريا جنوبي “تل قناص” على الضفة الغربية لنهر الفرات وهي تحمل اشارات أرقام، وهذه تعود الى النصف الثاني من الألف الرابعة قبل الميلاد. والواقع أن العلماء يتفقون على أنه لا يعلم بوجه التأكيد من الذي اخترع الكتابة المسمارية، أهم السومريون أم آخرون سبقوهم في استيطان السهل الرسوبي من غير السومريين.

وهناك من يرجح أن أهل حضارة العبيد الذين سبقوا السومريين هم الذين اوجدوا الخط المسماري / احمد سوسة / سبق ذكره ص 532//

إذا افترضنا أن الوركاء سومرية الهوية، فلا نعلم بالتأكيد من الذي سبق الآخر في وضع الألواح الصورية التي تمثل الخط المسماري أهم أهل كيش الساميون أم أهل الوركاء السومريون، إذا سلمنا جدلاً بأنهم سومريون حقاً. هذا مع العلم أكثر الباحثين يذهبون الى أن لوح كيش الحجري هو أقدم من لوح الوركاء. والسبب موضوعي ومقنع، لأن الكتابة الصورية التي وجدت في كيش السامية وليس من سومر، لأن هذه الكتابة لم تكن مكتوبة على الطين، كما كانت عليه الرقم السومرية التي اكتشفت بعد ذلك في أوروك (الوركاء)، بل منقوشة على الحجر لأن الساميين انحدروا من شمال الرافدين قد تعودوا النقش على الحجر المتوفر هناك مثلما قال العالم أحمد سوسة. ولكن مقولة العالم الاثاري د. نائل حنون انفتحت أكثر حول هذا التباين “هناك الحجر الذي استعمل حين توفره للكتابة”. فقد اكتشفت فيه ألواح صغيرة تحمل الكتابة الصورية في الوركاء. ومن المعروف أن الأشوريين استعملوا الحجر على نطاق واسع في نقش كتاباتهم عليه. واستعملت المعادن في الكتابة. أيضا إضافة الى استعمال الخشب ولكن لم تحفظ منه نماذج بسبب تعرضه للتحليل . د. نائل حنون / المعجم المسماري / معجم اللغات الأكدية والسومرية، والعربية / ج1 / بيت الحكمة / بغداد ص 21// هذا يعني بأن الكتابة على الحجر تكن خاصة بكيش مثلما أشارت بعض المصادر السابقة، بل عرفته مدينة أوروك على نطاق ضيق واتسع توظيفه من قبل الآشوريين، لأنه المادة الأساسية المتوفرة هناك. وما يتفق عليه هو أن مدينة أوروك عرفت مرحلة الانتقال من الرموز / والصورية الى الكتابة ، لوجود تسلسل طبقي واضح. وأشار د. نائل حنون الى أن أهل الوركاء اخترعوا الكتابة بعد تطويرهم لاستعمال الرموز وهو الدليل الذي لم يقدمه موقع اثري آخر خارج العراق.

أن الرمزية بنيت على سلسلة افتراضات ربطتها بابتكار الكتابة في أواخر الألف الرابع ق . م . ولم تبن على أساس تطور في موضوعها أو صلتها الى الكتابة. وهذا الابتكار العظيم غير مسار تاريخ البشرية. ونقل الحضارة الإنسانية إلى آفاق جديدة حين صارت التجارب والخبرات تحفظ وتبقى حتى بعد غياب أصحابها لتنتقل الى جيل جديد يضيف إليها ويطورها. ومع الكتابة لم تعد المعرفة محددة بموضع تولدها. وإنما هو الابتكار الذي يمثل عنواناً لتحول هو الأعظم في تاريخ البشرية بعد مرور سبعة الاف عام على تحول العصر الحجري الحديث / د. نائل حنون / دراسات في علم الآثار واللغات / دمشق / 2011 / ص 24//

أن ابتكار الكتابة ثور الفكر البشري، وألمحت الى أن هذا هو دون شك الإسهام الأهم والمؤسس لإسلافنا الرافدين القدماء، في حضارتنا نحن، بل وفي الحضارة بالمعنى الحصري. وأول كتابة معروفة في بلاد الرافدين، لم يتم بلورتهاـ كما يعتقد غالباًـ بغرض اعطاء الفكر شكلاً مادياً وتثبيته باعتباره كذلك. وهذا ما ستحققه لاحقاً.

