التجييل قضية طارئة على ثقافتنا طالب عبد العزيز: الشعر مثل أيِّ صنعة في الحياة، فيها السامي والرديء

333

حوار أجراه: علي السومري /

قلةٌ ممن يعيشون الشعر كما يكتبونه، وهو واحد منهم، شاعرٌ رافديني عراقي بصري وخصيبي، عانى كثيراً بسبب مواقفه من النظام البائد، ويعدّه المختصون أحد أبرز كُتّاب قصيدة النثر في العراق والعالم العربي، إنه الشاعر طالب عبد العزيز، المولود في محافظة البصرة عام 1954، المؤمن بقدرة القصيدة على إعانتنا في الحياة.
أصدر (عبد العزيز) في الشعر مجاميع عدة، بينها (تاريخ الأسى، ما لا يفضحه السراج، تاسوعاء، الخصيبي، طريقان على الماء، واحد على اليابسة) وكتب أخرى مثل (قبل خراب البصرة، كتاب أبي الخصيب) إضافة لكتابه (من الفندق إلى الحانة) وهو كتاب في أدب الرحلات.
شاعرٌ وكاتب، خصّ مجلة الشبكة بحوار ابتدأناه بسؤال:
الشعر لحظة أسطورية
•كنت وما زلت ممن يراهنون على الشعر، ما رأيك بمن يقول بأن اليوم هو زمن الرواية لا الشعر؟
-مع أنَّ مكتبتي تغصُّ بكتب السرد والنقد والروايات وكتب السير، ولا يشكل الشعر فيها إلا بحدود 25%، إلا أنني أجد في الشعر ما هو جدير بالقراءة والكتابة والتأمل، فلحظة الشعر قراءةً أو كتابة لحظة علوية، لا تنافسها لحظات أخر، إذ ليس هناك من فن إنساني سبقه إلى أسماعنا وقلوبنا، وهذه إنخيدوانا، الشاعرة الرافدينية، التي كتبت الشعر قبل نحو ثمانية آلاف سنة ما زالت تدعونا لقراءتها. ولا أقدم جديداً إذا قلت بأن الشعر يعيننا على الحياة، وهذا لا يعني تنازلنا عن الخبز، إنما نتحدث عن الشعر بوصفة المملكة الرفيعة في تدرج الجمال، نحن نستحضره ساعة نكون عاجزين عن قول شيء ما. والشعر ليس ما نكتبه حسب، إنما هو ما لا نستطيع نسيانه، وهذا لا يعني ما نسمعه على المنصات من أفواه البعض في المهرجانات، أو ما نقرأه في الصحف والمطبوعات الاخرى، أبداً، العالم بشعرائه وبلغاته لم يقل إلا الجزء اليسير منه، هناك ما ليس بمقدورنا وصفه من القصائد، التي لم تنطق بفم ولم تكتب بقلم على ورق، ستظل بعيدة عنا، تتضاعف مع الزمن، ذلك لأن لحظة أسطورية لم تئن لها بعد. العالم بأسراره المخيفة، وبانحداره المريع بحاجة إلى اللحظة تلك، التي قد لا تأتي أبداً.
فن يحاكي الوجدان
•لماذا لا نجد أي اهتمام بترجمة الشعر إلى اللغات العالمية الأخرى، كما يحدث اليوم مع الرواية العربية بشكل عام والعراقية بشكل خاص؟ وأين تكمن المشكلة؟
-أعتقد أن الإجابة ستكون بنقطتين، أولاهما أن نقاد الشعر العربي لدينا ساهموا بترسيخ مقولة (الشعر ديوان العرب) التي أخرجت النثر العربي والرواية زمنا طويلاًعن دائرة الدرس النقدي، بما جعل من هذا الضرب من الكتابة هامشاً إزاء القصيدة ، الأمر الذي انعكس سلباً على الشعر فيما بعد، أو في السنوات الأخيرة، على وجه التحديد، إذ معلوم أن عمر الشعر يفوق عمر الرواية بمئات السنين، ولا يتجاوز عمر أول رواية عراقية المئة سنة. والنقطة الثانية باعتقاد البعض تكمن بأنَّ الشعر يطرح الاسئلة، ولا يجيب عليها، وهو فن يحاكي الوجدان، ويتحرك في فلك الاخيلة، وفي جانب منه يميل إلى التلغيز فتتعدد مستويات قراءته إلى ما هو ميتافيزيقي، أما الرواية فهي نتاج عصر الصناعة والتحولات الكبرى، وهي الفن الذي يثير الأسئلة ويجيب عليها، وقادرة على تناول معطيات العصر، بل الرواية وعاء لكل الفنون، وحوض كبير تسبح وتتصارع فيه الأفكار، لذا، أصبحت الأقرب إلى إنساننا المحاصر بالاسئلة الكبرى في الوجود والسياسة والاقتصاد والاجتماع وغيرها.
