افتتاح المتحف الوطني العراقي بعد سنوات من الإغلاق هنا.. حيث ترك العراقيون أعظم الهدايا للبشرية

124

علي الشيخ داغر  – تصوير : حسين طالب

السادس من شهر آذار الحالي كان يوماً استثنائياً بامتياز، فقد شهدنا فيه افتتاح المتحف الوطني العراقي ومعرض الآثار المهربة خارج البلاد، التي تم استرداد العديد منها من قبل الحكومة العراقية. وجاء الافتتاح متزامناً مع يوم السلام العالمي وذكرى زيارة بابا الفاتيكان للعراق في العام الماضي، ولقائه بالمرجع الأعلى آية الله السيد علي السيستاني.
رئيس مجلس الوزراء، مصطفى الكاظمي، الذي افتتح المتحف رسمياً بحضور العديد من الشخصيات الرسمية والبعثات الدبلوماسية والمثقفين والفنانين من زوار المعرض، أثنى على الجهود المبذولة من قبل وزارة الثقافة والسياحة والآثار، وباقي المؤسسات الرسمية الأخرى، في الحفاظ على آثار العراق وتراثه الحضاري، مؤكداً على مواصلة جهود استرداد آثارنا عن طريق العمل الدبلوماسي مع باقي الدول، مشدداً على حق العراق في استعادة كل الآثار العراقية التي تم تهريبها، أو سرقتها، قبل وبعد سقوط الطاغية عام 2003، واستمرار دعم الحكومة اللامحدود لهذه المهمة..
سيّاح أجانب
ونحن على أبواب المتحف، شهدنا حركة غير مسبوقة لوفود عدة، سيّاح أجانب، طلبة الكليات العراقية، عوائل عراقية، جميعهم حضروا لمشاهدة آثار العراق، وكانت لحظة احتفاء ساحرة بهذا الإرث العظيم.
ما رأيناه هناك أثناء تجوالنا في أروقة المتحف كان مبهراً جداً، ملامح الدهشة على وجوه زواره، لحظة اتصال بين عالمين مختلفين، لحظة انبثاق الحضارة لدى أسلافنا، بدءاً من سومر، مروراً بأكد وبابل وآشور، وصولاً إلى الحضارة الإسلامية ولحظتنا المعاشة، كان فيها زوار المتحف يشاهدون الأعمال المعروضة بفرح غامر.
آثارٌ مستعادة
ولمعرفة جديد المعروضات في المتحف، التقت “الشبكة” رئيس الهيأة العامة للآثار والتراث، الدكتور ليث مجيد حسين، الذي أعرب عن سعادته بإعادة افتتاح المتحف، بعد سنوات من إغلاقه لأسباب عدة، منها زخم تظاهرات تشرين التي انطلقت عام 2019 وجائحة كورونا، وترميم بعض قاعاته، مبيـناً أن عدد القطع المستعادة بعد أن كانت مهربة خارج العراق، بلغ سبعة عشر ألف قطعة أثرية من الولايات المتحدة الأمريكية، وقطعاً أخرى من اليابان وهولندا وإيطاليا، إضافة إلى ثلاثمئة وسبع وثلاثين قطعة أعيدت من متحف (نابو) في لبنان.
واشار إلى أن هذه الإنجازات ما كانت لتتحقق لولا جهود رئيس مجلس الوزراء، ووزير الثقافة والسياحة والآثار وكادر وزارته، بالتنسيق مع وزارتي الخارجية والعدل والمخابرات العراقية والمؤسسات التابعة لكل منها.
