اسماعيل فهد اسماعيل:البصرة كانت الهاجس الاكبر في كل اعمالي الادبية

322

كريم راهي /

ليس بعيداً عن (جيكور) السيّاب، على الضفة اليمنى لشطّ العرب في أبي الخصيب، وقبل أن يُنشيء (آل النقيب) الرفاعيّون قصورهم هناك، أوقف أحد فاعلي الخير بستاناً مثمرةً وضع فيها أكوازاً لشرب الماء، يدعونها العامة هناك (سبيل)، ثمّ مع الوقت، صار المكان قريّة، سيمنحونها اسم (السبيليّات).

في هذه القرية سينجب الكويتي (فهد اسماعيل) من زوجته العراقيّة، صبيّاً سيطلق عليه نفس اسم أبيه. خمسة وعشرون عاماً تنقضي ويعود الصبّي الذي صار شابّاً، إلى مسقط رأس أبيه، الكويت، ليصدر بعد نصف قرن من مفارقته لتك القرية، روايته الأخيرة التي حمل عنوانها الإسم ذاته.. السبيليّات.

¶زرته مؤخرا في مكتبه بطلب منه، كان ذلك قبل نيله جائزة (سلطان العويّس) بشهرين أو ثلاثة، لأسأله عن سبب رحيله للكويت:

-مابين عامي 1956 و1959 اعتقلت لأربع مرات، بصفة كويتي مشاكس، فقد كنت اشارك في العديد من المظاهرات. وحين منحت الجواز السفر الكويتي، دخلت الكويت، لأني كنت ممنوعا من السفر بالجواز العراقي وقتها، فقد كانت هنالك اربعة ملفات أمنيّة عنّي بالعراق.

البصرة متعبة!

أعود به إلى البصرة فأسأل:

¶هل تركت البصرة أثرها على رواياتك اللاحقة؟ هل البصرة موجودة في اعمالك؟

-الرواية القادمة تدور أحداثها في البصرة. وايضاً رواية نشرتها في التسعينات بعنوان (يحدث أمس) تدور احداثها في البصرة.

¶وكيف رأيت البصرة في زيارتك الأخيرة؟

-المدينة متعبة..

¶وهل ذهبت إلى أماكنك؟

-نعم، حتى أنّني ذهبت برفقة (محمد خضير) إلى مسقط رأسي في (السبيليات) في أبي الخصيب.. وهو اسم الرواية الجديدة.

¶وكم استغرقت كتابتها، أو فلأقل بشكل أعم: كم يستغرق العمل في كتابة رواية؟

– على حسب طولها، سنة أو سنتان، أو ربما أشهر. هناك مثلاً رواية قصيرة اسمها (عندما رأسك في طريق واسمك في طريق أخرى) في مئتين وستين صفحة، لكنها استغرقت ثماني سنوات!

(السبيليات) فاجأتني

¶هل تقودك الرواية أحيانا، أو مزاج شخصيّاتها مثلاً؟

-نعم، وهذا ما أردت قوله مسبقاً عن (السبيليات) إنها فاجأتني، كان مخططاً لها أن تكون في اثنين وثلاثين فصلاً، وكل فصل من خمس عشرة الى عشرين صفحة، وكل جزء مكتوب على ورقة بكل أحداثه، سيكون هناك مطر، سيكون هناك قصف. فلما وصلت الى الجزء السادس عشر كانت الرواية قد قررت نفسها تماماً.
(السبيليات) ترصد الحرب العراقية – الايرانية من الخلف، هي تحكي قصة امرأة تفرّ مع المهجّرين، ثم تعود سراً لتعيش في قرية، وترصد العساكر الموجودين في خط الدفاع الثاني على الجانب الغربي من شط العرب.

ورود القرنفل

¶حدثني عن رواية أخرى، عن طيور التاجي مثلاً، عن سبب التسمية، وعن ظروف كتابتها!