واحدة من أسباب تراجع ترجمة الشعر العربي بعامة قد لا تكمن في السببين السالفين إنما تكمن في لغتنا العربية، هذه اللغة المحمولة على المجازات والتوريات وذات البلاغة العالية، التي يصعب معها نقل كثير منها إلى لغة أخرى، ولعلي أورد جملة بسيطة هنا وعلى القارئ تصور مأزق اللغة. لديّ كتاب شعري في المطبعة الآن بعنوان (سريرُها وما يليه) طلبت دار النشر مني ترجمته إلى الانجليزية لدواعي التعريف به في الغلاف الداخلي، لذا كان عليّ الاستعانة بمترجم فكانت ترجمته عند أحد الاصدقاء العارفين: ( Her Bed and beyond) فيما جاءت ترجمة أستاذ الترجمة في كلية الآداب بالجامعة على الصيغة هذه:
(Her Bed and it’s Aftermath) والفرق واضح بين مفردتي ( beyondوaftermath ) هكذا، كانت اللغة عائقاً في إيصال المعنى العربي الذي قصدته، فحقيقة ما يحدث في سريرها، أبعد مما ذهبت إليه الترجمتان، مع سعة الانجليزية ومقدرة المترجمَين، ذلك، لأنَّ المسكوت عنه في الجملة العربية واضح جداً، بينما عجزت الانجليزية العظيمة عن إيصاله كما يجب.
على الصفحات الزرق تبجّل المواهب
•هل خدمت مواقع التواصل الاجتماعي الشعر أم أضرت به، نتحدّث من حيث النوع لا الكم؟
-لا أعتقد بضرر ما، أبداً، إنما أعتقد العكس تماماً، فقد انتفع الشعر والشعراء والقرّاء، على حد سواء، بما تقدّمه خدمة المواقع الالكترونية، فقد بات من السهل علينا قراءة مئات القصائد والكتب وبلغات مختلفة، واستطعنا متابعة ما ينشره الشعراء بشكل آني، وصار بمقدور الشاعر معرفة آراء أصدقائه وأقرانه شعراء وقراء، بل تمكّن الشاعر المقتدر من إضافة مئات القراء والمتابعين وبما تعجز عن تلبيته كتبه المطبوعة، وقد قال سعدي يوسف ما معناه إنَّ قصيدته صارت تقرأ من عدد كبير من القرّاء في الساعة الأولى من نشرها، الأمر الذي لا يحصل عليه الديوان الشعري بعد أسابيع من صدوره.
أما عن قضية الكم والنوع، فهذه قديمة جديدة، فالشعر مثل أيِّ صنعة في الحياة، فيها السامي والرديء، وفيها الشاعر المقتدر والأدنى قدرة، مثلما فيها الحقيقي والطارئ، ولا أعتقد بحظوظ للطارئ والرديء، فعلى الصفحات الزرق تبجلُ المواهب وتنحدر الترهات.
قضية التجييل بعثية
•ربما لك رأي بموضوعة التجييل، لكنني هنا أود أن أعرف رأيك بالقصائد التي يكتبها جيل ما بعد ٢٠٠٣؟
-معلوم أنَّ فكرة الجيل تعني عشرة أعوام في الزمن، وهي تسمية شاعت في بعض دول اوروبا، وفي العدد 26 شتاء 2021 من مجلة (الأديب العراقي) هناك حديث مفصل عن قضية الاجيال، قلتُ فيه بأنها طارئة على ثقافتنا، وإنها ابتدعت في مطلع سبعينيات القرن الماضي، من قبل الحكومة البعثية، بغرض منابزة الشعراء الشيوعيين والثقافة اليسارية، المعروفة في العراق، ثم، واجه القائلون بهذا التصنيف تحدياً جديداً، مفاده وماذا عن جيل الثمانينيات؟ ثم شاعت هذه الثقافة، وتقبّلها بعض النقاد، فابتدعوا تسمية جيل الرواد، وجيل الستينيين و… وبرأيي، لا يمكن تقطيع جسد الثقافة العراقية بسكين العقود، وتسمية كل عشر سنوات جيلاً ثقافياً.
لذا، لا أرى في تسمية جيل ما بعد 2003 جدوى ثقافية، فقد كان لنا موقف من النظام السياسي السابق منذ السبعينيات، وسجّلنا رفضنا لممارساته في قصائد وأحاديث كثيرة، وهناك مما يطلق عليهم جيل ما بعد 2003 من كانوا بيننا، وهم اليوم شعراء وكتاباً ممن تفخر الثقافة العراقية بوجودهم، ولا أريد تسمية أحدٍ هنا، لكنني أشير إلى تجارب شبابية تجاوزت مفاهيم الأجيال إلى ما هو كوني وكبير، وذلك بتأثير من حلقات التواصل بين أغلب منتجي الثقافة. شخصيا، وقد تجاوزت الستين عاماً، أرى في قصائد لشعراء شباب، هم بعمر أبنائي، ما يدعوني إلى الغيرة والحسد، وبما يحرّضني على مراجعة تجربتي. الشعر والثقافة بعامة حاضنة لما هو أكبر وأوسع من قضية الاجيال والتجييل، سيئة السمعة.
