“الأنفة العراقية” عقدة تعود بجذورها إلى السومريين

357

آمنة عبد النبي /

كانت العائلة العراقية في التسعينات تجتمع حول برنامجه التلفزيوني “حذارِ من اليأس”، قبل أن تختطفه الاذاعة، ليستمع لشكاوى القلوب الملتصقة بالراديو آخر الليل، هو ابن الصحافة والإعلام حيث هجرهما لينتقل الى ميادين العلم، ويكمل رحلته مع الباحثين عن حل لمعاناة الناس النفسية.

“الشبكة” أبحرت في عوالم أ.د. قاسم حسين صالح أحد أبرز علماء النفس في العالم العربي والحائز على جائزة تونس ولقب “الراسخون في العلوم النفسية ” ولامست عذوبة روحه السومرية المكتظة بضمادات علاج تشفي من يطلبه، واستعادت معه شريط ذكرياته ومحطات رحلاته مع القلوب الحائرة.

حذارِ من اليأس

يؤكد أ.د. قاسم حسين صالح أن “لامكان لادغال اليأس في حديقة الحياة، الشعار الشجاع الذي استمريت أحفر حروفه في صدور اليائسين وأبذرها بحبيبات الأمل،” علماً أنني من سنة 1991 أمارس دوري بنشر الثقافة النفسية ومن محطاتها الجماهيرية المهمة برنامج”حذار من اليأس” وهو أطول برنامج إذاعي كانت تتابعه العائلة العراقية، ليس على صعيد العراق فحسب وانّما على صعيد الإذاعات العربية، كان برنامجاً مخصصاً لعرض حالات نفسية واقعية ويقدم حلولاً آنية.

ويستدرك صالح:” ولكن بعد أنّ تعرضت الى حالة تهديد سنة ٢٠٠٤ اضطررت الى مغادرة بغداد، ولكي أضمن دوام نشر الثقافة النفسية حولت البرنامج من إذاعي الى صفحات نفسية شاملة تصدر كلّ خميس في جريدة “الصباح” والآن دخلت سنتها الثامنة علماً أن كادر التحرير في الصحيفة اخبروني مراراً وتكراراً أنّ يوم الخميس تزداد مبيعات الجريدة بشكلٍ ملحوظ، وهنا أود أنّ أسجل شكري واعتزازي بالسيدة سعاد البياتي المسؤولة عن هذا الأمر هناك، والتي تبذل جهداً كبيراً مع الكادر، لتخرج الصفحات بألوان وبمعادل صوري ممتاز”.

الأنا السومرية

ويلفت صالح الى أمر لايعرفه الكثيرون عن الشخصية العراقية بأنها “تحمل ثوابت ومتغيرات، ومن الثوابت فيها هي عقدة تصخم الأنا، بما معناه “الأنفة العراقية” التي يحملها كلّ فرد، وهذا الجذر تأريخياً لو بحثنا عنه سنجده يعود الى السومريين وشخصياتهم والتي أنا ثبتها في كتابي “الشخصية العراقية من السومرية الى الطائفية” الذي سيصدر قريباً، حيث كان جدنا السومري هو الوحيد في تلك الحضارات لايعترف باله، علماً أنّ كل الحضارات الأخرى تعترف باله معين، وأيضاً كانت الشخصية آنذاك دنيوية مقارنة بالحضارة المصرية مثلاً، تجدين الأخيرة حضارة آخروية وبالتالي هنا الذي يؤمن بالآخرة تجدين لديه حالة عالية من الزهد والتحسب ومهابة الالهة، أمّا الذي يؤمن فقط بالدنيا فيتجه نحو السلطة والتسلط لأن السلطة تُفسد الحاكم إلا ماندر لأنها تؤدي به الى الثروة، وهذه ليست خاصية بالعراق فقط وانّما التركيبة الإنسانية بمجملها هكذا.

العصاب السياسي

ويستذكر صالح أنّ الزعيم عبدالكريم قاسم، كان ينام في غرفة داخل وزارة الدفاع، حتى أن أخاه الذي طلب منه مرارا نقله لمكان آخر رفض طلبه بشدة إيماناً منه بالعدالة الاجتماعية، كان ما يأكله يأتي مطبوخاً من بيت شقيقته داخل “سفرطاس” أي قدر صغير.

ويستدرك صالح بنبرة فيها الكثير من الأسى ” للأسف أنّ الفساد استشرى بالعراق وهذا الكلام لا أقوله لوحدي وانّما المرجعية قالته تكراراً ومراراً، بل السياسيون أنفسهم يقولونه، ولكن لا أحد هنالك يعترف بأنهُ أحد عناصر الفساد، كل تلك العناصر ولّدت في الشخصية العراقية عقدة الاختلاف مع الآخر، صار من الصعب جداً عليهم الاتفاق مع المختلف، اتعلمين أنّ أصعب شيء لدينا هو مصاحبة ثقافة الاعتذار والتي هي بالأصل ثقافة تسامح وأخلاق وقيم إنسانية بحتة، كل تلك العوامل في الشخصية تم استغلالها وتوظيفها من قبل السلطات السياسية على مر الأزمنة وليس الوقت الحاضر فقط وقبله السلطة الصدامية الدكتاتورية المتمثلة بما يقوله صدام والكل يسمع من دون معارضة، أنّها عقد مركبة توارثتها الشخصية العراقية بتراتب.