وأكد الدكتور حسين أن عمليات الاسترداد مستمرة. موضحاً أن أغلب هذه القطع المستعادة جرت سرقتها بعد نهبها من المواقع الأثرية عن طريق النبش العشوائي وتهريبها إلى خارج العراق. مضيفاً أن الهيأة لديها اتفاقيات ومذكرات تفاهم لإعادة الإرث الحضاري العراقي. موضحاً أنه يسعى، بالتعاون مع اليونسكو، لإقرار قانون تجريم الاتجار بالآثار العراقية المهربة مع الاتحاد الأوروبي، وهو القانون الذي أقرته الحكومة الأمريكية سابقاً وأسهم باستعادة آلاف القطع الأثرية المهربة.
تواصل مع التأريخ
أثناء جولتنا في المتحف، أثارتنا سيدة عراقية كانت تتجول فيه وهي تتحدث مع مجموعة من زوار المتحف الشباب، سيدة تتحدث بنبرة اعتزاز وافتخار، وهي تؤكد للزوار على أهمية أن يتواصلوا مع تراثهم وحضارتهم لأنهم امتداد أصيل لهذا الإرث المهم.
هذه السيدة كانت وفاء عبد الجبار، مديرة قسم الأدلاء والمرشدين في المتحف، التي أعربت، في حديثها معنا، عن سرورها بإعادة افتتاح المتحف، مبيـنةً أن هذا المتحف هو شاهد على تأريخ هذا البلد وحضارته، ويختصر عمق وجذور هذا البلد العريق الضاربة في أعماق التأريخ.
وأشارت عبد الجبار إلى أن هذا الكم الهائل من زوار المتحف يؤكد تعطش العراقيين لرؤية ما يتم عرضه فيه.
وعند استفهامنا عن الغاية من افتتاحه يومياً من الساعة التاسعة صباحاً حتى الساعة الواحدة بعد الظهر، عدا يومي الجمعة والسبت، وهما اليومان اللذان يغلق فيهما المتحف، مبينين لها أن هذه التوقيتات لا تتيح للعائلة العراقية الوقت الكافي لزيارته والتمتع بمعروضاته، قالت عبد الجبار: “بالنسبة لنا نتمنى أن يستمر دعم المتحف من قبل المسؤولين وأن تعاد التوقيتات السابقة، حين كان المعرض يفتح من الساعة التاسعة صباحاً حتى الساعة السادسة مساءً”.
خطوة مهمة
تركنا السيدة وفاء بعد أن تجولت معنا في بعض قاعات المتحف، وتوجهنا إلى مجموعة من زواره، وكان أحدهم الأب أمير ججي الدومينيكي، وهو مستشار في المجلس البابوي لحوار الأديان.
الأب (ججي) قال إن هذا الحدث يمثل لنا خطوة مهمة في تأريخ العراق، ذلك لأنه يمثل حضارة وحياة الإنسان العراقي في عصور مختلفة، وتأريخ أديانه القديمة والجديدة، مضيفاً: “نحن فخورون بهذه الحضارة، ونتمنى أن نكون قادرين على حمل إرث هذا التأريخ الذي بنى حضارة الإنسان، ونحن أبناء هذا الإنسان وتاريخه”.
لا يمكنك، وأنت تتجول في أجنحة المتحف، إلا أن تشعر بالرهبة وبعظمة الأسلاف، أسلاف وثقوا حياتهم وعلومهم عبر رُقيمات طينية، تفاصيل حياة مازلنا حتى اليوم نمارسها، وعلوم صامدة حتى اللحظة بقوتها وعمقها العقلي والفكري.
معرض فني
يضم المتحف قرابة 150.000 قطعة فنية، لحضارة وادي الرافدين وهذه الآثار التي يعرضها المتحف هي ملك للإنسانية جمعاء وليس للعراق فقط، إنها معرض فني مقام منذ آلاف السنوات: جدران معابد، تماثيل حجرية لآلهة، نساء ورجال، مجسمات لحيوانات كثيرة، ثيران مجنحة، أوانٍ نُذرية، جداريات لملوك وملكات، حُليٌ ذهبية، التجول فيه نزهة لاتضاهيها نزهة أخرى، ورحلة تمر فيها بأزمنة قديمة، وأنت تسير بين الملوك وآثارهم في هذا المتحف الساحر.