البصرة مدينة غير طاردة
•لنتحدث عن مدينتك الأثيرة، البصرة، ما الذي منحته هذه المدينة للشاعر فيك؟
-أنا كائن أرضي، مشدود إلى الماء والطين، والبصرة مدينة من سعف وظلال، من حجارة بيضاء وأخرى بلا لون، من وليٍّ اسمه عليٍّ ومن أمٍّ اسمها عائشة، من حسن وبصري ومن رابعة وعدوية، من بيان وتبيين وجاحظ ومن بشار وبرد وأبي نواس .. لذا، هي مدينة غير طاردة، أحبها حدَّ التماهي فيها لكنني، إذا أسهبتُ بمديحها قالوا عني: طائفي ومناطقي. وإذا سكتُّ عما تؤول اليه، اتهمني قومي بالتخلي عنها، فأنا في الحالين أشكوهم وأشكوها. أعتقد أن على الشاعر التعلق بالمكان، أيِّ مكان، حيث ولد وحيث عُرف وألِف، فالجغرافيا والتاريخ مادتان ضروريتان في الشعر، ربما كانت المدن عند البعض مكاناَ في الذاكرة، كما يقول سعدي يوسف عن البصرة، بحكم المدن التي انتقل اليها وعاش فيها، أما أنا فلم أشأ مغادرتها، لا لأنها الفردوس، أبداً إنما لأسباب منها، أنها مدينة الأهل والأجداد، الذين تركوا لي بيتاً للسكن وبستاناً للغرس، وهي ليست كباقي المدن المتحولة، التي لا تملك تاريخاً متواصلاً، كذلك أجد الانتساب لها قضية غائرة في الوجدان، وقد خالطت الشراسيف، وهي (الطَّرَفُ اللَّيِّن من الضِّلَع ممّا يلي البطن) وأخشى أن أذهب إلى أبعد من ذلك في علاقتي بها، لكنني، لا أجد الحرج في قولي بأنَّها أضافت لي شاعراً ما لم تضفه أيِّ مدينة أخرى، ويُطربني أنْ يشار لي بقولهم شاعر خصيبي وبصري.
الشعر عراقي بامتياز
•هل انتهت فكرة المركز وهوامشه في الثقافة العراقية، بعد سقوط الطاغية عام ٢٠٠٣؟
-نعم، انتهت، أخذت شوطها عقب سنوات من التغيير، واشتغلت عليها الصحافة الثقافية ثم لم تجد ما يبقيها كحقيقة وواقع. كل الأدباء الذين دخلوا العراق، بعد عام 2003 تيقنوا بأن لا داخل ولا خارج في الثقافة، إنما، هناك من يملك مشروعاً ثقافياً، وهناك آخر يملك قناعاً ثقافياً، فضحه في أول احتكام لنصوصه، ولسلوكه أيضاً، وقد فوجئت ذات يوم بواحد من هؤلاء، حيث مكث في اوروبا أكثر من ربع قرن، لكنَّه لم يتخلَ عن سلوكه الشائن، الذي خرج به، بل وبدا لي أكثر قبحاً وادعاءً بعد عودته.
أعتقد بأن الثقافة العراقية أصيلة ومتجذرة، وهي أكبر من قضية مثل الداخل والخارج، وهي كبيرة في التصور العربي لها، وأكبر من تصورنا عنها، وقد كنت شاهداً على ذلك في محافل عدة، نحن فخورون بأنَّ الحرف الاول كان رافدينياً، وأنَّ الشعر عراقيٌّ بامتياز، وأن التشكيل العراقي أكبر من ظاهرة فنية عراقية وهكذا كان المسرح وسواه من الفنون.
(من الفندق إلى الحانة)
•ما جديدك؟
-انتظرُ توزيع كتابي الشعري الجديد (سريرُها وما يليه) الذي صمّم غلافه ورسم لوحاته الداخلية الفنان الكبير ضياء العزاوي، وسيصدر عن دار الرافدين في بيروت وبغداد، وعن الرافدين أيضاً صدرت العام الماضي الطبعة الثانية من كتابي الأول (تاريخ الأسى) وقبلها كنت قد أصدرتُ عن دار المدى كتابي (من الفندق إلى الحانة) وهو كتاب رحلات، يجمع بين السرد والشعر. كما طلبت مني دار (العائدون) التي يديرها بعمّان الصديق الشاعر عمر شبانة كتاب مختارات شعرية، لم أجد الوقت بعد له، لكنَّ أحدَ الاصدقاء الشعراء الشباب تكفّل بجمعه والتقديم له. وهناك كتاب شعري لم أجمعه بعد، ليتني أمنحُ العمرَ لأفيه حقه.