عقدة الدونية والتسيد

وعن عقدة الدونية والتسيد يقول أ.د. صالح أن “الحول” الادراكي وهو المصطلح النفسي الذي طرحته لتلخيص عقدتي الدونية والتسيد، باعتبار أنّ وجهة النظر تميل هنا الى غير الاتجاه الصحيح، بما معناه أنّ ابن الطائفة الفلانية ينظر الى طائفته بكمال مطلق، وكأنها كلها ايجابيات ويغمض عينيه عن سلبياتها، في حين أنهُ يشخص سلبيات الطائفة الأخرى بتضخيم وبهارات طائفية في حين أنهُ يصغر ايجابياتها حدّ الالغاء، نفس الشيء بالضبط عند ابن الطائفة الأخرى والمصاب أيضاً بالحول الادراكي، اذن هنا صار يتوالد لدينا وخلال هذه السنوات عند الطرفين، عقدة الشك المرضي التي سميتها ” البانورايا السياسية ” أي أنّ هذا الفريق يشكك بالفريق الآخر بأنّ شعاره الرئيس “لاتغدى به قبل أن يتعشى بي” هنالك سوء فهم في النوايا، الحقيقة أنا شخصياً ادعو ومعي مجموعة علماء نفس عراقيين موجودين في بريطانيا وأمريكا، الى أن نلتقي نحنُ علماء النفس وباعتباري أيضاً أحد علماء النفس العرب الفائزين بجائزة تونس بلقب (الراسخون في العلوم النفسية) من ضمن ست شخصيات فائزة فقط، وحالياً نحن بانتظار الضوء الأخضر ومستعدون أنّ نأتي كطاقم وعلى حسابنا الخاص للبدء بمشروع تسوية الخلافات والمراهنة على حلها، لأن الجميع يحمل فكراً خاطئاً عن الآخر المختلف مع أن نوايا الجميع طيبة.

مسرحي بنكهة السايكولوجيا

وعن بداياته يقول: أنا في الأصل فنان ممثل، اعتليت المسرح وعمري ١٢ سنة، بدأت في السبعينات حينما تم الاعلان عن مسابقة لاختيار مذيعين ومذيعات للعمل في التلفزيون وجاءوا بوقتها بلجنة اختبار من مصر، من ضمنهم مدير برامج صوت العرب، والصحفي الكبير كرم شلبي، وأيضاً من بينهم الفنان الراحل بدري حسون فريد، تقدم للاختباربحدود ١٢٠٠ شخص، فنجح في الاختبار عشرة أشخاص فقط من ضمنهم أنا، فعملت في الاذاعة والتلفزيون كمذيع وعندما تأكدت أن المذيع ماهو إلاّ امتداد لآلة المايكروفون، غادرته الى القسم الثقافي الذي كان يضم كبار المثقفين حيث كان رئيس القسم الشاعر الكبير حسب الشيخ جعفر، وأيضا كان الشاعر حسين مردان، وفي نفس الوقت عملت محرراً في مجلة الاذاعة والتلفزيون المجلة الأشهر في العراق والتي كان رئيس تحريرها الشاعر زهير الدجيلي “رحمه الله” أتذكر أنهُ كلفني مرة بمحاورة المطربة عفيفة اسكندر لكونها لاتقبل باجراء حوار صحفي، فقابلتها وطلبت أن اجريه بساعة واحدة فقط، لكن الطريف أنّها استمرت بالحوار الى منتصف الليل وهي مستمتعة بالحديث عن كل حياتها، وانتهى الحوار بدمعة متبادلة مابيننا كوني كنت أعرف مواجع نائمة بحياتها الحافلة، وهكذا كانت لي حوارات أخرى مع فنانين مخضرمين مثل محمد البنچرچي، ونور الشريف. انتقلت بعد ذلك الى قسم المسرح، أتذكر أنّ الفنان الكبير الراحل جعفر السعدي، سلمني منهج قسم الفنون المسرحية وحينما اطلعت عليه ووجدت فيه مفردات علم النفس، قلت له أنّ كل هذا لايجدي نفعاً لأنه يخص طلبة علم النفس ونحن مسرحيون، فوضعت منهاجاً جديداً باسم “التحليل الشخصي” كنت أكمل مع طلبتي الكورس الأول بتحليل الشخصية من منطلق سايكولوجي وأطلب في نهاية الفصل من كلّ طالب أن يقدم تقريرا يختار فيه شخصية مسرحية كشكسبير او هاملت اوعطيل مثلاً.

وعن ابرز طلبته الذين يعتز بهم الدكتور صالح ذكر شفيق المهدي، والفنانة الكبيرة فوزية الشندي، والفنانة هديل كامل التي اصرت أنّ ادرسها في الماجستير مادة تحليل الشخصية، هؤلاء الطلبة كنت أطلب منهم في الكورس الثاني معايشة ميدانية داخل المستشفى.