البناء الشعري على المفارقة في مامضى…في وقت لاحق

319

منذر عبد الجبار/

عرفت ُ الصديق المبدع رضا المحمداوي مخرجا ً تلفزيونيّا ً متميّزا ً، كما عرفتُه ُ شاعرا ً في قصائد جميلة قرأتُها له متفرقة منذ مطلع التسعينات، فلم تتكوّن عندها لديّ صورة متكاملة عن طبيعة اشتغاله ِ الشعري والمنطقة التعبيريّة التي يدور في فلكها , حتى قرأتُ مجموعتَهُ الموسومة (ما مضى …في وقتٍ لاحق) الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة عام 2014
وحقيقة الأمر أن أول المداخل التي استوقفتني في المجموعة وكانتْ مفتاحا ً سحريّا ً لقراءة الشاعر هو العنوان الدال على المفارقة اللغوية والزمنية معا ً , ما يعني أن الشاعر عازم على الغور في فضاء تأملي يُحّلقُ فيه بأجنحة الفانتازيا التي تصرخ فيها صور الواقع المرير ذي السخرية المؤلمة التي تشير إلى أجواء عاشها هو مع جميع أبناء جيله لتصبح رمزا ً ومنطلقا ً مُعبَّرا ً عن حياة تكتظ بالفجائعيات والمفارقات والعذابات, التي تتطلب حتما ً نصَّا ً مُشاكسا ً منسوجا ً من حساسيّة عالية بالأشياء والأحداث .
ضمَّتْ المجموعة الشعرية للمبدع رضا المحمداوي أكثر من ستين قصيدة جاءت بمائة وخمسين صفحة من القطع المتوسط , والقصائد جميعها تنطلق من هاجس اللوعة , وتعتمد في بنائها على اللقطات المُنتزعة من جسد الحياة اليومية, مع رشاقة ٍ لغوية ٍ تأخذ من الحس الشعبي مُحَّركا ً لأدواتها , وهذه المقطعات ” اللقطات ” التي يبني الشاعر منها نَصّهُ تجعله ُ بعيدا ً عن الإطار المُحَّدد للشكل كما هو مألوف في العديد من قصائد النثر التي تكتب اليوم ليتنامى النص لدى (المحمداوي) حكائيا ً ودراميا ً وهذه التقنية تسمح له بحريّة الإلتقاط وكذلك التحَّرر من البُعد الزماني والمكاني أيضا , ولابُدَّ من الإشارة إلى أن بعض النصوص في المجموعة حاول الشاعر فيها الانعتاق من منظومة اللقطات , إلا أنهُ اعتمد فيها الجملة الحادة القصيرة المقطوعة أحيانا ً ليعطي تصورا ً نفسيا ً للحدة التي تنتابُ مشاعره ُ وأحاسيسهُ للتعبير عن ملامح المحنة التي نعيشها جميعا ً , ومن هذه القصائد قصيدة ( قبل أن يدلف النهر للجنوب) وقصيدة (خطيئة أخرى أيها القديس ) وبعض القصائد الأخرى التي ضمتها المجموعة.
يلجأ الشاعر في بعض قصائده إلى المفارقة اللغوية , كما في قصيدته الأولى في المجموعة “صباحات غير مسعّرة” حيث يقول :
صباح ُ الخي ……بةِ
صباح ُ الخي …..ط الذي ان …ق … طع
أو في قصيدة ” أصابع في عسل الوقت ” حيث يقول فيها :
الوقتُ يرتحلُ
الوقت ُ يضيعُ
الوقت ُ خ….ي…..ط
د…..م …..ي..س..ي..ل …….ال.. ط … و… خ … ق….ت …ل. ي …….
هذه التقطيعات لها دلالاتها التعبيرية والفنية أيضا ً فهي تفصحُ عن قسوة سريان المفردة في جسد النص لأنها تنطلقُ خارجَ نسقهِ لذلك يجب التعبير عنها بصورة مختلفة وبعد صوري وصوتي يُعبُّر عن شراسة اللحظة , ومسعى الشاعر لكيفية التعبير عنها , وفي هذا الأسلوب الكتابي , الذي هو ليس جديدا في الشعر , كلام قد يطول , ولنا معه وقفة أخرى , من خلال نموذج الشاعر رضا المحمداوي ونماذج شعرية أخرى لها ذات الاشتغال الفني .
في قصيدتي الشاعر ( فقدان شخص ) و( ما مضى في وقت لاحق ) التي حَمَلتْ المجموعة الشعرية عنوانها ثمَّة تجريبية عالية المستوى ففي القصيدة الأولى يضع الشاعر صورته مع الإعلان عن فقدانهِ , وهي تقنيا ً , تشبهُ قصيدة للشاعر الكبير فاضل العزاوي في إحدى مجموعاته الشعرية المبكرة , وقد وضع صورته في أعلى القصيدة وكتب عنها معلومات شخصية عنه , وهي في رأيي قريبة للاشتغال الفني الذي ذهبت إليه قصيدة الشاعر المحمداوي , وهنا تذكير بتلك القصيدة فقط , لأن الشاعر(المحمداوي ) في (فقدان شخص) أعطانا نصَّا ً جميلا ً مُعُّبرا يعتمد المفارقة في أعلى درجات التعبير عنها .
أما القصيدة الثانية (ما مضى.. في وقت لاحق ) , فهي قصيدة توليدية بنيت على أيام الأسبوع ( السبت…الاحد … الاثنين .. الثلاثاء …الى نهاية الاسبوع ) حيث أفرد لكل يوم مقطعا ً شعريا ً منفصلا ً ومستقلا ً يمّثل حلقة من سلسلة أو قلادة إنفرط عقدها بين يدي الشاعر في بداية القصيدة فراح يحاول أن يجمع تلك الحلقات المنفرطة حسب توالي أيام الاسبوع وهذه تقنية شعرية فيها الشيء الكثير من النفس التجريبي .
على العموم , الكلام يطول في تجربة الشاعر رضا المحمداوي , الذي يجيد بشكل ملفت للنظر الاستهلال القوي والنهاية المتقنة لكل قصائده , أتمنى له مواصلة العطاء ودوام النجاح والتألق .