كانت أشكال العلامات التصويرية المبكرة واضحة المعالم غالباً ويمكن معرفة الشيء المادي الذي يعبر عنه، وقد تمثل العلامة رسماً للشيء المادي بكامله، كالعلامات التي استخدمت للدلالة على السمكة والمحراث والسفينة وغيرها، وقد تمثل العلامة جزءاً من الشيء المراد التعبير عنه فقط. مثل العلامات التي رأس ثور للدلالة على الثور / عامر عبد الله الجميلي / الكاتب في بلاد الرافدين القديمة / منشورات اتحاد الكتاب العرب / 2005 / ص 20//

قال د. نائل حنون في ” المعجم المسماري ” ج1: لم يقتصر الخط المسماري على اللغتين السومرية والأكدية، وإنما انتشر في العالم القديم ليستعمل في تدوين لغات أخرى. وبالطبع كانت عملية اقتباس الخط للغة الجديدة يعني اجراء تحويرات وتعديلات على الخط وعلى اللغة نفسها. ومن التحويرات الداخلة على اللغة الأكدية تغير اتجاه الكتابة لتكون من اليمين الى اليسار مثل باقي اللغات الجزرية ومنها العربية. وبالإمكان الاعتماد وعلى التاريخية الخاصة بالكتابة المسمارية في الزمان والمكان حيث أكد د. نائل حنون بأنها ابتدأت عام 3300 ق. م وهي نصوص الوركاء ودور جمدة نصر ونصوص تك براك في سوريا. وكنا قد ذكرنا هذه الملاحظة في بداية هذا الرأي واستمرت المسمارية حاضرة في الاستعمال من التاريخ الأول حتى عام 275 وهي آخر ما يشير الى النصوص البابلية. واستولد هذا التسلسل الزمني والمكاني لاستعمالات الخط المسماري، جعل العالم الاثاري د. نائل حنون لافتراض رأي منطقي، يثير الانتباه لمن سيأتي لاحقاً لقراءة هذه التجربة الرائدة التي عرفها العراق القديم وأشار الى ما تعنيه اثارة انتباه القارئ ودفعه الى توقع وجود محاولات للتعرف على النصوص القديمة وحل رموزها في العراق قبل بدء محاولات الأوربيين، فنحن لا نستطيع أن نغفل دور الحضارة العربية الإسلامية في معالجة شتى فروع العلم ومنها كتابات الأولين. وليس من المعقول أن يكون عطاء حضاري عملاق مثل الذي اقترن بالعصر العباسي قد خلا من شيء عن الكتابات المسمارية، ولم يكن يصل إلينا منه بفعل بربرية التدمير الذي تعرضت له بغداد وقاد الى فترات الاحتلال الأجنبية ولم يبق أمامنا اليوم سوى التوقع. أن ما شجعني على ابداء هذا الرأي هو اطلاعي ذات يوم على مخطوطة عربية في بغداد تتضمن محاولات لقراءة الكتابة المسمارية ويمكن أن تكون جزءاً من محاولات أقدم. هذا رأي مهم للغاية، بحاجة للمهتمين بمجال اختراع الكتابة في العراق القديم التحاور مع د. نائل حنون، لأنه قدم ما يشبه التحقق، لأنه اطلع على مخطوطة وما دام هذا الرأي قد استند الى وجود مخطوطة، فحتماً لن تكون واحدة في مدينة مثل بغداد، ونحن بحاجة لملاحظات الأكثر تخصصاً في تاريخ اللغة وجهود العلماء في العصر العباسي، هل غامروا في دخول هذه التجربة أو لا ؟

واختم هذا الرأي الأولي برأي لبرتو ما نغويل الذي قال: أن الأحرف هي علامات الأصوات، وهذه بالتالي علامات الأشياء التي نفكر بها. أن النص المكتوب عبارة عن محاورة تجري على الورق لتمكين الطرف الآخر من النطق بكلمات معينة. بالنسبة الى اوغسطين كانت الكلمة المحكية جزءاً صعب التأويل والتفسير لا يتجزأ من النص نفسه. منذ عصر ألواح الصلصال كانت الكلمات قد كتبت لتقرأ بصوت عال: كل علامة من علامات الكتابة كانت تحتوي في داخلها على نغم معين ـ مثل الروح / البرتو ما نغويل / تاريخ القراءة / الساقي / بيروت / 2003 / ص 58//