الألقاب الأدبية ما بين عرس الماضي ومأتم الحاضر

87

#خليك_بالبيت

يوسف المحمداوي /

متغيرات الحياة واختلاف أنماطها وفق التطورات التي يعيشها المجتمع تتكون من خلالها إفرازات، ننصاع لأوامرها ومتطلباتها شئنا أم أبينا، فلكل عصر تقاليده وشوارده وشواهده وروافده التي نغرف منها درر المتغيرات وإنعكاساتها حتى على أبسط السلوكيات ناهيك عن الصعب منها.
والأدب شأنه شأن بقية مناهل الحياة له حصته من تلك المتغيرات لا سيما أنّه مرآة المجتمعات ومقياس رقيّها، وبالأمس القريب كان المجتمع الأدبي تتسيده ظاهرة الألقاب وإطلاق الصفات على رموز ومبدعي هذا الطود المعرفي الشامخ، فتجد طه حسين يتربّع على عرش عمادة الأدب العربي، والجواهري شاعر العرب الأكبر وأحمد شوقي أمير الشعراء، وأبو القاسم الشابي شاعر الشباب، وهذا عميد المسرح وذاك شاعر النيل، ومعركة خفية بين السياب ونازك الملائكة على ريادة الشعر يخوضها البعض بالإنابة عنهما دون علمهما، لكن اليوم على الرغم من ثراء الساحة الادبية بالكثير من المبدعين وبجميع روافد الأدب، تجد ظاهرة الألقاب قد تلاشت، ونادرا ما تسمع بلقب آني يطلق هنا وهناك وسرعان ما يتلاشى، القسم الثقافي في مجلة شبكة الإعلام العراقية يسأل عن سرّ هذا التلاشي، فأهل مكة أدرى بشعابها ومنهم – الأدباء والكُتَّاب – سنجد مبررات حضور الألقاب في الماضي وانحسارها في الحاضر.
عدم سطوع المواهب
القاصّة والإعلامية عالية طالب ترى أنَّ الظاهرة تعكس وتبيّن لنا الفارق ما بين إبداع الرواد والجيل الحالي بمبررات تقول فيها: “هي لم تنحسر عن فراغ بل بسبب عدم سطوع كفاءات ومواهب توازي مساحة الرواد الذين حملوا تلك الألقاب الرصينة، ونعرف أنَّ مصر هي أول من ابتدأ بتصدير هذه الصفات التي لازمتهم إلى الآن، ولم يقتصر الأمر على الأدباء بل شمل الفنانين والموسيقيين وأصبحنا لا نحتاج إلى ذكر الاسم بمجرد ذكر اللقب”.
وتطرح القاصة طالب سؤالها ثم تجيب عنه بالإيضاح، قائلة: “هل هذا يعني خواء المواهب أم إن هناك سببا مضافا تمدّد ليفترش مساحة أخرى قضمت إنشغالنا بالمبدعين الا وهي الكوارث والحروب والأزمات والمتغيرات السياسية التي طالت المنطقة العربية والتي جعلتنا نطلق الألقاب على الرؤساء والعسكريين والعابثين بأرواحنا ومستقبلنا لتكون ألقاباً ساخرة وسلبية بعد أن كانت الذائقة العربية يلذ لها اختيار أجمل الكلمات لتعطيها لأبدع الشخصيات وأهمها.
الهم العربي انسحب ليسكت مواهبنا وأصبحت ظاهرة “الموهبة المميزة” شحيحة ولا تحتاج إلى لقب يوازيها، إذ إنّها سرعان ما تخبو أو تكون بحجم موهبة “النص الواحد” وغالبا ما نتوقف عن الثناء حين نجد أن المنتج القديم بقي هو الأفضل من اللاحق وهنا علينا أن نسحب اللقب فيما لو فكرنا بتصديره للمشهد الثقافي كما تقول طالب”.
تقنيات الميديا وتأثيراتها
في حين الشاعر والناقد أ.د حمد محمود الدوخي بيّن لاستطلاعنا :”أنا من وجهة نظري أمام استطلاع فاعل، لأنّه يرصد حركية الزمن من خلال الفعل الأدبي الثقافي، فانحسار هذه الظاهرة مرتبط بعدّة عوامل؛ في مقدمتها انسحاب ظاهرة الشخصية المسيطرة أو المحورية المشهورة أمام هذا التوفر الهائل لوسائل الحضور والظهور، التي تتلخّص بتقنيات الميديا (فيسبوك وانستغرام وتويتر وياهو وغوغل .. الخ) فعلى سبيل المثال عملياً في السابق لم تكن أي من الوسائل السابقة متاحة، فضلا عن اقتصار التلفزيون على قناتين، الأمر الذي يعجّل بصناعة الشهرة التي تؤدي إلى هذه الألقاب في حين نحن اليوم أمام فيلق من الوسائل التي مكّنت الكل من الظهور أمام الجمهور”.