-هي رواية تدور أحداثها في معسكر التاجي في بغداد، وحينما نشرتها، وكان العراق تحت الحصار الشديد، وصلتني رسائل عن طريق الصليب الاحمر، من عراقيين، ومنهم جميل جاسم الشبيبي، وآخرون لا أعرفهم. كانت الرسائل تصل الى جريدة السياسة التي كنت أنشر فيها اسبوعياً. اذن مزجت تجربة القصة مع تجربة الاصوات المتعددة وهم الأسرى الأربعة مع تجربة الراوي الضمني الضابط الذي كان يروي الأحداث. كانت الأصوات تتحدث بالتوازي، الراوي في مجلة العربي، وهو أنا، بعلاقته بالمجلة التي حرّكته كي يكتب عن الاحداث، كان يروي قصة، والأصوات في الرواية يروون قصة، وفي مكان ما كان ممكن للقصص أن تلتقي. كان هناك تحوير عن القصة الأولى التي كانت أن الأربعة يعيشون في مكان في معسكر التاجي والعريف الذي كان يقيم في التاجي أيضا. وحصل أن وردة قرنفل أزهرت في زاوية المطبخ، وكان هذا أمرٌ يستحق الاحتفاء الذي يقوم به الاربعة، إذ أن بيوت التاجي بنيت من الكونكريت المسلح وبشبابيك مغلقة كي لا يفرّ الأسرى. كانوا يسقونها وتكبر، فتدخل أغصانها من بين قضبان شبابيك المطبخ… ثم يحدث أن العريف يجد صورة لأحد الأربعة في مجلة العربي، يتبين أن أخاه في استراليا هو الذي كتب القصة، فتكون هناك ألفة انسانية بينهم، حتى يأتي يوماً ضابطا برتبة كبيرة في زيارة تفتيشية، ويرى شجرة القرنفل، فينزعج من الأمر ويأمر بقلع الشجرة ونقل العريف عقاباً. العريف الجديد يأتي يوماً حاملاً كيساً قال أن العريف القديم أوصاه بإيصاله اليهم. وفيه أربع شتلات من القرنفل. هكذا كان للرواية بكتابتها الاولى أن تنتهي. لكنها تغيرت، فأصبحت عن لسان الضابط. والتجربة الثالثة كانت أن مزجت فيها مع تجربة العربي بشكل أو بآخر. كانت المحاولة الأولى لكتابتها في ستمائة صفحة، لكن تم إيجازها بشكل كبير حتى أصبحت ثلاثمائة وسبعين صفحة تقريباً.

فهد.. السؤال المحير!

¶ومن أين لك بكلّ تلك التفاصيل عن (التاجي)؟

-انا احب معسكر التاجي، وعشت فيه لفترة، فقد كان خالي العراقي من اوائل الضباط الذين مُنحوا رتبة الأركان، أبتعث إلى لندن وعاد بعد سنة ليتسلّم معسكر التاجي، وكانت فيه مدرسة لاسلكي يلتحق الطلاب بها بعد الابتدائية. عشت هناك سنة 1955-1956. كان خالي آمراً للمعسكر وكان يسكن في فّيلا من طابقين في بيوت الضباط، كانت هنالك مهاجع الجنود، وورش التدريب على أجهزة اللاسلكي. كان المعسكر كبيراً ومحاطاً بسياج، وأذكر أنّني كنت أنام على السطح في الصيف. أتذكر أيضا الممرات داخل المعسكر.. وحين قامت حرب الكويت، أُسِر فيها أخي القاضي، ولليوم ليس لدينا أي خبر عنه، لم يجدوا رفاته.. عشت الاحتلال وكتبت عنه. بعد ذلك ترددت أخبار عن أسرى كويتيين، وكان من بين المهتمين جداً الدكتور غانم النجار، ومعه محمد أشكناني، حتى أنهم عبروا حدود تركيا إلى العراق اكثر من مرة في محاولات لاستعادة الأسرى أو رفاتهم. ولما فُرض الحصار على العراق، وكانت هناك لجان تفتيش عن أسلحة الدمار الشامل، احتفظ النظام العراقي بالأسرى الكويتيين في سجون سريّة، وكانوا أكثر من ستّمائة أسير، ومن الغريب أن الأكثرية العظمى من هؤلاء كانوا يحملون اسم فهد، كان الشهيد الأول في الكويت، فهد الأحمد، وكان من البارزين في المقاومة عبد الفهد الاحمد، سليمان الفهد ابنه أيضا ذهب ولم يعد. لذا لم افهم يوماً لماذا كان توجه النظام العراقي نحو الاسم!!
أترك أبا فهد في حيرته.. أغادر المكتب، وفي رأسي السؤال نفسه.. لماذا كانت قوّات صدّام تعتقل كلّ من يحمل اسم فهد؟؟