الأسطورة والطبيعة حاضرتان في مرجعيات شعر السماوي

178

نصير الشيخ /

يبقى الجهد القرائي للمتلقي مساراً مضيئاً لبعث روح النص وتجديد أسئلته وفك رموزه، ومن ثم تقديم معنى معنيٍّ بفهم الآخر, من هنا يكون التوقف عند حقول الشعر مهمة ليست سهلة بمقدار ما تحمله من جمالية لإعادة صياغة القول الشعري وتفكيك شفراته.
كتاب (تمثلات شعرية الآيروتيك الحسي في غزليات يحيى السماوي الجمالية)، لمؤلفه د. جبار ماجد البهادلي، الذي هو دراسة نقدية بإطار بحثي، تناول قصائد الشاعر العراقي المغترب يحيى السماوي المقيم في أستراليا، قصد المؤلف من خلاله الكشف عن المكانة الثقافية للمرأة في شعر السماوي، ومن ثم استكناه بنية الخطاب الذي تميز به أسلوب الشاعر الفني والتخليقي في النظر إلى المرأة ككيان معشوق ومقدس، وتتشكل هي لديه معجماً شعرياً ثراً، بل وأخذت مساحة وآفاقاً شعرية كبيرة لافتة من عمق تجربته.
رمزية المرأة
قسم المؤلف كتابه الى فصلين، تناول الفصل الأول مبحثاً تحت عنوان (تمثلات شعرية الآيروتيك الحسي)، جاء في أبواب عمقت رؤيا المؤلف للظواهر الحسية في شعر السماوي ورصدها وتفكيك بنيتها، ومن ثم تحليل الصيغ الفنية للقصائد المختارة، مقدراً ارتباط كل ذلك بالرمزي والأسطوري والطبيعة والوطن.
أما القسم الثاني، فقد جاء تحت عنوان (المستويات الجمالية لشعرية التناص)، درس خلال أبوابه أيضاً شعرية السماوي وحضور التناص بكل مدلولاته ومستوياته وبناه الجمالية التي شكلت مرجعيات ثرة في تجربة الشاعر.
في مدخل تمهيدي بيّن المؤلف مفارقة الشاعر يحيى السماوي لأقرانه من الشعراء على وفق الترتيب التالي: “فهناك شاعر نصي تقليدي ذو خطاب قولي نسقي، وهناك شاعر فكري مثقف يجعل من نصوصه مشروعاً شعرياً فكرياً ثقافياً فنياً جمالياً”. مستخلصاً – أي المؤلف – عبر كشوفاته النقدية وتحليلاته النصية وقراءته الجادة والمعمقة في قصائد الشاعر، أن “يحيى السماوي بفكره الواعي الثاقب وخطوته الواثبة، سعى الى بناء وتأثيث مشروعه الشعري الثقافي الفكري الجمالي الناهض برمزية المرأة في تشكلاته الغزلية وعشقياته الحسية والروحية.” ص10.
تحررٌ فلسفي
تتبع مؤلف الكتاب د.جبار ماجد المثابات الشعرية لدى السماوي عبر قراءته المتأنية والجادة والحاذقة، مختاراً من شعرية السماوي ديواني (تيممي برمادي)، الصادر عن دار تموزـ دمشق ـ 2019، و(التحليق بأجنحة من حجر/ مخطوطة قيد الطبع)، كاشفاً، الناقد فيها ومنها، حقولاً دلالية في المساحة الشعرية للسماوي، التي من خلالها حقق الشاعر خرقاً فنياً واضحاً غير مألوفٍ في الولوج الى مناطق عديدة من مظاهر حسيات الجسد الممنوع والمحرم دينياً وثقافياً.
ولأن القصيدة مراوغة دائماً، عابرة اللغة بقوانينها وقاموسها الاستعاري الى آفاقٍ أبعد، تجعل من الشعر فضاءً مكتنزاً بكل ماهو مدهش ومغاير، بالاعتماد على الصياغات الجمالية التي يبدعها الشاعر، التي تشكل له امتيازاً جوهرياً، ولأن المرأة هي كينونة هذا الاشتغال لدى الشاعر في ديوانيهِ هذين، وجد الناقد أنها من “منحت الشاعر كل هذه القدرة التعبيرية، وظلت المرأة في خطاب (السماوي) الشعري ومرجعياته الثقافية المعلنة أو الخفية مرجعاً نسقياً مهماً، منفتحاً روحياً على آفاق التحرر الفلسفي العابر من الدنس السياقي الفاحش الى ظاهرة المقدس الروحي.” ص44.

دلالات فكرية
في الفصل الثاني من الكتاب يقدم لنا المؤلف الناقد ما يفيدنا -نحن القراء المتلقين- عن صاحب المنجز الشعري الكبير والمختار لدراستهِ ومادة كتابهِ هذا أي (يحيى عباس الحسناوي المعروف بالشاعر يحيى السماوي، المولود في محافظة المثنى، وهو شاعر وأديب معاصر يكتب الشعر ذا السطرين والشعر الحرِ وقصيدة النثر الشعرية الجديدة). الذي أثرى المكتبة العراقية في منجزه الذي قارب نحو ثلاثين ديواناً شعرياً، وحفلت تجربته بالعديد من الدراسات النقدية والبحوث الأكاديمية لطلبة الدراسات.
كتاب (تمثلات شعرية الآيروتيكِ الحسي في غزليات يحيى السماوي الجماليةِ) لمؤلفه د.جبار ماجد البهادلي، جهد قرائي استثنائي، استطاع من خلاله سبر التجربة الشعرية للشاعر المقيم في أستراليا يحيى السماوي، وتتبع خطابه الفكري والآيديولوجي تجاه المرأة، محملاً هذا الخطاب بدلالاته الفكرية والثقافية في النظر إلى كيان المرأة المعشوقة المقدسة. ذلك أن المرأة في شعر السماوي مثلت حقلاً رئيساً يانعاً من حقول
معجمهِ الشعري الثر.
الكتاب جاء بـ (208) صفحات من القطع المتوسط، وصدر عن دار أشرف وخلدون/ طبعة أولى 2022.