المعارك الأدبية
القاص والإعلامي عبد الستار البيضاني يقول بهذا الشأن :”ليست (ظاهرة) الألقاب الأدبية وحدها التي كانت تتسيّد الحياة الثقافية في العقود الماضية وانحسرت الآن، هناك أيضا ظاهرة التحقيب الزمني والتجييل للنتاج الأدبي والأدباء، وظاهرة الجماعات الأدبية، وكذلك المعارك الأدبية التي أرى أنّها أعلى مراحل الرصد والمتابعة النقدية للنتاج الأدبي.. هذه الظواهر وغيرها اذا جاز لنا أن نسميها ظواهر هي دلالات على حيوية وفعالية المشهد الادبي في تلك العقود، ما خلق نوعا من المنافسة والجدل المستمر الذي انعكس إيجاباً على نوعية النتاج الأدبي وتأثيره في الحياة العامة، لا سيما أنّ تلك الألقاب لا تمنحها مؤسسات حكومية أو ثقافية أو يغدق بها السياسيون على هذا الاسم أو ذاك، وكانت ثمة محاولات لإعادة الحياة لهذه الألقاب وفاعليتها في زمن النظام السابق، عندما منحت الألقاب لبعض الشعراء مثل (شاعر أم المعارك) و(شاعر القادسية) ومنحتها بمراسيم جمهورية مع امتيازات مادية لكنّها زالت بزوال السلطة التي منحتها، بينما بقيت ألقاب مثل شاعر العرب الأكبر وكذا الحال على المستوى العربي”.
ويرى البيضاني: “أنّه من هذه الزاوية يمكن القول إنّ غياب (الألقاب الأدبية) في العقود الأخيرة هو دلالة على شحوب الحياة الثقافية، والغياب شبه التام للحركة النقدية، التي بدأت بالتراجع منذ التسعينيات وهي المرحلة التي انتهى فيها التجييل الأدبي وما كان يترتب عليه من جدل ونقاش بصرف النظر عن قيمته أو حقيقته لكنّه في جميع الأحوال مؤشر على مقدار حيوية الحياة الثقافية ووجود مناخ ثقافي”.
حالة تسويقية
القاص برهان المفتي له رأي آخر إزاء هذه الظاهر يقول فيه : “أول لقب كان من نصيب (طه حسين) بعد فصله من الكلية سنة ١٩٢٣ فنظّم طلابه مظاهرة رافعين شعار (عميد الأدب العربي) في تحدٍ لقرار فصله. ثم جاء لقب (أمير الشعراء) لأحمد شوقي من مصر أيضاً. فهي عادة مصرية ثم صارت من ممارسات الصحافة المصرية في إطلاق الألقاب على المطربين والمطربات والممثلين والممثلات كنوع من التسويق التجاري، وانتقلت تلك الممارسة إلى الصحافة اللبنانية ولا تزال تطلق على الفنانين. بمعنى هي حالة تسويقية تقوم بها دور النشر للتسويق أو مدير أعمال المطرب والمطربة لتنظيم الحفلات وزيادة مبيعات التذاكر، فهي دون قيمة أدبية أو فنية، بل قيمة تجارية، وإن بدأت كحالة اعتراض على قرار إداري كما في حالة طه حسين. ربما هي حالياً أقل في الوسط الأدبي، لكنّها موجودة وبكثافة لدى أهل الغناء. وإن كان سؤالك عاماً يشمل الأدب والغناء فلا اتّفق أنّها انحسرت، وحتى مع (شعراء الحفلات والظواهر الصوتية) أصبحنا نسمع ألقاباً بدل أسمائهم بحسب مواقفهم. بالنتيجة هي ممارسة تجارية لها مردود مالي ليس أكثر بحسب قول المفتي”.
تطورات الحياة
المتحدث الإعلامي باسم اتحاد أدباء وكُتّاب العراق الشاعر عمر السراي يعزو الأمر إلى التطور الحياتي بقوله: “كما انحسرت من قبل أوصاف من مثل (فحولة الشعراء) بدأت الحياة بالتطور، لتتجه من الفحولة نحو النجومية، ثم نحو التسميات الأخرى والملاحظ أنّ الألقاب التبجيلية، بدأت بالانحسار لتكوّن رؤية ثقافية جديدة، مفادها أن الأدب ليس وسيلةً وغرضاً، إنما هو محاولة للتعبير الخاص الذي ينطلق ليمثل الجميع بحسب قول السراي، مبينا أنّه في زمن الميديا والأنترنت والتواصل الكبير، لم تعد للألقاب فائدة، فلربّما مقطع صغير أو صورة أو كلمة تثير في الناس أحداثا وألقاباً، لذا لم يعد الأدب مرتبطاً بمؤسسة رسمية، إنما هو نتاج الحياة الضاجّة، ولم يعد الأديب منتمياً للصالونات الفاخرة وعلية القوم، إنما هو الكائن الطبيعي المشارك بكل شيء. لقد تطوّر التلقي، كما يقول الشاعر وصار يعي أنّ النصوص هي الخالدة، وأن لا صغير ولا كبير أمام الذائقة، لذلك ذابت الألقاب، أفل نجم مطلقيها”.
ازدهار المنطق العقلي
الباحث والكاتب د. سلام حربه ينظر إلى الموضوع من زاوية أخرى بقوله: “ظهرت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ألقابٌ أدبية خصّت المبدعين الشعراء والكُتَّاب العرب كلقب عميد الأدب العراقي الذي لازم الدكتور طه حسين أو أمير القوافي شهرة الشاعر أحمد شوقي أو شاعر العرب الأكبر الذي كرّم به العرب الجواهري، هذه الألقاب لم تأت من فراغ بل فرضتها مرحلة تاريخية صحية كانت تمرّ بها الأمة العربية بعد تحرّرها من الاستعمارين البريطاني والفرنسي وظهور حكومات وطنية في معظم البلدان العربية، كما هبّت رياح الحداثة على هذه البلدان في كل المجالات العلمية والإنسانية وفي الفكر والفنون والآداب، فكما تطوّرت العلوم والبحوث الطبية وظهرت أسماء أطباء ما زالوا خالدين في ذاكرة التاريخ، كذلك حفلت الهندسة بالكثير من القفزات والابتكارات التكنولوجية والمعمارية أو في العلوم الإنسانية وفي حقول الفن التشكيلي والموسيقى والغناء وحتى الحياة المدنية كانت مبهرة وحضارية وقادتها معروفون بالوطنية والإخلاص” كما يقول حربه”. مؤكدا :”إنّ تلك المرحلة التاريخية ارتبطت بازدهار المنطق العقلي وتراجع السلفية الظلامية وصراع الأفكار بين مختلف المدارس والاحزاب السياسية اليسارية والقومية والراديكالية وكل منهم يحاول أن يكون رائداً في التجديد وابتكار أنماط الحياة عصرية كي يضمن بقاءه. الزمن الجديد بعد تغول الرأسمالية وانهيار الاتحاد السوفياتي وظهور الإسلام السياسي سببت عقما في رحم الحياة، لأنّ الانسان وطاقاته وإبداعاته أصبحت سلعة تباع وتشترى، فتراجعت الحداثة وتم تمجيد لقب رأس المال فقط وأصبح زمن الألقاب والتأسيس تسميه الشعوب الزمن الجميل كما يرى حربه”.
دوافع آيديولوجية
الناقد الأدبي د. أحمد مهدي الزبيدي ينظر إلى الأمر بصورة نقدية موضحا بقوله: “ليس الشعر العربي وحده مَنْ يُتّهم بالغنائية، فثقافتنا العربية يلوحها الاتهام، ومنها (الاحتفائية النقدية) التي تطلق الأحكام (الألقاب) بمرجعيات ذاتية نابعة من دوافع آيديولوجية تتحكم فينا، وكلّما تعمق الصراع بين الآيديولوجيات انقسمت الثقافات بين مؤيد ومعارض حسب المصالح الذاتية والثقافية.. فما كان لحسان بن ثابت أن يلقب بـ (شاعر الرسول) لمزايا فنيّة بل لإيمانه بالإسلام وانضمامه إلى فريقه، فهجا قريشاً بأيامهم وهزائمهم فكان لسانه عليهم أشد من وقع النبل..
وحين تجلّى (العصر الحديث) لم تنجل عنه الأنساق العربية القديمة، إذ بقيت متسربة إلى ثقافتنا، ومنها المنطقة الأدبية فتولّدت الألقاب الاحتفائية على وفق مرجعيات آيديولوجية تناهض الفرق المناوئة لها ومنها الشعراء والأدباء، وإلا كيف يُمنع الجواهري من تدريسه في الجامعات العراقية؛ أيام الدكتاتورية البعثية، وكيف يحرم ذكر اسم مظفر النواب ولمَ ندرس نازك الملائكة للطلبة على حساب السياب؟ .. اللقب على قدر (الانتماء) ! كما يقول الزبيدي”.